الرئيسة الفتاوى1429 هـتوجيه لمبتلاة بحادث سير وبيان لحكم الإغماء في الصوم والصلاة

توجيه لمبتلاة بحادث سير وبيان لحكم الإغماء في الصوم والصلاة

رقم السؤال: (169965).
التاريخ: الجمعة 17/شوال/1429 الموافق 17/أكتوبر/2008م.

السؤال :

أنا فتاة تعرضت لحادث سيارة ودخلت في غيبوبة، وفاتني شهر رمضان كله، والآن أقول: الحمد لله على كل حال، وقدر الله وما شاء فعل، لكن تأتيني بعض الأفكار، مثل: كيف يحدث لي ذلك وأنا لست من المقصرين وأصحاب المعاصي، فماذا أعمل تجاه هذه الأفكار؟

الجواب :

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
وبعد:
فينبغي أن نعلم -أولاً- أن المصائب الدنيوية لا تكون مبنية على كون الإنسان متديناً أو غير متدين، وإنما هي أقدار يكتبها الله على عباده، وقد يكتبها على أهل الدين والطاعة؛ تطهيراً لهم من المعاصي، ورفعة لدرجاتهم وزيادةً في حسناتهم وأجورهم، كما يكتبها على أهل الكفر والفسق والمعاصي: (( إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ))[النساء:104].
وقد ثبت النص النبوي الكريم بأن المسلم يبتلى بقدر إيمانه، كما في حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: ( قلت: يا رسول الله! أي الناس أشد بلاءً؟ قال: الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، فيبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان دينه صلباً اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة ابتلي على حسب دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض ما عليه خطيئة ) وابتلاء الله تعالى لأنبيائه ورسله سواء مع أقوامهم أو في أنفسهم نجده في كتاب الله، قال تعالى: (( أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ))[البقرة:214].
ومن ذلك قصة نوح مع قومه وهلاك زوجه وولده، و إبراهيم مع والده وقومه، وابتلاؤه بذبح ابنه، و موسى مع فرعون، ومع قومه من بني إسرائيل، ويعقوب مع ولده، ويونس وقصته في بطن الحوت معلومة، و أيوب وقصة ابتلائه بالمرض لسنين عديدة، وفي ذلك يقول تعالى: (( وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ))[الأنبياء:83]. والآيات في ذلك كثيرة.
دع المقادير تجري في أعنتها            ولا تبيتن إلا خالي البال
ما بين غمضة عين وانتباهتها            يبدل الله من حال إلى حال
القائل: أبو نذير محمد بن شيخان السالمي 1284هـ-1346هـ.
ثم هذه المصائب تصيب المسلم والكافر، ولكن العبرة بموقف الإنسان منها، فالإنسان الذي يرضى ويسلم ويحمد الله يكون أدى واجب البلاء؛ لأن العبد عبد لله سبحانه وتعالى في الغنى والفقر والصحة والمرض والقوة والضعف والشباب والهرم.
وأرى أن تكثري من الدعاء وأبشري بالخير، أسأل الله سبحانه وتعالى جلت قدرته -وهو السميع البصير- أن يتمم عليك الشفاء والعافية.
ومسألة الإغماء في الصوم بغير اختيار الإنسان إذا استغرق جميع اليوم أو جميع الشهر ولم يفق فلا يلزمه الصوم حال الإغماء ولا يصح منه.
وهل يقضي؟
جماهير العلماء: الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة أنه يجب عليه القضاء ؛ ذلك لأن الصوم هو الإمساك مع النية؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، قال الله عز وجل: إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، يدع شهوته وطعامه من أجلي ) . فأضاف ترك الطعام والشراب إليه، فإذا كان مغمىً عليه فلا يضاف الإمساك إليه، فلم يجزئه.
وخالف الحنفية فيما إذا كان قد نوى الصيام، وقالوا بصحة صومه؛ لأن نيته قد صحت، وزوال الاستشعار بعد ذلك لا يمنع صحة الصوم كالنوم. وحكي عن بعض الشافعية أن المغمى عليه جميع الشهر كالمجنون لا يجب عليه القضاء، وكما لا يجب عليه قضاء الصلاة فالصوم كذلك. .
والذي نختاره أنك تقضين ما فاتك من رمضان، وأما ما فاتك من الصلوات كل هذه الفترة وأنت في الغيبوبة فليس عليك قضاء، كما هو مذهب جمهور العلماء: الحنفية والمالكية والشافعية. .
وبالنسبة للدراسة سوف تعودين إليها إن شاء الله تعالى، وأنا أعرف الكثير ممن أصيب بمثل هذه الأشياء وفقدوا الذاكرة، لكن الله تعالى عافى أبدانهم مع الوقت، والذاكرة تعود شيئاً فشيئًا حتى يستكمل الإنسان ذاكرته تماماً فلا تحزني .