الرئيسة المقالات1430 هـإمام دار الهجرة (5/7)

إمام دار الهجرة (5/7)

إعراض مالك رحمه الله عن فضول العلم:
وظل مالك رحمه الله يأخذ العلم ممن جاء به، لا يفرق بين أحد؛ بل إنه أخذ من بعض طلابه مسائل ورجع عن مذهبه فيها -كما في ترجمة عبد الله بن وهب - فقد رجع إلى قوله في مسألة تخليل الأصابع في الوضوء .
وكذلك كان الإمام أحمد، فقد رئي معه كتاب ودواة الحبر ومعه القلم، فقيل له: إلى متى يا أحمد؟ فقال: (مع المحبرة إلى المقبرة) .
وكان الإمام الشافعي رحمه الله يقول:
ونـاعـية للبين قلت لها: اقصري            سـأنـفـق ريـعان الشبيبة كلها
سأطلب علماً أو أموت ببلدة يقل بها هطل الدموع على قبري
وليس اكتساب العلم يا نفس فاعلمي بميراث آباء كرام ولا صهر
ولكن فتى الفتيان من راح واغتدى ليطلب علماً بالتجلد والصبر
فإن نال علماً عاش في الناس ماجداً وإن مات قال الناس بالغ في العذر
إذا هجع النوام أسبلت عبرتي وأنشدت بيتاً وهو من ألطف الشعر
أليس من الخسران أن لياليا تمر بلا علم وتحسب من عمري
. والإمام مالك رحمه الله مع تأهله للفتيا والتدريس، واستمراره في طلب العلم كان يقظاً، حذراً، عاقلاً، لا يتكلم فيما لا طائل تحته، ولا يهجم على كل شيء.
جاء شيخ جليل فجلس في مجلس مالك رحمه الله، فسأله عن مسألة فلم تعجب مالكاً، فأعرض عنه، ثم أعادها عليه فأعرض عنه، ثم أعادها عليه فقال له الإمام مالك: (يا هذا! إذا رأيتني جلست لأهل الباطل فتعال أجبك معهم) . يعني: أن هذه المسألة التي يطرحها ليس لها قيمة؛ لأنها لا تقرب من الجنة ولا تباعد عن النار، ولا تصلح ديناً ولا دنيا.
إن كثيراً من المسائل إذا تأملتها وجدتها لا تغني في دنيا ولا في دين؛ ولهذا جلس رجل في مجلس مالك فقال: يا أبا عبد الله! (( الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ))[طه:5]، كيف استوى؟ فأطرق مالك رأسه حتى علاه الرحضاء ، ثم قال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وما أراك إلا رجل سوء. فأمر به أن يخرج) .
ولعل مالكاً رحمه الله عرف من شأن الرجل وطريقته وملابسات سؤاله ما جعله يفعل ذلك، وأدرك أنه لم يكن جاهلاً يسأل فيعلم، ولهذا كان الإمام مالك رحمه الله يكره الكلام فيما ليس تحته عمل، ويحكي كراهته عمن تقدم .
إن العلم الصحيح ما قربك إلى الله، وصحح قلبك ونيتك، ونور بصيرتك، وجعلك أكثر خشوعاً وزهداً وتقوى وطاعة.
أو ترى أن علمك الذي تشتغل به علم دنيوي نفعك في زراعة أو حرث، أو تجارة، أو إدارة، أو صناعة، أو كسب أو معيشة، فهذا من العلم الذي يحتاج إليه، ولا غنى للإنسان عنه.
والإمام مالك رحمه الله يقدم النصيحة نفسها في كلمة أخرى مضيئة، فيقول: (انظر ما ينفعك في ليلك أو نهارك فاشتغل به) .
ووصف الواقدي مجلس الإمام مالك رحمه الله فقال: (وكان مجلسه مجلس علم ووقار، وكان مالك رجلاً مهيباً نبيلاً، ليس في مجلسه شيء من المراء واللغط ولا رفع صوت، وكان الغرباء يسألونه عن الحديث، فلا يجيب إلا في الحديث بعد الحديث والمسألة بعد المسألة) .
إن مجلسه ليس مجلس جدل وخصومات، وليس مجلس سفسطة وقيل وقال، إنما هو مجلس تحفه الملائكة، وتغشاه السكينة، وتتنزل عليه الرحمة، فهو مجلس الهدوء والإيمان والتقوى، ليس فيه لغط ولا رفع أصوات، ولا جدل، ولا قصد الظهور، ولا الكلام في الناس: (( ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ))[فاطر:32].
خلوة الإمام مالك في بيته، وقعوده عن شهود الجماعة في المسجد:
حين خرج محمد بن عبد الله بن الحسن النفس الزكية لزم الإمام مالك بيته، ولم يشهد الجنائز، ولم يجب الدعوة، قال الواقدي ومصعب بن عبد الله: كان مالك يحضر المسجد ويشهد الجمعة والجنائز ويعود المرضى ويجيب الدعوة ويقضي الحقوق زماناً، ثم ترك الجلوس في المسجد فكان يصلي وينصرف ثم ترك عيادة المرضى وشهود الجنائز فكان يأتي أصحابها ويعزيهم، ثم ترك مجالسة الناس ومخالطتهم والصلاة في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، حتى الجمعة ولا يعزي أحداً ولا يقضي له حقاً، فكان يقال له في ذلك فيقول ما يتهيأ لكل أحد أن يذكر ما فيه، فاحتمل الناس له كل ذلك حتى مات على ذلك .
