الرئيسة الفتاوى1422 هـتوجيه بشأن الخواطر الرديئة الفاسدة التي يلقيها الشيطان في قلب العبد تجاه ربه

توجيه بشأن الخواطر الرديئة الفاسدة التي يلقيها الشيطان في قلب العبد تجاه ربه

رقم السؤال: (3444).
التاريخ: الأربعاء 03/جمادى الآخرة/1422 الموافق 22/أغسطس/2001م.

السؤال :

يدور في نفسي كلام قبيح جداً على الله عز وجل، وسبحانه وتعالى ولا أدري، هل أحد في هذه الدنيا فيه مثل ما فِيَّ من هذه الأفكار؟ ووالله لو نطقتها بلساني لقطعته أنا بنفسي، لا أستطيع وصفه، فهو جداً قبيح، وعلى من؟! على الله عز وجل، يا ويحي، ويا ويلي، فإن الله يعلم السرائر، ولا أدري هل أنا معاقب على هذا الكلام؟ أم هل هذه وساوس من الشيطان تقع في كل إنسان؟ أرجو يا شيخ أن يكون الجواب قريباً، فإني لم أعد أحتمل، وراع ظروفنا، علماً -يا شيخ- أن هذا الكلام لا أنطقه بلساني، إنما يدور في عقلي، وكلما أحاول أن أتناساه لا أستطيع، وعندما يأتيني أقول بلا شعور: لا إله إلا الله، وأقول: أستغفر الله وغيرها، ولا أدري ماذا أفعل؟ أرجو أن يكون الجواب قريباً جداً ولو في هذا اليوم؟

الجواب :

هذا الذي تشتكي منه هو من جنس ما شكاه الصحابة إلى النبي صلى الله عليه وسلم حين قالوا -كما في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم (132) عن أبي هريرة رضي الله عنه-: ( إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به، قال: وقد وجدتموه؟ قالوا: نعم، قال: ذاك صريح الإيمان )، وفي لفظ لـأحمد (9876) وغيره: ( ذاك محض الإيمان )، وفي حديث عائشة رضي الله عنها قالت: ( شكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يجدون من الوسوسة، وقالوا: يا رسول الله! إنا لنجد شيئاً لو أن أحدنا خر من السماء كان أحب إليه من أن يتكلم به! فقال: ذاك محض الإيمان ).
وهو في المسند (24752)، وفي سنده شهر بن حوشب، وفيه مقال ، لكن يغني عنه الحديث الذي قبله، فهذه الأفكار والخواطر الفاسدة التي تدور في أخيلة الناس هي مما يلقيه الشيطان في نفوسهم، وقد عفا الله عنها كائنة ما كانت؛ لأنه لا حيلة للإنسان في دفعها، وأحياناً هي نوع من الوسواس القهري الملح، فليطمئن الأخ الكريم بالاً، وليقر عيناً، وليهدأ نفساً، فإنها لا تضره أبداً، بل أقول: ولا ينزعج منها؛ لأنها علامة على الإيمان، وكما يقول بعض العارفين: هذا شك اليقين، وهو مقبول، بخلاف يقين الشك فهو مذموم، ولا حاجة إلى أن يشعر المرء بخصوصية الوساوس التي تعتريه؛ فإنها عند الآخرين تماماً بجملها وتفصيلاتها، وإن كان الجميع لا يبوح بها لعظمة ذلك وشدته على الإنسان، لكن لا يتوقع من الشيطان أن يحتشم عن شيء، ولا يتعفف عن خاطر أن يلقيه على المسلم، سواءً فيما يتعلق بالله، أو بالغيب، أو بالملائكة، أو بالأنبياء، وهناك طريقة جيدة للتخلص من هذا الخوف الذي يعتري الإنسان عند هجوم الوساوس عليه، وهي: أن يستحضر أن كل صورة تخطر في ذهنه فالله تعالى بخلافها؛ إذ لا يمكن أن تتخيله الخواطر، ولا تتصوره الأذهان، ومهما أطلق المرء العنان لخياله فلا يمكن أن يكيف رب العالمين وذاته وصفاته، ولذلك قال العلماء: كل ما خطر ببالك فالله ليس كذلك.
وبهذا تعلم أن هذه التصورات والخيالات و الخواطر الرديئة -وإن كان الشيطان ألقى في قلبك أنها تتعلق برب العالمين- فإن الحقيقة غير هذا، والصورة التي في رأسك صورة الشيطان، وكل نقص يلحقها فهو متعلق به، وبهذا تندفع الوساوس، ويخفت أثرها، وقد ورد في السنة توجيهات بهذا الخصوص، منها: ما رواه الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( يأتي الشيطان أحدكم، فيقول: من خلق كذا؟ من خلق كذا؟، حتى يقول: من خلق ربك؟ فإذا بلغه فليستعذ بالله ولينته )، وفي لفظ لـمسلم (134): ( فليقل: آمنت بالله ).
وفي الصحيحين عند البخاري (7296)، و مسلم (136) بنحوه عن أنس رضي الله عنه.
وفي لفظ لـأحمد (10957): ( قولوا: الله كان قبل كل شيء، والله خلق كل شيء، والله كائن بعد كل شيء )، وفي بعض الآثار: ( فليقرأ (( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ))[الإخلاص:1] ).
والخلاصة: أن العبد مأمور بمثل هذا: آمنت بالله، أعوذ بالله من الشيطان، ولا يضيره إذا فعل ما أمر به ما وراء ذلك، وذلك لأن الآدمي لو ألقى عليك شبهة جادلته بالحجة والعقل، لكن الشيطان كلما ناظرته بشيء زاغ إلى غيره، وقد لا يثير شبهات أصلاً، ولكنه ينفث في روعك صوراً سيئة تقشعر منها الأبدان، وتأنف عن وصفها الألسن، ويوهمك أنها صورة رب العالمين، ومثل هذا نص أهل العلم كـالخطابي و المازري وغيرهما على أنها تندفع بالإعراض عنها وعدم مطاولتها.
فالشيطان أحياناً كالكلب إذا التفت إليه شاغلك ونبحك وآذاك، وإذا مضيت في سبيلك انقمع ورجع وبحث عن غيرك، وربما كان يكفيه أن يزعجك ويؤذيك ويؤلمك بمثل هذه الخواطر، ولو كان يعلم أنها لا تؤثر في دينك ولا تضرك، لكنه يستغل جهل بعض الناس فيجلب عليهم بمثلها، ويوهمهم أنها توبق دنياهم وأخراهم، حتى ليتمنى أحدهم أن لو كان من أهل المعاصي والكبائر وكان سالماً من هذه الخواطر، وهذا يفتح عليه باب شر، حتى إن منهم من يترك الطاعات لأنها تجر مثل هذه المشاعر المكروهة، ولو علم وتيقظ وتفطن لما ذكرناه لكفاه الله، فالعلم خير كله، وإنما يؤتى المرء من قبل جهله وعماه، والله الهادي .