الرئيسة فتاوى1422 هـنصيحة لشاب يدرس تخصصاً يرغب في العدول عنه والرجوع إلى أمه وإخوانه في فلسطين

نصيحة لشاب يدرس تخصصاً يرغب في العدول عنه والرجوع إلى أمه وإخوانه في فلسطين

رقم السؤال: (3537).
التاريخ: الجمعة 05/ جمادى الآخرة/ 1422 الموافق 24/ أغسطس/ 2001م.

السؤال :

لا أدري كيف أبدأ، وأنا متردد، هل أرسل هذه الرسالة أو لا؟ جزء مني يقول: إنني ضعيف وأريد طريقاً سهلاً للخروج، ولكن الأهم هو الجزء الآخر الذي يدفعني لكتابة هذه الرسالة، إن ذلك الجزء الذي يذكرني دائماً أن هذه الحياة سوف تنتهي والتي نستعد فيها للحياة الأبدية جعلنا الله في جنته مع النبيين والصالحين، أعتقد أنك سوف تعرف عندما تنتهي من قراءة هذه الرسالة بأن كلا الطريقين صعب وقاس ومليء بالتحديات والمجازفات، ولكن كل تحد ومجازفة يمكن التغلب عليه من أجل الله.
أتيت إلى أمريكا عام 1996م، وأنا هنا منذ ذلك الوقت، وذهبت لزيارة أهلي بعض المرات، الأمور لم تكن خلال الست السنوات الماضية على أحسن ما يرام بالنسبة لي، وحتى إن كنت مخطئاً أو ربما مصيبا، فعلى الأقل جزء كبير مني يعتقد ذلك، وإن لم أكن مخطئاً، فيقولون: لا دخان من غير نار، كنت من الملتزمين عندما كان عمري بين الخامسة عشرة والسادسة عشرة، وبعد هذا بدأت أضعف، وأعتقد أن السبب الرئيس أنني لم أجد شخصاً ما يدلني على الطريق الصحيح، وسأحاول -إن شاء الله- أن أذكر لك النقاط الرئيسة في حياتي لتكون لديك فكرة عامة عن الوضع.
تزوج والدي زوجتين خلال فترة الست سنوات، وفكرت في البداية أنه لم يهتم بنا، وصدقت كل ذلك الشيء الذي يصب في أذهاننا من التلفاز عن الزواج باثنتين، ولقد أثبتت لي الأيام بأنه ربما كان الأمر خطأ، فإنه لا أحد يحب أي شيء آخر أكثر من نفسه إلا أطفاله، والآن لا أعتقد أن هناك خطأ بزواجه من اثنتين، ومضت الحياة، وإن كان هناك شيء خطأ في هذا الزواج فهو عدم قدرته على العدل بينهما، أدعو الله أن يسامحه في هذه الدنيا وفي يوم القيامة، آمين، أنا لا ألومه، فهو لا يعرف كثيراً عن الإسلام، وإنما هو أقرب إلى العادات من الدين مع أنه يعتقد العكس، عندما وصلت إلى أمريكا كنت في ظلال حتى رمضان الفائت، وأنا من غزة فلسطين أصلاً، وعائلتي في الإمارات المكان الذي ولدت فيه، وفي غزة حيث هناك أمي وإحدى أخواتي الصغار من نفس الأم، ولدي أخَوان وأخت في الإمارات من نفس الأم، ولكن والدي وزوجته وبقية أخواتي وإخواني في أمريكا حالياً، وخطته أن يبني في أمريكا، وأنا لا أستطيع الذهاب إلى الإمارات؛ لأن تأشيرتي انتهت مع أنني ولدت وتربيت هناك، إنه لمن المحزن كيف يعامل المسلمون بعضهم في هذه الأيام، وإنما أذكر هذا لأن الانتفاضة على أشدها في فلسطين، والناس لديهم أعمال.
وسؤالي هو: بقي لي هذا الصيف والفصل الدراسي القادم الخريف الذي ينتهي في 2001م، ثم أتخرج إن شاء الله بشهادة جامعية تخصص هندسة كيميائية، والمشكلة أنه ليس لدي الرغبة في مواصلة الدراسة، مع أنني أحاول أن أقنع نفسي بأنني سوف أكون أفضل عند الحصول على الشهادة، ونفسي الضعيفة، وأولئك الذين سألتهم عن رأي سريع حول هذا الموضوع يفيدون بأنني أستطيع أن أؤثر على الآخرين بأن يسمعوا لي، كيف؟ ربما أستطيع بعد عون الله أن أحولهم إلى الإسلام، أو ربما إلى مسلمين عاملين إن لم يكونوا، ولكن في داخلي أعتقد أنني أكذب على نفسي، فأنا لست ذلك الطالب الجيد في دروسي، والامتحانات النهائية على الأبواب، بقي شهر، ويعلم الله أنني أستمتع بسماع الخطب، وأعلم نفسي عن الإسلام بأية طريقة أستطيع أكثر من أي شيء آخر، وأقول هذا شاكراً لله هذه النعمة، وإنني لست نادماً على ذلك، بل أنا سعيد.
