الرئيسة المقالات1432 هـهل من سبيل لرفع الخلاف (12)

هل من سبيل لرفع الخلاف (12)

ولو افترض جدلاً أن كثرة العلم، أو أن كمال الإخلاص، يفضي إلى رفع الخلاف؛ فإن هذا يؤكد أن الخلاف يتسع بمرور الأيام؛ لأن الناس في جملتهم لا يزالون في نقص وقلة علم وفهم وإخلاص وصفاء قلوب.. وكما قال صلى الله عليه وسلم: ( لا يأتي عليكم زمان، إلا والذي بعده شر منه؛ حتى تلقوا ربكم ).
إن العواطف الغامضة التي تتبرم بالخلاف، دون تمييز بين صالحه وفاسده، ليست مما ينبغي أن تحفل به، فإنك لواجد في نفسك من ذلك مثل ما تراه من غيرك أو أكثر، من حيث تشعر أو لا تشعر، فخلافك مع زميلك في العمل، أو مع أخيك وجارك، وكيف وصل الأمر مرة أو مرات إلى الترافع في المحاكم، وقد ينتهي الخلاف وفي النفوس ما فيها.. فغيرك مثلك.
وقد تصبح جزءاً من هذا الخلاف عندما تنقل كلام هذا وكلام ذاك، وتنشغل بقضايا جزئية في الحياة أو العمل أو العلم أو الدعوة، بينما تغفل عن قضايا كبيرة كان يجب أن تكون هي محط اهتمامك.
قرأت قصة جميلة عن الإمام أحمد، وقد جاءه شاب يقال له: أبو جعفر أحمد بن حبان القطيعي، يعرف بـ: شامط، فجلس عنده، وقال له: أتوضأ بماء النورة؟ فقال أحمد: ما أحب ذلك. قال: أتوضأ بماء الباقلاء؟ قال أحمد: ما أحب ذلك. قال: أتوضأ بماء الزردج؟ قال أحمد: ما أحب ذلك. ثم قام هذا الطالب يريد أن ينصرف، فتعلق أحمد بثوبه، فقال له: أيش تقول إذا دخلت المسجد؟ فسكت. فقال: وأيش تقول إذا خرجت من المسجد؟ فسكت. فقال: اذهب فتعلم هذا.
من فقه الإمام أن علمه رأيه في المسألة بحلم؛ لأن المسألة كانت محل اجتهاد ونظر، وفرق بين الشرع المحكم الذي لا يجوز مخالفته، وبين رأي العالم الذي هو رأي يحتمل الخطأ والصواب، وعبر بقوله: ما أحب ذلك.
وكان الإمام أبو حنيفة يقول: قولنا هذا رأي، وهو أحسن ما قدرنا عليه، فمن جاءنا بأحسن من قولنا، فهو أولى بالصواب منا.
ثم بين له بطريقة لبقة أن انشغال الطالب المبتدئ بجزئيات وخلافيات، يركض بها بين حلقات العلم، ويسأل هذا وهذا مما يعاب وينتقد.
وتلحظ أنه أمهله حتى أفرغ ما عنده، ثم أمسك بثوبه؛ وسأله الأسئلة المتعلقة بالأذكار، ولما لم يعرف لم يحرجه، بل قال له: اذهب فتعلم هذا. أي: لا تنهمك في قضايا الخلاف الجدلية، وأنت لست من أهلها، واشتغل بما يصلح دينك من المسائل العملية التي تحتاجها، حتى إذا وصلت إلى مقامات العلماء أو طلبة العلم الكبار، فلكل حدث حديث، ولكل مقام مقال، ولكل مرحلة شرعها وحكمها.