الرئيسة الفتاوى1423 هـنصيحة لتائب بعد ضياع طويل

نصيحة لتائب بعد ضياع طويل

رقم السؤال: (15590).
التاريخ: الخميس 29/شوال/1423 الموافق 02/ يناير/2003م.

السؤال :

فضيلة الشيخ سلمان العودة حفظه الله ورعاه! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد:
أكتب إليك هذه الرسالة، وإن كنت سآخذ من وقتك الكثير، ولكن أسال الله أن يجعلها في ميزان حسناتك: لقد نشأت في أسرة ملتزمة ووالدين صالحين، حرص والدنا على تعليمنا وتربيتنا تربية إسلامية، وحرص على تحفيظنا القرآن، فكنا ندرس في إحدى حلقات التحفيظ، وفعلا حفظت عشرة أجزاء من القرآن، وكنت ملتزماً، لم يكن في بيتنا أغان أو أفلام أو شيء مما يغضب الله عز وجل، كان ذلك في الصغر إلى أن جاءت ظروف أدت إلى تفرق شمل الأسرة، فبدأت رحلة الضياع، حيث إنني ابتعدت عن الالتزام بسبب البيئة التي عشت فيها بعيداً عن الأهل، وبسبب بعد الرقيب عني؛ إذ كنت في بداية الشباب وبدأت العمل وأنا في العشرين من عمري أو أقل، أصبحت شيئاً فشيئاً أستمع إلى الأغاني وأقتني أشرطتها وأشاهد الأفلام الخليعة، ثم بدأت أترك بعض الصلوات حتى تركت الصلاة نهائياً، وأصبحت أدخن السجائر، زنيت! ابتعدت عن الله كثيراً، وطالت المدة. يا شيخ! لمدة ست سنوات مضت تقريباً لم أصل جمعة ولا جماعة إلا فروضاً تعد على الأصابع، أحسست بصدري يضيق ووجهي يسود، تراكمت علي المشاكل والديون: ما إن أخرج من مشكلة حتى أقع في أخرى، وما إن أسدد ديناً حتى أتحمل أكثر منه، ستر الله علي طيلة الفترة السابقة، بل كان خيره سابغاً علي؛ حيث إني موفق في عملي وراتبي جيد، ورغم ذلك لا بركة فيه، منذ ثلاثة أسابيع تقريباً تراكمت علي ديون ومشاكل لا يعلمها إلا الله حتى ضقت ذرعاً بالحياة، لم أستطع النوم وتشتت فكري وأهملت عملي، أصبحت عاجزاً عن فعل أي شيء.
في ليلة من الليالي مضت لم أنم، ضاقت علي الدنيا وضاق صدري، بكيت كثيراً في غرفتي، وفي منتصف الليل قمت ووضعت شريط قرآن كان عندي مهملاً وجلست أستمع إليه، حقيقة تنفست الصعداء وارتحت نوعاً ما، وكان من الآيات التي سمعتها قوله سبحانه: (( وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا ))[طه:124]، أمعنت التأمل في هذه الآية وأدركت سبب ما أنا فيه، فهو بعدي عن الله، ذرفت عيناي كثيراً، بت طوال تلك الليلة أتذكر ما فعلت في السنوات السابقة وأحمد الله أن سترني إلى الآن، قمت واغتسلت وصليت الفجر، ومنها واظبت على أداء الصلوات، حتى الفجر أستيقظ وأصلي في وقته ولله الحمد، أبعدت الدش الذي كان عندي والتلفاز أيضاً، بدل الأغاني أصبحت أضع شريط قرآن قبل أن أنام، وأحمد الله أن وفقني وأيقظني من غفلتي، ولكن -يا شيخ- تجوب في نفسي وساوس وهي:
هل تبت حقاً وعدت إلى الله، أو أنها مجرد أزمة تهربت منها بالصلاة والقرآن، وما إن تنجلي حتى أعود إلى حالي السابق؟
هل يغفر الله لي؟ هل يقربني الله وأنا الذي ابتعدت وقطعت الحبل بيني وبين ربي؟
هل أستطيع أن أصمد أمام جموح نفسي الآمرة بالسوء وإغراءت الشيطان ووساوسه؟
كيف يمكنني أن أتأقلم مع المجتمع بصورتي الجديدة والتي استنكرها من معي في العمل، حيث إني أطلقت لحيتي وابتعدت عن الأغاني وأبعدت الدش عني، حتى إن أحدهم قال لي: يا فلان! ماذا جرى لك؟ عندك مشكلة؟ محتاج فلوساً قل لي. لا تفعل بنفسك كذا. وآخرون يسخرون مني عندما يرونني أذهب للصلاة ويقولون: ماذا صار في الدنيا: فلان يصلي؟! نفروا مني ولم يعودوا يجالسونني، وقد كانوا كل ليلة يسمرون عندي على الدش.
يا شيخ! والله إنني أتعذب كل ليلة، فهناك صراع في داخلي بين خير وشر: خير أراه صعباً علي أصمد فيه وشر تهواه نفسي وتألفه، ولكني أخشى الانتكاسة من جديد، أخشى ألا أصمد، أخشى العودة إلى الهلاك، أخشى أنني لست كفؤاً للهداية أو أنني لم أطلبها حقاً.
والله إنني أدعو الله وأتضرع إليه كل ليلة أن يثبتني ويقربني منه، فأنا لا أحتمل النار، ولكني أخشى غير ذلك، فنفسي والشيطان ومجتمعي ضدي إلا أهلي، فأنا من أسرة ملتزمة ومتدينة قد أكون أنا النقطة السوداء في هذه الأسرة، أحمد الله أنني بدأت أحفظ شيئاً من القرآن وواظبت على الصلوات وأطلقت لحيتي غير أن المدة قصيرة.
سؤالي يا شيخ: كيف أعرف أن توبتي هذه صادقة وليست سحابة عابرة كما يصور لي الشيطان؟
كيف أستطيع الثبات على أداء الصلوات وعلى القرآن؟
كيف أستطيع أن أتكيف في المجتمع بصورتي الجديدة، مع العلم أنني لا أستطيع تغيير عملي وإن كان مجال عملي ليس فيه فتنة.
الشيء الوحيد الذي لم أستطع تركه إلى الآن هو التدخين، دلني -يا شيخ- ماذا أفعل؟ و ما هي وسائل الثبات وعلامات القبول، وهل علي قضاء الصلوات طيلة السنوات التي لم أصل فيها، وكيف أقضيها؟
ادع لي يا شيخ ووجهني أسأل الله لك الجنة، وأعتذر إليك عن الإطالة، ولكنها من قلب حائر يحتاج إلى نصحكم وتوجيهكم.
وآخر كلامي: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الجواب :