الموضوع: أنني لا أجد الحافز للدراسة أكثر من ذلك وعلى الأقل الهندسة الكيميائية، وإذا عدت إلى غزة فلدي النية أن أدرس شريعة لأصبح مدرساً في أية مدرسة صغيرة هناك؛ لأنني أعتقد أن هذه من أفضل الطرق للدعوة، وحتى إن لم أقم بذلك قمت بعمل صغير؛ لأنني أريد أن أكون عملياً، فأعتقد بأن الهندسة ليس لها مكان جيد في تفكيري، ويعلم الله أكثر مما أعلم، ولكن أعتقد أنني سوف أصبح أفضل عندما أكون قريباً من عائلتي، فأخي وأختي الصغيران يحتاجان لمن يدلهما لمعرفة الدين الصحيح أكثر من غير المسلمين الموجودين هنا، فهما بحاجة لشخص ما يرعاهما، وخصوصاً أن والدي ليس هناك معهما، فأخي الأصغر عمره ثماني عشرة سنة وأمي عمرها خمسون سنة، وما زالت تعاني من سرطان الثدي، وأنا على استعداد حقيقة للتنازل عن تلك الحياة الوضيعة في هذه الدولة والعودة إلى غزة، ويعلم الله كيف يفكرون، وأعني إن كنت تعتقد أنني لا أستطيع القيام بمواد الهندسة الكيميائية فأنت مخطئ؛ لأن الذهاب إلى غزة معناه: أن أعمل ضد رغبة والدي وأمي وبقية العائلة وغيرهم، كثير من أفراد العائلة -أعني الأعمام وغيرهم- سيكونون من بين الشامتين، ولكني مستعد لمقاومة كل هذا من أجل الله، فهل ما أقوم به من عمل ضد رغبة والدي عقوق؟
أسألك لأنني أثق برأيك أكثر من الآخرين الذين يحاولون أن يحطموني، يريدونني أن أصدق بأن العودة والعمل من أجل الله العظيم، وأن هناك المئات والآلاف من الناس ممن يقومون بالدعوة، لماذا أنا؟ والمسلمون بحاجة إلى مهندسين وأطباء ومحامين.. إلخ، فإن كانت هذه هي الحقيقة فأنا لا أرى نفسي ذلك المنتج على الأقل في هذا التخصص؛ لأنني أعتقد أنني سأرسب هذا الفصل الدراسي إذا استمرت الأمور على ما هي عليه، لا أدري إن كنت محقاً أم لا، ولكني أشعر بأن الله لن يسامحني إلا إذا جاهدت نفسي، ولا أرى أنني أحاول بقوة كافية، وأشعر بأنني أوجدت نفسي في فخ في هذه الدنيا الفانية، ولا أريد أن يجعلني هذا أضعف، ولا يهم أي خيار ترى أن أقوم به، واضعاً في ذهنك أن كل واحد منهما صعب علي:
1- إذا بقيت على ما أنا عليه فإن القلق سيضعف إيماني، وسأعود إلى ما كنت عليه، وربما أضل، وأيضاً لا بد أن أتعامل مع دراسة لا أشعر بميل نحوها مهما عملت.
2- إن كان لا بد أن أذهب إلى غزة وأحاول دراسة ما أشعر أنه أكثر كفاءة، وأنه لا بد لي من مواجهة كل شخص، ومحاولة الوقوف ضد هجماتهم، وإثبات العكس لهم مع أن هذا ليس هدفي، مع أنني أعتقد أن الخيار الثاني أصعب من الأول، وعندما أفكر به بدون عواطف فإنني أجد الميل للقيام به.
أدعو الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا جميعاً ويدلنا على ما هو خير لنا، ومرة أخرى أذكرك رجاءً بأن تفكر بإعطائي نصيحة كما لو كنت تعطيها لابنك وإن لم يكن لك ابن في عمري، فالرجاء وضع نفسك في موضعي، وفكر في الأمر بجدية، ليس لدي تهجم على أحد، ولكن أجدها صعبة أن أثق بالناس، وربما هذا السبب الذي جعلني أركز على نقطة الجدية في النصيحة بالنسبة لي، فليس لدي إجابة مرضية؟

