الرئيسة المقالات1432 هـاعتزال الخلاف (14)

اعتزال الخلاف (14)

من الناس من يحسن به أن يعتزل خلاف العلماء، ولا يدخل نفسه في هذه المضايق؛ لأنه يفسد فيها أكثر مما يصلح، وربما كان معتاداً على قول وسمع غيره، فلم يستسغه وشرق به، ولو كان القول الذي طرأ عليه قولاً قوياً أو راجحاً، أو قال به أكثر أهل العلم، وكانت أدلته صريحة، ولكنه لم يتعود عليه، وربما يكون القول الذي يألف مما لا دليل عليه أصلاً، أو من المحدثات العملية التي اعتاد الناس عليها.
ومن الناس من يكون اعتزاله لأي خلاف يحدث خيراً له وللناس، وذلك لأن دخوله في هذا الخلاف مما يزيد النار اشتعالاً، فهو كالذي يقذف فيها حطباً، كأن يكون سريع الاعتقاد، شديد الحماس، ينبري للقول ويتلقاه بغير روية، ويفتن فيه الناس، ويحملهم على الاصطفاف والتخندق، ويضري الكلام، ويبدئ ويعيد، ويحشد الأتباع، وفي نهاية الأمر، فكل ما فعل هو قسمة الناس بين مؤيد ومعارض، وربما كان جهاده في أزمة وضعت أوزارها، أو قضية فاز فيها سواه، وهو لا يعتبر من تجاربه، ولا يسأل عن ربح أو خسارة، وكأن بعض البشر يثبتون ذواتهم عبر هذه الأدوار المستنسخة، ويذهبون ليأتي غيرهم، ويعيد التجربة.. وبذا يظل المجتمع منقسماً على نفسه، دون فاعلية، أو عطاء، أو إنتاج!
الخلاف والأخلاق:
العلماء الراسخون متطبعون على الخلاف؛ ولذا لا يحدث في قلوبهم تغيراً ولا وحشة، وقلما تكلم بعضهم في بعض بما ينقصه أو يحط من قدره، والغالب عليهم حسن الظن، والتعاذر، والموضوعية، والتقوى.
ولما سئل علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن الخلاف بينه وبين أهل الشام: هل هو أمر عهده إليه النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: [ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعهد إلينا عهداً نأخذ به في الإمارة، ولكنه شيء رأيناه من قبل أنفسنا ].
وهذا بخلاف قوله رضي الله عنه في الخوارج؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أخبر عنهم، وقال: ( يخرج في هذه الأمة قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، فيقرؤون القرآن لا يجاوز حلوقهم أو حناجرهم يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية ).
وفي رواية: ( لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد ).
وفي حديث آخر: ( فإذا لقيتموهم فاقتلوهم؛ فإن في قتلهم أجراً لمن قتلهم عند الله يوم القيامة ).
وذكر منهم ذا الثدية، حتى إن علياً رضي الله عنه أمر أن يبحث عنه بين الجثث، فطلبوه فلم يجدوه، فقال: [ ارجعوا، فوالله ما كذبت ولا كذبت ]. فرفعت الجثث فوجدوه في تحتها. فقال: [ صدق الله ورسوله ].
فرق رضي الله عنه بين قتال الخوارج الذي كان بتوصية من النبي صلى الله عليه وسلم وعهد عهده إليه، وبين القتال الذي حصل بينه وبين أهل صفين وكان مبناه على الرأي والاجتهاد.
والأئمة الأربعة رحمهم الله على ما بينهم من الخلاف في الرأي، كان دأبهم المودة والمحبة، وجلوس بعضهم إلى بعض، ونقل بعضهم عن بعض، وثناء بعضهم على بعض، مما هو مبسوط في موضعه.
وهذا باب من الفقه والأدب عظيم، يقتضي عدم تضخيم الخلاف أو المبالغة فيه بما يفضي إلى تمزيق الأخوة الإيمانية، فلئن كان العلماء قد اختلفوا في مسائل من فروع الشريعة، فقد اتفقوا قطعاً على وجوب محبة المؤمنين بعضهم بعضاً، وعلى تحريم التباغض والتحاسد والتحاقد بين المؤمنين، وعلى أن الأخوة رباط قائم لا يزول إلا بزوال الإيمان، وإن كانت تتفاوت بحسب قوة الإيمان وضعفه لمن يمنح المحبة والولاية، أو لمن تصدر عنه المحبة والولاية.
كما اتفقوا على حفظ الحقوق المنصوصة في الكتاب والسنة، ووجوب الالتزام بالأخلاق المفترضة مع الناس كافة، فلا ينبغي أن تعصف الجزئيات أو الفرعيات التي اختلفوا فيها بهذه القطعيات التي هي محل اتفاق قاطع.