الحمد لله على ما وفقك إليه من التوبة، جعلها الله توبة نصوحاً، وثبتك وإيانا والمسلمين على الدين حتى نلقاه.
والمرء ما دام نفسه يتردد في صدره فهو في محل الابتلاء والاختبار، وهناك لمة للملك ولمة للشيطان: (( الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ))[البقرة:268]، لقد رأيت عياناً الأثر النفسي الذي يحدثه البعد عن الله، من ضيق النفس، ونـزع البركة، وضياع العمر، وتراكم الصعوبات الهائلة في الطريق، إنك بدون الاعتماد على الله لا شيء، وتأمل كيف ستكون مشاعرك، وكيف ستغدو نفسيتك لو عرضت لك أزمة طارئة في صحتك وعاينت الموت وأيقنت الرحيل عن هذه الدنيا؟ كآبة وحزن وقنوط، الماضي ذهب بلا عودة، وأنت مقدم على وضع لا تطمئن إليه، ولم تمهد له بعمل صالح، فستكون حينئذ كالعبد الآبق الشارد الذي قدم إلى مواليه مأسوراً مغلولاً مقهوراً لا يستطيع النظر في وجوههم، خاصة وقد أحسنوا إليه وأكرموه وصبروا عليه..
ولعمري! لقد كان ربك محسناً إليك بدءاً وانتهاءً، فهو الذي أوجدك وخلقك أصلاً ووهبك الروح والبدن، وما هذه (الكاف) إلا بعض عطائه.
وأرشدك إلى الدين، ومنحك العقل، وحلم عليك مع علمه التام والمفصل بكل ما صدر عنك، واطلاعه عليك أثناء مقارفة الذنب، إنه كان حليماً غفوراً.
ومع هذا فهو صبور عليك، يمدك بالنعم، ويملي لك في العمر، ويعطيك الصحة، ويدعوك إن أجبته، ويغفر لك إن استغفرته، فلا تيأس من روحه فإنه رحمن رحيم، وسعت رحمته كل شيء، وهي قريب من المحسنين فكن من المحسنين.
واجعل من عادتك ذكره وشكره واستغفاره، فالحسنات يذهبن السيئات، وإذا فرط منك ذنب فلا تضف إليه آخر، بل سارع بعمل صالح يمحو أثر الذنب من صحيفتك ويزيل سواده من وجهك، ويغسل ألمه من نفسك.
ولا بد لك من صحبة صالحة تعينك على الخير، فإن الإنسان يقيس الغائب على الشاهد، ويعتبر العالم الواسع محصوراً في الدائرة التي تحيط به، فإن كان من حوله شراراً ظن الناس كلهم كذلك، فأغراه هذا بالرجس والفساد، وإن كانوا أخياراً فرح واستبشر، وعرف أن الخير موجود وباقٍ، وأن الأطهار الأبرار لا يزالون في الأمة، فحفزه هذا إلى مشاركتهم والاقتداء بهم ومحبتهم، أو أن سيكون قريباً منهم.
إن الأزمة التي تعيشها ربما كانت من إفضال الله عليك، وربما كنت ممن غفل وطالت غفلته، وذكر فلم يذكر، فلعل الله أراد بك خيراً أن تأتيك هذه اللطمة فتعرفك الطريق، وتكشف لك حقيقة من حولك، و حقيقة ما حولك، خصوصاً في مطلع هذا الشهر المبارك الذي هو شهر الرحمة والتوبة، فاستقبل حياة جديدة، وصل ما انقطع في سيرك إلى الله، فالعمر مهما طال إلى زوال، ولكل أجل كتاب، والله يحفظك ويتولاك.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .