الرئيسة المقالات1430 هـالإمام الأعظم.. أبو حنيفة (4/4)

الإمام الأعظم.. أبو حنيفة (4/4)

عنايته بتلاميذه وأصحابه رحمه الله:
كان أبو حنيفة قد فرغ تلامذته للعلم دون سواه، ومنعهم من أن يمارسوا أعمالاً أخرى في الصناعات والحرف، فأجرى لهم رواتب شهرية لتلامذته، وفي مقدمتهم أبو يوسف الذي نشأ في بيت فقير، وأراد أبواه أن يصرفاه عما هو فيه من طلب العلم، فقام أبو حنيفة بسد حاجته وحاجتيهما من المال، إن أبا يوسف يسجل ذلك بقوله: كان يعولني وعيالي عشرين سنة، وإذا قلت له: ما رأيت أجود منك! يقول: كيف لو رأيت حماداً؟! يعني: أستاذه حماد بن أبي سليمان، ومن هنا يتبين أن جود أبي حنيفة يصدر عن سجية وليس افتعالاً، وطبعاً وليس تطبعاً، وعفو الخاطر وليس تصنعاً .
إذاً أبو حنيفة يصبر على من يعلمه، وإن كان فقيراً أغناه، وأجزل عليه وعلى عياله حتى يتعلم، فإذا تعلم قال له: قد وصلت إلى الغنى الأكبر بمعرفة الحلال والحرام.
وقد كان كريم المجالسة، يأوي إليه أصحابه وينالون بره وخيره ويحمدون أمره، وكان وفيا لمن أدرك منه علما، وسخيا مع من تعلم منه، وكان يقول: (إني لأستغفر لمن تعلمت منه علماً أو علمته علماً) .
ثناء العلماء عليه رحمه الله:
لقد ترك أبو حنيفة رحمه الله أثراً واسعاً على الناس، بما بذله من علمه وفقهه، وقد شهد له العلماء بالفقه والإمامة.
قال عبد الله بن المبارك رحمه الله: (لولا أن الله عز وجل أغاثني بـأبي حنيفة وسفيان كنت كسائر الناس) .
وقال سفيان بن عيينة رحمه الله: (ما مقلت عيني مثل أبي حنيفة) .
وقال أبو داود السجستاني رحمه الله: (رحم الله أبا حنيفة كان إماماً) .
وقال شعبة بن الحجاج رحمه الله لما علم بوفاته: (لقد ذهب معه فقه الكوفة، تفضل الله علينا وعليه برحمته) .
وقال حماد بن زيد رحمه الله: (أردت الحج فأتيت أيوب أودعه، فقال: بلغني أن الرجل الصالح فقيه أهل الكوفة- يعني أبا حنيفة- يحج العام، فإذا لقيته فأقرئه مني السلام).
وقال عبد الله بن داود الخريبي رحمه الله: (يجب على أهل الإسلام أن يدعوا الله لـأبي حنيفة في صلاتهم؛ لحفظه عليهم السنن والفقه).
وقال علي بن عاصم رحمه الله: (لو وزن علم الإمام أبي حنيفة بعلم أهل زمانه؛ لرجح عليهم).
وقال ابن عبد البر رحمه الله: (كان في الفقه إماماً، حسن الرأي والقياس، لطيف الاستخراج، جيد الذهن، حاضر الفهم، ذكياً ورعاً عاقلاً).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (إن أبا حنيفة وإن كان الناس خالفوه في أشياء، وأنكروها عليه، فلا يستريب أحد في فقهه وفهمه وعلمه).
اختلاف الناس فيه رحمه الله:
لم يسلم أبو حنيفة كغيره من الأئمة الكبار من قالة السوء والأذى.
قال عبد الله بن داود الخريبي: (الناس في أبي حنيفة رجلان: جاهل به وحاسد له) .
وعن أحمد بن عبد قاضي الري، قال: حدثنا أبي، قال: كنا عند ابن عائشة، فذكر حديثا لـأبي حنيفة، فقال بعض من حضر: لا نريده. فقال لهم: أما إنكم لو رأيتموه لأردتموه، وما أعرف له ولكم مثلاً إلا ما قال الشاعر:
أقلوا عليهم لا أبا لأبيكم من اللوم            أو سدوا المكان الذي سدوا
. وقال أبو معاوية الضرير رحمه الله: (حب أبي حنيفة من السنة) .
