الرئيسة الفتاوى1421 هـسماع الشكوى مع حذر سماع الغيبة

سماع الشكوى مع حذر سماع الغيبة

رقم السؤال: (948).
التاريخ: الجمعة 02/رجب/1421 الموافق 29/سبتمبر/2000م.

السؤال :

أحياناً يسمع المشتكى إليه من المشتكي في شكواه كلاماً فيه غيبة، مع اختلاف المقاصد من هذه الشكاوى، فمنهم من يريد المساعدة بالرأي، أو بالفعل من بث شكواه، ومنهم من يريد التفريغ عما في نفسه فقط، ومنهم من له مقاصد غير طيبة من تشف وما إلى ذلك، ومنهم من خلط، وقد قال القائل:
ولا بد من شكوى إلى ذي مروءة             يواسيك أو يسليك أو يتوجع
فكيف للمشتكى إليه أن يتصرف؟ ومتى يكون في سماعه لهذه الشكوى قد استمع لغيبة، ومتى لا يكون، أرجو التفصيل في الإجابة -جزاكم الله خيراً- لأهمية الأمر والحاجة إليه؟

الجواب :

بالنسبة للشكوى إذا كانت من مظلوم؛ فالأظهر أن سماعها لا يعد من الغيبة؛ لأن السامع لا يعدم أن يوجه المتكلم بخير، كأن يبين له طريق الخلاص، أو ينصحه، أو يرشده، أو يدله على بعض الحلول الغائبة عنه.
وقد يكون الشاكي يعاني من حال لا يسهل الخلاص منها، وربما لم يجـد مخرجـاً، لكن الحديث فيه بوح وتنفيس، وإشعار للنفس بمشاركة طرف آخر؛ مما يخفف الوطأة، ويهون المصيبة، وربما بمجرد حديثه عن المشكلة زال ما في نفسه، وإذا وجد السامع أن في الكلام خطأً أو تجاوزاً؛ فليمحض النصيحة للشاكي بروح الود والإخاء والمحبة، وعلى الأخص أولئك الذين نذروا أنفسهم لحل مشكلات الآخرين الزوجية، أو الاجتماعية، أو النفسية، أو الاقتصادية، والوقوف معهم في أزماتهم، فإنهم يحتاجون إلى صبر على استماع الطرف الآخر، باعتبار البوح أحياناً جزءاً من الحل.
وليس على السامع حرج إن شاء الله؛ باعتبار أن سماعه ليس سماع رضا أو إقرار، بل هو سماع استيضاح وفهم؛ ليقوم بعدها بحل المشكلة، أو المساعدة في حلها.
وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( لقد طاف بأبيات محمد صلى الله عليه وسلم نساء كثير يشكون أزواجهم، وليس أولئك بخياركم )، رواه أبو داود (1834)، و ابن ماجه (1975)، و الدارمي (2122)، وسنده صحيح.
لكن إذا عرف إنسان أن شخصاً كثير الشكوى دون جدوى، وأنه يقع في أعراض الآخرين من غير داع، أو رأى أن شخصاً تعدى ما يسوغ ذكره إلى ما لا يحسن ولا يجمل، ولا علاقة له بالموضوع؛ ففي مثل هذه الحالات عليه أن يكف عن ذلك، ويتدخل في الحديث بلباقة، يصرف الموضوع عن الغيبة؛ لقوله تعالى: (( وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا ))[الحجرات:12] الآية، وقوله صلى الله عليه وسلم -كمـا في حـديث أبي هريرة -: ( أتدرون ما الغيبة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: ذكرك أخاك بما يكره. قال: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته ) وسماع الغيبة لغير حاجة أو مصلحة لا يجوز، وقد عدها بعضهم من كبائر الذنوب، وحكى القرطبي الإجماع على ذلك، ولكن في المسألة خلاف مشهور، والله أعلم .