الرئيسة الفتاوى1425 هـنصيحة للمبتلى بعشق المردان

نصيحة للمبتلى بعشق المردان

رقم السؤال: (3219).
التاريخ: الجمعة 02/ رجب/ 1421 الموافق 29/ سبتمبر/ 2000م.

السؤال :

ابتليت بحب المردان وعشقهم وتمني الوصول إلى فعل الفاحشة بهم، فما نصيحتكم؟

الجواب :

مع أنني أستحضر حرارة ومرارة انتظارك لهذه الرسالة، إلا أنني أتساءل: ماذا تظن أنك ستجد في طياتها؟! هل تتوقع أن أبعث لك بحبات سحرية تتناولها صباحاً ومساء فتتعافى وينتعش إيمانك، ويغيب عنك شبح الشهوة وحب المردان؟!
إن الأمر يتطلب منك وقفة صادقة مع النفس، فالحديث عن الفاحشة وأضرارها على سبيل المثال لن يضيف إليك جديداً، والكلام عن تحريم اللواط وإجماع العلماء على أنه كبيرة من كبائر الذنوب ليس جديداً عليك، وإجماع الصحابة على قتل مرتكبه كما ذكره ابن القيم، هو من معلوماتك المؤكدة.
وبهذا يظهر لك أن المخرج من هذه الورطة لا يكفي فيه في مثل حالك معرفة الحكم وتبعاته، بل لا بد من أمر آخر وراء ذلك يحملك على الامتثال للأمر، والامتناع عن مقاربة الجريمة أو مقارفتها.
أخي! أسألك سؤالاً: إذا كنت الآن عاجزاً عن المقاومة مع أنك ما زلت في بداية طريق الانحراف وإيمانك لا يزال يقظاً، بدليل حزنك على ما أنت عليه، ومعاناتك وتألمك لهذا الشذوذ، فكيف تتصور أن تتغلب على هذه النوازع في المستقبل، بعدما تكون شجرة الانحراف قد ضربت بجذورها في تربة قلبك، وبسقت فروعها، وامتدت أغصانها، وظهرت ثمارها المرة الخبيثة؟!
أم كيف تتصور أن تتغلب على هذه الدوافع بعدما أصبحت الجريمة عادة تجري في دمك وعروقك، ومسارب نفسك، وتتراقص ذكرياتها في خيالك، وتحولت إلى إدمان وإصرار لا يملك المرء أمامه إلا الاستسلام والانصياع؟
أم كيف تتصور أن تتغلب على هذه الورطة بعدما ضعف إيمانك، وقلت مبالاتك، وكثر ترددك في هذا الطريق المهلك، فلم تعد تأبه بالمخاوف، ولا تبالي بالمعاطب، وبعدما تهتك الإيمان والحياء بمقارفة الموبقات، وضعفت النفس، وخف الخوف من الله، وغاب عن البال تذكر الموت والبلى والحشر والنشور والجزاء والحساب؟!
إنك إن عجزت الآن عن مقاومة نفسك ففي غد أنت أشد عجزاً، وربما استمرأ الإنسان مرعى وبيئاً واستحسنه حتى يصل به الحال إلى الاستحلال، وهو كفر والعياذ بالله عافانا الله وإياك.
فعجل بتدارك إيمانك وحيائك ورجولتك، وعرضك، وقلبك، وغيرتك، وهمتك، وشجاعتك، ونخوتك، وخلقك، وصحتك، وسمعتك، قبل أن ينهار ذلك كله في لحظة شهوة عابرة، تخلف وراءها تراباً ورماداً وحريقاً ربما يأتي على الأخضر واليابس، واستعن في هذا السبيل بأمور:
أولها: الاستعانة بالله، بالصلاة والقرآن والدعاء والمراقبة والذكر والأوراد، (( وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ * الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ))[البقرة:45-46]، وأكثر من: (( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ))[الفاتحة:5]، (لا حول ولا قوة إلا بالله) .
ثانيها: اشغل نفسك بما يصرفك عن التفكير في هذا الأمر من الأمور الشرعية أو المصالح الدنيوية، فمن ذلك الصيام؛ فإنه وجاء يكسر حدة الشهوة، ومنه الرياضة فإنها مشغلة للنفس وتصريف لطاقة الجسم، ومن ذلك الزواج فإنه وصية الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو أغض للبصر وأحصن للفرج، وفي مثل حالتك يتعين عليك ويتحتم وجوب الزواج، والمبادرة إليه، وتيسير أسبابه، وتذليل عقباته، وتقديمه على كل عمل أو مهمة أخرى؛ حتى لا يتمادى الأمر إلى نوع من العزوف عما أحل الله، وقد قال تعالى عن قوم لوط: (( أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ * وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ ))[الشعراء:165-166].