إن إشاعة مثل هذه الأقوال ونشرها لهو حفظ لمقام إمام جليل القدر عظيم المكانة في تاريخ الإسلام، وهو تكريس للمسلك الأخلاقي المتبع بين الأئمة والفقهاء والعلماء والمحدثين في حسن الأحدوثة، والثناء المتبادل، وتجنب العصبية، وتفهم الخلاف، وهو تربية للطلبة والأتباع على الاحترام والأدب، ومجانبة الوقيعة والإطاحة، وتهذيب اللسان، وهذه أخلاق المسلمين، فضلاً عن الخاصة من أهل العلم والدين.
وأما ما يرويه بعضهم ويروجه من الأقاويل المجانبة لذلك، فهي أقوال مطرحة لا أصل لها، أو كلمات خرجت في ساعة غاب عن صاحبها التحري والأناة، وحقها ألا تجاوز ذلك المقعد، لا أن تنقل وتشهر وتبنى عليها الأحكام والظنون، وتكون سلماً للنيل من رجال الصدر الأول، كما جرى لبعض الجهلة والطائشين من الرمي بالكفر والبدعة والضلالة، نسأل الله العافية والسلامة والمسامحة: (( وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ))[الحشر:10].
وهنا نورد بعض ما أخذ على الإمام أبي حنيفة رحمه الله:
أولا: اتهامه بتقديم القياس على الحديث الصحيح:
وهذا يرده كثير من الروايات التي تنص على تعظيمه للحديث وتقديمه على القياس، منها:
1- قال الحسن بن صالح رحمه الله: (كان النعمان بن ثابت فهماً عالماً متثبتاً في علمه، إذا صح الخبر عنده عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعد إلى غيره).
2- قال أبو حنيفة رحمه الله: (ما جاء عن الرسول صلى الله عليه وسلم فعلى الرأس والعين وما جاء عن الصحابة اخترنا وما كان من غير ذلك فهم رجال ونحن رجال).
3- قال يحيى بن ضريس رحمه الله: (شهدت سفيان وأتاه رجل، فقال له: ما تنقم على أبي حنيفة؟ قال: وما له؟ قال: سمعته يقول: آخذ بكتاب الله، فما لم أجد فبسنة رسول الله، فما لم أجد في كتاب الله ولا في سنة رسول الله أخذت بقول أصحابه، آخذ بقول من شئت منهم وأدع من شئت منهم، ولا أخرج من قولهم إلى قول غيرهم، فأما إذا انتهى الأمر أو جاء إلى إبراهيم، والشعبي، وابن سيرين، والحسن، وعطاء، وسعيد بن المسيب وعدد رجالاً، فقوم اجتهدوا، فأجتهد كما اجتهدوا).
4- وقد اشتهر من أصول أبي حنيفة رحمه الله أنه لا يقدم شيئاً على الكتاب والسنة ثم قول الصحابي، وأما ما خالف من بعض الأحاديث فلاعتقاده أنها منسوخة أو لم تثبت عنده وثبت عنده ما يخالفها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضاً.
ثانياً: اتهامه بالضعف في الحديث:
وقد اختلف أئمة الحديث في الاحتجاج بحديث الإمام أبي حنيفة رحمه الله: فمنهم من قبل حديثه ورأى أنه حجة فيما يرويه، وهذا منقول عن: يحيى بن معين، وعلي بن المديني، وشعبة بن الحجاج.
ومنهم من ضعفه ولم يحتج بحديثه؛ لكثرة غلطه وعدم ضبطه.
قال الذهبي: (لم يصرف الإمام همته لضبط الألفاظ والأسانيد، وإنما كانت همته القرآن والفقه، وكذلك حال كل من أقبل على فن؛ فإنه يقصر عن غيره، من ثم لينوا حديث جماعة من أئمة القراء كـ حفص و قالون ، وحديث جماعة من الزهاد كـفرقد السبخي وشقيق البلخي، وحديث جماعة من النحاة، وما ذاك لضعف في عدالة الرجل؛ بل لقلة إتقانه للحديث، ثم هو أنبل من أن يكذب).
ثالثاً: اتهامه بالإرجاء:
بالرغم من ثناء الأئمة على الإمام أبي حنيفة رحمه الله في سعة علمه وفقهه وورعه ومجانبته السلاطين، فقد عابوا عليه كلاماً بلغهم عنه في الإيمان، وتكلموا فيه من أجله، كقوله: إن العمل لا يدخل في مسمى الإيمان، ومن هنا كان اتهام أبي حنيفة بالإرجاء.