قال ابن كثير: " ومن وقت خروج محمد بن عبد الله بن الحسن لزم مالك بيته فلم يكن يأتي أحداً لا لعزاء ولا لهناء، ولا يخرج لجمعة ولا لجماعة، ويقول: ما كل ما يعلم يقال، وليس كل أحد يقدر على الاعتذار ".
وقد اختلف في السبب الموجب لتخلف الإمام مالك عن شهود الجمع والجماعات على أربعة أقوال:
القول الأول: أن الوقت وقت اعتزال لما فيه من الفتن الموجبة لذلك، فقد قال يحيى بن الزبير: قال لي مالك: اعتزلت أنت وعبد الله بن عبد العزيز؟ قلت: نعم، قال: عجلتم، ليس هذا أوانه.
قال: ثم لقيت مالكاً بعد عشرين سنة، فقال: هذا أوانه، ثم اعتزل ولزم بيته .
القول الثاني: وقد يكون تفسيراً للسبب الأول: أنه بسبب خروج محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب الذي يلقب بـالنفس الزكية خرج على المنصور بـالمدينة سنة 145هـ.
قال محمد بن عمر: لما خرج محمد بن الحسن لزم مالك بيته فلم يخرج منه حتى قتل محمد .
القول الثالث: أنه بسبب سلس البول.
قال عتيق بن يعقوب ومصعب: فلما حضرته الوفاة سئل عن تخلفه عن المسجد، قال عتيق بن يعقوب: وكان تخلفه عنه قبل موته بسنين، فقال:
لولا أني في آخر يوم من الدنيا وأوله من الآخرة ما أخبرتكم؟ سلس بولي.
فكرهت أن آتي مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم على غير طهارة استخفافاً برسول الله صلى الله عليه وسلم وكرهت أن أذكر علتي فأشكو ربي.
وفي طريق آخر أنه قال خيفة أن آتي منكراً القول الثالث: أنه بسبب فتق اعتراه بسبب الضرب فكانت الريح تخرج منه.
قال ابن دينار ومصعب: كان بـالمدينة رجل مسمى، وكان يقدم على العمري في فضله وصدقه، قال: قيل له: ألا تعظ مالكاً في تركه الجمعة والجماعة؟ قال: فأتاه فقال له: يا أبا عبد الله، نصيحة، قال: ما هي نصيحتك؟ قال: هي لله -تبارك وتعالى- ولا تغضب، قال: فقال يا ابن أخي وما دعاك إلى أن تغضبني؟ قال: هي نصيحة لله، قال: هلمها، قال: فقال له: يا أبا عبد الله ما لك لا تشهد جمعة ولا جماعة، وقد عرفت فضل الجماعة والصلاة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما بالك لا تعود مرضى إخوانك ولا تشهد جنائزهم، وما بالك إذا دعاك السلطان أسرعت إليه؟
قال: فقال لي مالك: كان عندي فيك نقص وقد تبين لي ذلك، أما قولك لا أشهد جمعة ولا جماعة، فوالله ما على الأرض موضع أحب لي من مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن بلغني أن الناس يتأذون بي، وأما قولك إني لا أعود مرضى إخواني فقد علم الثقات من إخواني ما لهم عندي، وقد علموا زمانتي وضعفي وعذري فعذروني، وأما سواهم من الناس فلا أبالي، وأما قولك: إذا دعاني السلطان أسرعت، فهذا ما نزل بظهري، وأيم الله لولا أني أجيبهم إذا دعيت ما رأيت لرسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا البلد سنة تذكر .
القول الرابع: أن السبب؛ خوفه أن يرى منكراً فيحتاج أن يغيره:
قال الذهبي في السير: " إسماعيل القاضي، سمعت أبا مصعب يقول: لم يشهد مالك الجماعة خمساً وعشرين سنة، فقيل له: ما يمنعك؟ قال: مخافة أن أرى منكراً، فأحتاج أن أغيره .
وقد قال ابن عبد البر في " جامع بيان العلم وفضله ": " وعابه قوم في قعوده عن مشاهدة الجماعة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ونسبوه بذلك إلى ما لا يحسن ذكره، وقد برأ الله عز وجل مالكاً عما قالوا، وكان -إن شاء الله- وجيهاً، وما مثل من تكلم في مالك والشافعي ونظائرهما من الأئمة إلا كما قال الشاعر الأعشى:
كناطح صخرة يوماً ليفلقها            فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل
أو كما قال الحسين بن حميد:
يا ناطح الجبل العالي ليكلمه            أشفق على الرأس لا تشفق على الجبل
ولقد أحسن أبو العتاهية حيث يقول:
ومن ذا الذي ينجو من الناس سالماً            وللناس قيل بالظنون وقال
وهذا خير من قول القائل:
قد قيل ذلك إن حقاً وإن كذباً             فما اعتذارك من شيء إذا قيلا
فقد رأينا الباطل والبغي والحسد             أسرع الناس إليه قديماً..
قال أبو عمر: والله لقد تجاوز الناس الحد في الغيبة والذم فلم يقنعوا بذم العامة دون الخاصة ولا بذم الجهال دون العلماء، وهذا كله يحمل عليه الجهل والحسد، قيل لـابن المبارك: فلان يتكلم في أبي حنيفة فأنشد بيت ابن الرقيات:
حسدوك أن رأوك فضلك            الله بما فضلت به النجباء
وقيل لـأبي عاصم النبيل: فلان يتكلم في أبي حنيفة فقال: هو كما قال نصيب:
سلمت وهل حي على الناس يسلم