الرئيسة المقالات1430 هـالفيلسوف الرباني (4/5)

الفيلسوف الرباني (4/5)

الشافعي وتهمة التشيع:
كان بعض طلبة العلم في عصره رحمه الله منحرفين عنه لسبب أو لآخر، فاتهموه بأنه كان متشيعاً، وحاشاه! ولم يكن الشافعي كذلك، وإنما كان يحب أهل البيت، وكلنا يحب أهل البيت، وله في ذلك قصيدته الشهيرة التي يقول فيها:
يا راكباً قف بالمحصب من منى             واهتف بقاعد خيفها والناهض
سحراً إذا فاض الحجيج إلى منى فيضاً كملتطم الفرات الفائض
إن كان رفضاً حب آل محمد فـليشهد الثقلان أني رافضي
فقيل للإمام أحمد رحمه الله: (إن هناك من يتهم الإمام الشافعي بالتشيع، ومنهم فلان وفلان! فقال الإمام أحمد رحمه الله: أنا لا أدري ما يقولون، ولكن والله ما رأيت من الرجل إلا خيراً، وإن الرجل من أهل العلم إذا آتاه الله تعالى ومنحه شيئاً، وحرم أقرانه منه فإنهم يحسدونه على ذلك، ويرمونه بما ليس فيه).
وهذه شهادة عظيمة للإمام الشافعي على لسان الإمام أحمد لم يحبها أقرب الناس إليه، والإمام أحمد يشير بهذا إلى بعض طلبة الحديث الذين وجدوا على الشافعي ما وجدوا.
الشافعي وتهمة الاعتزال:
أيضاً اتهم الشافعي رحمه الله بالاعتزال، وذلك لأنه تتلمذ على يد رجل من أهل المدينة يقال له: إبراهيم بن أبي يحيى، أخذ عنه في حداثة سنه يوم كان يأخذ عن الإمام مالك رحمه الله، وكان الشافعي احتاج إلى مرويات إبراهيم هذا لما كان في مصر في آخر عمره، وكان ينقل عنه ويقول: حدثني الإمام إبراهيم، أو حدثني الثقة.
كان إبراهيم بن أبي يحيى متروكاً عند أهل الحديث، أما الشافعي فكان له فيه رأي آخر وكان يروي عنه، ولما كان فيه من الاعتزال ألصق البعض هذه التهمة بـالشافعي.
ويكفي في نفي هذه التهمة وردها: أن الشافعي رحمه الله كان من أكثر العلماء ذماً لعلم الكلام، وكلامه في ذلك كثير، وقد شنع عليهم، حتى كان يقول: (حكمي في أصحاب الكلام أن يضربوا بالجريد، ويحملوا على الإبل، ويطاف بهم في العشائر والقبائل، فينادى عليهم: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأخذ في الكلام).
وكان يصرح بأنه يثبت أسماء الله تعالى وصفاته على ما قال الله تعالى، وعلى ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى ما عليه أصحاب محمد والتابعون لهم بإحسان.
فكان الرجل سليم السريرة، نقي الطوية، صالح الاعتقاد، سليم السلوك، ولكن القوم حسدوه كما قيل:
حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه فـالـقوم أعداء له وخصوم
كضرائر الحسناء قلن لوجهها حـسـداً وبـغياً إنه لدميم
وقد تحامل على الشافعي أيضاً بعض المالكية، وذلك أنه لما جاء إلى مصر ظنوا أنه سوف ينشر مذهب مالك، فوجدوا أن الشافعي لا يفعل ذلك، وإنما يكتب كتاباً ينتقد مالكاً في مسائل، منها:
* قول مالك في إجماع أهل المدينة، حيث كان مالك يعده إجماعاً ويأخذ به، فخالفه بذلك الشافعي، وقال: (ما نقله أهل المدينة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو حديث يروى كما يروى عن غيرهم، وما قالوا به من عند أنفسهم فهو اجتهاد يخطئون فيه ويصيبون).
* وكذلك خالف الشافعي الإمام مالك في مسائل رأى الشافعي أن الحديث صح فيها، بخلاف ما قاله مالك رحمه الله.
وربما كان من قصد الشافعي أنه رأى تعظيماً لمالك أكثر مما ينبغي، خصوصا في بلاد مصر.
وربما بلغه شيء من ذلك حتى رأى نوعاً من الإفراط في محبة الإمام مالك وتعظيمه، وهذا لا شك ميدان تضعف فيه العقول عن النقد والتصحيح، وكثير من العوام يبتلون بمثل هذا، فأراد الشافعي أن يعيد الميزان إلى اعتداله، فكتب كتاباً في خلاف مالك، ونقد مالكاً في أمور خالفه فيها، مع حفظه لقدره ومكانته.
ولاشك أن الشافعي رحمه الله مات وهو يعتبر نفسه أحد التلاميذ الأوفياء لهذا الإمام العظيم الذي تلقى عنه وحفظ عليه، وكان كتابه الموطأ أول ما باشر عقل الشافعي وقلبه من العلم.