وهذا إرجاء مقيد، وليس هو الإرجاء الخالص المطلق الذي يزعم أصحابه أنه لا يضر مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة، فبرغم موافقته لهؤلاء في عدم إدخال الأعمال في مسمى الإيمان، لكنه يختلف معهم اختلافاً جذرياً، فهم يرون أنه لا تضر مع الإيمان معصية، وهو يرى أن مرتكب الذنب مستحق للعقاب، وأمره إلى الله، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له، والمقصود أنه لا يجوز لنا أن نصف الإمام بالإرجاء المطلق.
ولم يختص أبو حنيفة رحمه الله بهذا المذهب وحده، بل إنه مذهب لبعض أهل العلم ممن اشتغلوا بعلم الحديث وروايته، بل إن منهم من روى له الشيخان -البخاري والبخاري- في صحيحيهما.
يقول الحافظ ابن عبد البر رحمه الله: (ونقموا أيضاً على أبي حنيفة الإرجاء، ومن أهل العلم من ينسب إلى الإرجاء كثير، لم يعن أحد بنقل قبيح ما قيل فيهم كما عنوا بذلك في أبي حنيفة لإمامته، وكان أيضاً مع هذا يحسـد وينسب إليه ما ليس فيه، ويختلق عليه ما لا يليق).
وكما قيل:
إن العرانين تلقاها محسدة ولن ترى للئام الناس حسادا
. وقيل:
حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه            فالقوم أعداء له وخصوم
كضرائر الحسناء قلن لوجهها            حسداً وبغياً إنه لدميم

عفة لسانه رحمه الله:
يقول ابن المبارك رحمه الله: (قلت لـسفيان الثوري: ما أبعد أبا حنيفة من الغيبة! ما سمعته يغتاب عدواً له قط. فقال سفيان: هو والله أعقل من أن يسلط على حسناته من يذهب بها).
وروي عنه أنه كان إذا بلغه عن رجل أنه نال منه، بعث إليه برفق وقال: (غفر الله لك يا أخي، وكلتك إلى من يعلم مني خلاف الذي قلت عني) .
وقد ابتلي هذا الإمام كما ابتلي إخوانه من سائر الأئمة الأربعة وغيرهم بمن يتقول عليهم، ويسيء الظن بهم، ويطلق لسانه فيهم بالباطل، ويسارع في تصديق الشر عنهم، فما كان يدخل مع هؤلاء في جدل ولا خصام، ولا مهاترة، وإنما كان يعرض، ويستغفر لنفسه ولهم، ويكلهم إلى الله، ويشغل وقته، ويصرف جهده ويحرك لسانه بما فيه خير ونفع، من علم أو فقه، أو عبادة وذكر، أو عمل للدنيا صالح فيه إعفاف النفس، وإرعاء على الصديق، وإنفاق على العيال، وترفع عن ذل التعرض لأهل المال.
وهذا مسلك خليق بأهل الفضل والديانة والدعوة في كل زمان ومكان أن يقتفوه، وألا يتشاغلوا بمجادلة البطالين الذين لا هم لهم إلا القيل والقال، ممن رضوا بالزهيد، وتقاعدت هممهم عن المعالي والفضائل.
وفاته رحمه الله:
أجمع أهل السير والتاريخ على أنه رحمه الله مات سنة خمسين ومائة وهو ابن سبعين سنة ، واختلفوا في أي الشهور منها على أقوال.
قال الحسن بن يوسف: (يوم مات أبو حنيفة صلي عليه ست مرات من كثرة الزحام) .
فرحم الله أبا حنيفة، فقد خلف علماً كثيراً، وطلبة رباهم في مجلس الفقه على التفكير والاستنباط والنظر والمشاورة والمناظرة حتى تفتقت أذهانهم، وصفت قرائحهم، واكتملت آلة الاجتهاد لديهم، وخلف مدرسة فقهية ضخمة هائلة حافلة بالمدونات والمصنفات في الأصول والفقه والتراجم والمناظرات وسواها، وخلف مذهباً فقهياً أصيلاً صمد للقرون المتطاولة حتى صار أتباعه يعدون بعشرات الملايين في بلاد المشرق وتركيا والعراق ومصر وسائر بلاد الإسلام، وكان هذا المذهب معينا ثرا يلجأ إليه المتفقهون والمستنبطون كلما نزلت نازلة أو ألمت ملمة، وكان مع إخوانه من أئمة المذاهب الفقهية المتبوعة قادة الموكب المبارك من المؤمنين والمسلمين، فرضي الله عنهم وأرضاهم أجمعين.