الرئيسة الفتاوى1422 هـنقد الطرائق المنحرفة في حقيقة محبة الله وما يكون سبباً فيها

نقد الطرائق المنحرفة في حقيقة محبة الله وما يكون سبباً فيها

رقم السؤال: (4125).
التاريخ: الأربعاء 03/محرم/1422 الموافق 28/مارس/2001م.

السؤال :

ما منهج أهل السنة والجماعة في مسألة حب الله، وما رأيكم في هذا الكلام: يخطئ الكثير فيعتبرون أن حب الله في قلوبهم انبثق من الخوف من أن تلقى أجسادهم يوم القيامة في النار، أو جاء من طمعهم بالله أن يكون مصيرهم جنان الخلد، وفي هذا عين الخطأ لا محال، فحب الله جل شأنه لابد وأن يكون حباً أبدياً لا يزول بزوال مؤثر، ولا يتجزأ ولا ينتهي، فحب الله تعالى إن كان دافعه الخوف من ناره أو الطمع في جنته؛ فإنه بتحقق دخول الإنسان الجنة، أو تجنيب الله له ناره؛ فقد زال المبرر الذي كان يدفع بالإنسان إلى حب الله تعالى، وبالتالي فإن حبه لله جاء لغاية قد تحققت له، فينتهي بتحقيقها الحب الذي في قلب ذلك العبد لخالقه جل شأنه، من هنا كان لا بد لنا من أن نسأل أنفسنا قبل أن نقدم على حب الله تعالى سؤالين هامين: كيف نحب الله تعالى؟ ولماذا نحب الله تعالى؟ وللإجابة على مثل هذه الأسئلة ذات الخصوصية والأهمية البالغة؛ فإنه لابد لنا من أن ننساق بالحديث، ونتمعن في كل كلمة، ونزيد في الشرح قدر الإمكان؛ حتى نحقق الغاية المنشودة، فتكون الإجابة شافية كافية وافية، وهنا -وبتوفيق من الله تعالى جل شأنه- نقول ومنه التوفيق: إن حب الله تعالى لابد وأن يكون لذات الله، لا طمعاً في جنة عنده أو خوفاً من نار لديه، حتى لا يكون حبنا لله حباً ذا مصلحة أو غاية ينتهي بتحقيق تلك الغاية ويتلاشى من قلوبنا عاجلاً أو آجلاً في الدنيا أو في الآخرة.
فحب الله تعالى إن كان لذاته القدسية فذات الله جل وعلا أبدية لا تنتهي ولا تزول، فيكون حبنا لله بهذا القالب وهذا الاتجاه الحقيقي أبدياً لا يزول ولا ينتهي على الإطلاق، فمتى ما جنبنا الله ناره -أعاذ الله منها الجميع- أو أسكننا الله جنته -جعلها الله مستقر الجميع- استمر حبنا له سبحانه دون توقف أو زوال؛ لأنه -وكما ذكرنا، وهذه حقيقة أبدية- أبدي ليس له بداية وليس له نهاية جل وعلا، فيكون حبنا مع الله دائماً لا يزول ولا ينتهي، وبهذا قدر الكفاية في الإجابة على أول تساؤل قد طرحناه والذي قلنا به آنفاً: كيف نحب الله؟
فيكون

الجواب :

حب الله لذات الله تعالى، كما روي عن السيدة رابعة العدوية رضي الله عنها قولها: [ يا حبيبي! ويا مالك أمري! أحبك لا طمعاً في جنة عندك، ولا خوفاً من نار لديك، ولكنه الحب لذاتك، فأنت أحق بأن تحب ].
الجواب: نسأل الله أن يرزقنا محبته ومحبة أوليائه المؤمنين، وتطلبون النظر في الكلام المنقول في سؤالكم.
أيها الأخ الفاضل! القول في عبادة الله سبحانه ومعرفته والتعلق به مما اختلفت فيه مقامات العارفين وأرباب السلوك، والذي جاء في الكتاب والسنة وهدي الصحابة أن عبادة الله ومعرفته تكون استحقاقاً، وحباً، ورجاءً، وخوفاً، فيعبد سبحانه لكونه رب العالمين الواحد الأحد المستحق للعبادة والمحبة والذل والخضوع، وهذا المقام هو أشرف مقامات العبودية عند أهل السنة، وهو أكمل مقامات العارفين وفضلاء أرباب الأحوال، كما يعبد سبحانه ويطاع رجاء رحمته وفضله، وخوفاً ًمن غضبه وسخطه وعقابه، فهذه الأصول الثلاثة هي مقامات العبودية التي من جمعها فقد اقتدى بهدي المرسلين، وهي أصول عند التحقيق متلازمة.
أما من عبد الله حباً محضاً كما هو طريق طائفة من أرباب الأحوال والفلسفة الإشراقية ولا يعظمون مقام الخوف والرجاء؛ فهذا ليس من الهدي الصحيح ولا من طرق المرسلين، وكذا من عبده خوفاً أو رجاءً، فهذه الأصناف خارجة عن منهج العبودية الحقة التي بعثت بها الرسل.
وأما القول المنقول لديكم في السؤال فليس بصواب، فإن الحب مقام خاص، وأرباب الأحوال والسلوك لا يصححون أن يوجد الخوف حباً، فالخوف والحب هما من أعمال القلوب، فلا يتحقق بالخوف محبة، بل الذي يمكن أن يكون: الحب لله يوجد الخوف من غضبه وسخطه، فالترتيب للمعاني ليس بمتناسب في الكلام المنقول على طريقة علماء السلوك والأحوال.
وهنا فإن منع مقام الخوف والرجاء بحجة أنه ينقطع فهذا ليس بسديد؛ فإن الخوف ليس متعلقاً بالخوف من النار فحسب، بل هذا خوف مشروع، لكن مقام الخوف أعم من ذلك، وأخصه الخوف من غضب الله وسخطه، وكذلك الرجاء ليس مقصوراً على رجاء الجنة، وهذا من الرجاء، لكن أخصه رجاء رحمته، وعفوه، وفضله، ورضوانه، ومحبته لعبده والإنعام عليه وهدايته إلى غير ذلك من متعلقات الخوف والرجاء التي لا تنقطع.
فقصر مقام الخوف على الخوف من النار، والرجاء على رجاء الجنة قصر استعمله بعض أصحاب السلوك ممن لا تحقيق عنده في أدلة الكتاب والسنة، وما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام.
بل عبادة الله في القرآن والسنة والتعلق به أخص مقاماتها عبادته محبةً واستحقاقاً، وهذا أشرف المقامات، لكن لا بد معه من مقام الرجاء لرحمته وفضله ورضوانه ومحبته لعبده وغير ذلك، والخوف من سخطه وغضبه وغير ذلك، ويدخل فيهما رجاء الجنة، والخوف من النار.
ومن تأمل القرآن عرف ذلك، فالله مدح المؤمنين بكونهم يحبونه: (( فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ))[المائدة:54]، الآية.
ومدحهم بالخوف منه: (( يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ))[النحل:50]، ومدحهم بالرجاء في قوله: (( وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ ))[النساء:104].
ومدحهم بالمقامات الثلاثة في قوله: (( أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ ))[الإسراء:57] الآية.
وقال عن الأنبياء: (( إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ ))[الأنبياء:90]، هدانا الله للقول السداد، ورزقنا محبته ورحمته .