الرئيسة الفتاوى1427 هـحكم صوم الست من شوال قبل القضاء

حكم صوم الست من شوال قبل القضاء

رقم السؤال: (114584).
التاريخ: الخميس 11/ شوال/ 1427 الموافق 02/ نوفمبر/ 2006م.

السؤال :

كثر الاختلاف في مسألة صوم الست قبل صيام المرأة ما عليها من القضاء، خاصة وأن القضاء قد يستغرق شهر شوال كاملاً، فكيف تصنع في هذه الحالة، أفيدونا مشكورين مأجورين، وفقكم الله وجزاكم الله كل خير؟

الجواب :

اختلف الفقهاء -أولاً- في صوم النفل عامة قبل قضاء المرء ما عليه من رمضان:
فعند الحنابلة: أنه لا يصح.
وعند الحنفية والمالكية: يجوز تقديم التطوع على القضاء، لكن عند المالكية يُكره إلا ما تأكد استحبابه.
وعند الشافعية: إن كان التأخير لعذر جاز، وإلا فلا يجوز.
.
ودليل من أجاز تقديم التطوع على القضاء: قوله تعالى: (( فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ))[البقرة:184]، فالآية دلت على أن القضاء على التراخي، فيجوز التطوع قبل القضاء.
ولقول عائشة رضي الله عنها: ( كان يكون عليَّ الصوم من رمضان فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان، الشغل من رسول الله صلى الله عليه وسلم أو برسول الله صلى الله عليه وسلم ) .
ودليل من منع تقديم التطوع على القضاء: حديث ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعاً: ( اقضوا الله، فالله أحق بالوفاء ) .
ولأن صوم الواجب متعلق بذمته، ولو مات قبل فعله مع تساهله فيه فإنه يؤاخذ بذلك بخلاف النفل، وهذا فيه نظر وتفصيل.
ولكون الأجر المترتب على أداء الواجب أعظم من الأجر المترتب على أداء النفل.
وكذا ما ورد: أن أبا هريرة رضي الله عنه [ سُئل عن صيام العشر قبل قضاء رمضان فقال: ابدأ بحق الله فاقضه ثم تطوع بعد ما شئت ] .
و اختلف الفقهاء ثانياً في صوم الست من شوال خاصة قبل القضاء:
فمنعه الحنابلة في رواية عندهم لأصلهم في تقديم القضاء، ولحديث أبي أيوب مرفوعاً: ( من صام رمضان ثم أتبعه ستاً من شوال كان كصيام الدهر )، وهذا لا يتحقق إلا بصيام رمضان قبل الست على رأيهم.
و الأقرب الجواز، وهو مذهب الحنفية والمالكية والشافعية، ورواية عند الحنابلة اختارها ابن قدامة وغيره؛ لظاهر القرآن، وفعل عائشة، وإقرار النبي صلى الله عليه وسلم لها.
ولأن قوله صلى الله عليه وسلم: ( من صام رمضان ) خرج مخرج الغالب، أو يقال: إن قوله: ( من صام رمضان ) يشمل صيام رمضان بعينه وصيام القضاء، ولذا لو صام من رمضان وأفطر بعضه ثم قضاه في شوال صح فعله مع أنه ما صام رمضان في وقت رمضان ولكنه قضاه فدل على أن كلمة: (صام رمضان) تشمل من صامه في وقته ومن قضاه بعد ذلك وكان فطره لعذر شرعي كالسفر والمرض ونحوهما.
ولو أخذ قوله صلى الله عليه وسلم: ( من صام رمضان ) على ظاهره لم يدخل في هذه الفضيلة الكثير من النساء؛ لأن المرأة يأتيها العذر أثناء رمضان فيكون عليها قضاء، فإذا قيل: إنها إذا صامت بعد انتهاء يوم العيد صامت قضاءها ثم صامت الست بعد ذلك فإنها قد صامت رمضان فحينئذ يحصل لها الفضل، ويستوي أن تصوم من شعبان أو تصوم من غيره، ويكون قوله صلى الله عليه وسلم: ( من صام رمضان ) ليس على ظاهره، وإنما المراد أن يجمع العدد وهو ستة وثلاثون يوماً أو خمسة وثلاثون يوماً، فإذا كان الإنسان قد صام ستة وثلاثين من رمضان يستوي أن تكون أداءً أو قضاءً وستاً من شوال؛ فحينئذ يكون محصلاً لهذه الفضيلة سواءٌ سبق القضاء أو تأخر.
ولو قيل بأنه لا بد من تقديم القضاء فإن المرأة النفساء قد يستمر معها النفاس شهر رمضان كله، وتحرم هذا الفضل، وهكذا بعض أهل الأعذار غير المرأة.
ومن المعلوم أن الفرض إذا كان موسعاً فإنه لا حرج أن يتنفل صاحبه، بدليل ما لو أذن الظهر مثلاً، فإن الإنسان يصلي الراتبة القبلية مع أنه مخاطب بالفرض؛ لأن الوقت واسع، وكذلك بالنسبة لرمضان فإن وقت قضائه واسع، كما ثبت ذلك من حديث عائشة رضي الله عنها: ( كان يكون عليَّ الصوم من رمضان فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان؛ الشغل من رسول الله صلى الله عليه وسلم أو برسول الله صلى الله عليه وسلم ) ، ولظاهر الآية: (( فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ))[البقرة:184]، ولم يحدد، كما أن حديث عائشة هذا يدل -والله أعلم- على أنها كانت تتنفل قبل الفريضة، والغالب أنها كانت تصوم الست؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يندب إليها، وثبت عنها رضي الله عنها أنها صامت يوم عرفة.
وحديث أبي أيوب: ( من صام رمضان ثم أتبعه ستاً.. ) ليس حجة ظاهرة لأحد القولين؛ لأن من راعى فيه صيام رمضان سيقول بقضاء الست من شوال بعد شوال لمن يستغرق قضاؤه الشهر كله، كما نص عليه بعض الفقهاء، فحينئذٍ لا تكون الست من شوال، أو يكون هذا الذي استغرق قضاؤه الشهر محروماً من هذه الفضيلة.
والأولى أن يكون المقصود صوم رمضان أداءً أو قضاء ولو متأخراً؛ لأن من أفطر لعذر وقضى فله الأجر كاملاً، ويصح وصفه حينئذ بأنه صام رمضان، والحسنة بعشر أمثالها، ثم له الست من شوال بشهرين أيضاً.
وهذا أيسر على الناس وأدعى لأداء هذه السنة؛ إذ الكثير منهم لا يستطيعون جمع القضاء في شوال ثم صيام الست فينقطعون أو يشق عليهم.
لكن الأفضل والأكمل للإنسان -بغض النظر عن كونه خروجاً من الخلاف- أن يقدم القضاء؛ لما فيه من المسارعة في الخير، والمبادرة بإبراء الذمة، وذلك مندوب إليه شرعاً، والمسألة فوق هذا من مسائل الفروع اليسيرة، ولا بأس بتناولها برفق دون الإيغال في جدل طويل لا حاجة إليه، والله الموفق للصواب.