ثالثها: البعد عن المثيرات وتجنب المهيجات، مثل: النظر إلى حسان الوجوه، أو مجالستهم، أو ممازحتهم، أو صحبتهم، أو الاختلاط بهم، ومثله النظر إلى الصور الكثيرة في وسائل الإعلام وغيرها، وحمل النفس على ذلك طوعاً أو كرهاً.
وستجد عند ذلك شعوراً كبيراً بالانتصار، واستعلاء بالإيمان، وثقة بالنفس، واطمئناناً إلى الله، والخطوة الناجحة تجر إلى أختها؛ حتى تستسلم النفس وتذعن وتنقاد.
أطعت مطامعي فاستعبدتني            ولو أني صبرت لكنت حراً
رابعها: صحبة الأخيار، وكثرة الجلوس معهم، وحضور الجماعات في المساجد، ومشاركة المسلمين في مواسمهم وعباداتهم واجتماعاتهم، فإن هذا يحملك على التشبه بالصالحين، واقتباس أخلاقهم، واحتقار النماذج المنحرفة والشاذة واستبعادها، ويدخل في هذا كثرة القراءة، والنظر في سير الصالحين وأعمالهم، وقياس النفس عليهم، ونسبتها إليهم.
خامسها: كثرة القراءة في الكتب النافعة، خاصة تلك التي تزيد يقظة المرء ووعيه تجاه هذه الجريمة، ككتاب: الداء والدواء لـابن القيم، وذم اللواط، وخطر الجريمة الخلقية، والعفة ومنهج الاستعفاف، وكذلك الأشرطة النافعة، ومنها: (مصارع العشاق) لكاتب هذه السطور.
سادسها: كثرة الاستغفار، فإن من لزم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجاً ومن كل ضيق مخرجاً ورزقه من حيث لا يحتسب، واستقيموا ولن تحصوا، ومهما اجتهد العبد وحفظ نفسه؛ فإنه لا قوام له إلا بعون الله ومدده، ومن وكله الله إلى نفسه وكله إلى ضعف وضيعة، وقد كُتب على ابن آدم حظه من الزنا مدرك ذلك لا محالة.
فارقع ما وهنت بالاستغفار بالأسحار، وكثرة التضرع، وحافظ على الصيغ الشرعية مثل: (( لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ))[الأنبياء:87]، (( رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ))[الأعراف:23]، ( اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً وإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم )، ( اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي وإسرافي على نفسي، اللهم اغفر لي خطئي وعمدي وهزلي وجدي، وكل ذلك عندي، اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت وما أسرفت، أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت )، وأكثر من تلاوة دعاء المكروب: ( لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السماوات ورب الأرض رب العرش الكريم )، وقل: ( يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث، أصلح لي شأني كله، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين ).
وأخيراً: فإن أول خطوة في طريق الفحشاء هي النظر المسموم، فهو سهم لا يكاد يخطئ، وطعنة لا يكاد يسلم طريحها، والله تعالى يقول: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ))[النور:21]، فحاذر الخطوة الأولى، وزمّ بصرك بزمام التقوى، وقاوم في الحصن الأول قبل أن تهزم فيه، ودع عنك استملاح الصور والنظر في تفاصيلها وتقاطيعها، وتخيل المخبوء منها، واحسم مادة الشر من أولها، يسلم لك دينك وعرضك، وتهدأ نفسك، ويرتح ضميرك.
وإلا تفعل قادتك الخطوة الأولى لما بعدها، وانحدرت في طريق دحض مزلة، لا تملك أن تمسك نفسك فيه إلا ما شاء الله، والله يزكي من يشاء.
جعلنا الله وإياك من أهل زكاته، آمين.
أسأل الله بمنه وكرمه، وفضله وعطائه، وجوده ورحمته أن يمنّ عليّ وعليك بالعفة التامة، والطهر الدائم، والاستقامة على طريقه، واتباع هدي رسله، ومصاحبة أوليائه، والثبات على دينه، وأن يرزقني وإياك صالح القول والعمل، ويستعملني وإياك في طاعته، ويجنبني وإياك أسباب سخطه، آمين.