الجواب :

أخي الكريم! عشت مع تفاصيل قصتك ومعاناتك والتي هي نموذج لمعاناة الكثير من الشباب المسلم، وخصوصاً من أبناء هذا الشعب المسلم الصابر كان الله له، وحقاً ما ذكرته في رسالتك من الطريقة الغريبة التي تتعامل فيها الشعوب الإسلامية فيما بينهم، إنه لأمر محزن أن يجد الإنسان نفسه مضطراً إلى مغادرة البلد الذي ولد ونشأ فيه، لكن الرجال الأشداء خلقوا مزودين بالوسائل لمواجهة الظروف الصعبة، وأعظم هذه الوسائل الثقة بالله والتوكل عليه والاستعانة به: (( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ))[الفاتحة:5]، ولذلك يكثر المسلم من كلمة: (لا حول ولا قوة إلا بالله)؛ لأنها من كنز تحت العرش، الذي يستمد قوته من الله لا تقف في وجهه الصعاب ، فكن دائم الصلة بالله في سؤاله ودعائه واستغفاره، وتذكر وصية الرسول صلى الله عليه وسلم لـابن عباس رضي الله عنهما: ( يا غلام! إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف، واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسراً ) ، وأتمنى عليك أن تكتب هذا الحديث في صحيفة وتجعلها أمامك ليكون دستوراً لحياتك ومفتاحاً لشخصيتك.
أعتقد -والله أعلم- أن عدم اقتناعك بالتخصص الذي تدرسه قوي وقائم، وبالتالي سيؤثر على عطائك وتحصيلك العلمي، بينما اقتناعك الكبير بالتعليم الشرعي والعمل قريباً من أمك وإخوانك في فلسطين سيكون له مردود طيب، ولذا أفضل الخيار الثاني بعدما تكون أنهيت دراستك الحالية، وأرجو أن يكون هذا سبيلاً إلى قيامك بحقوق أهلك وإلى المساهمة في تربية النشء وإعدادهم لمواجهة المخطط اليهودي الفاجر.
أما موقفك من الوالد فمما يستحق الإشادة، الكلام الطيب الذي تقوله عنه، والدعاء الصالح الذي تدعوه له تقبل الله منك، وأرى أن تتعامل معه بلطف وصبر وطول نفس، علماً أنه ما دام لا يحتاجك فليس له أن يلزمك بغير ما تختار مما تعتقد أن فيه الخير والمصلحة لك في الدنيا والآخرة، لكن استخدم أسلوب الإقناع والتأثير الشخصي المباشر حتى تصل إلى ما تريد دون مصادمة، وللدعاء الصالح دوره في هذا.
والوالد لو غضب فهو سريع الرضا، فتعاهد والديك بالبر والإحسان والتواصل والدعاء والإكرام وما استطعت من الهدايا والمساعدات، خصوصاً بعدما يوسع الله عليك، وتنفتح أمامك أبواب الرزق، (( وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ))[البقرة:261].