الرئيسة الفتاوى1423 هـأحكام المسافر في رمضان من الترخص بالفطر وعدمه

أحكام المسافر في رمضان من الترخص بالفطر وعدمه

التاريخ: السبت 04 / رمضان / 1423الموافق 09 / نوفمبر / 2002م.

السؤال :

إذا دخل علي شهر الصوم وأنا في سفر فما العمل؟
وإذا كنت صائماً رمضان ولزمني سفر في النهار فما الأفضل هل أفطر، أم أتم صومي، وهل يجوز لي إذا نويت السفر أن أفطر، وجزيتم خيراً؟

الجواب :

المسافر له ثلاث أحوال:
الأولى: أن يدخل عليه شهر رمضان وهو مسافر، فهذا له الترخص بالفطر باتفاق العلماء، ولا إشكال فيه.
الثانية: أن يدخل عليه شهر رمضان وهو مقيم، ثم يسافر، فلو أنه سافر في الليل فإن له الفطر من الغد ما دام أدركه الغد وهو مسافر، وهذا مذهب الجماهير من الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة وغيرهم، ولكن روي عن عبيدة السلماني، و سويد بن غفلة، و أبي مجلز أنهم يقولون: لا يفطر، بل يجب عليه الصيام؛ لأن الشهر أهل عليه وهو مقيم، والله سبحانه وتعالى يقول: (( فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ))[البقرة:185] وكأنهم رأوا أن المقصود بالشهر هنا الهلال، فكأنه قال: من شهد منكم الهلال، ولا شك أن هذا القول مردود، ترده الآية الكريمة؛ لأن الله سبحانه وتعالى قال: (( فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ))[البقرة:184] أي: بقدر ما أفطر، وهذا دليل على أنه قد يفطر بعض الشهر ويصوم بعضه، يدركه بعضه وهو مقيم ثم يسافر، وكذلك يرده الحديث السابق: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم صام حتى إذا بلغ كراع الغميم أو الكديد أفطر )، فهذا دليل على أنه كان صائماً ثم أفطر، وقد جاء هذا عن جماعة من الصحابة كـأنس بن مالك و أبي بصرة الغفاري و عائشة .. وغيرهم رضي الله عنهم أنهم صاموا ثم أفطروا في السفر، فلا شك أن القول الصحيح أن له الفطر، ولو أدركه رمضان وهو مقيم ثم سافر.
الثالثة: وهي ما لو صام هذا اليوم ثم سافر في أثنائه، كما لو أنه تسحر وصام ثم سافر بعد الزوال أو قبله في اليوم نفسه، وهذه المسألة فيها قولان:
الأول: الرواية المشهورة في مذهب الإمام أحمد وقول الشعبي و إسحاق و داود الظاهري و ابن المنذر وجماعة من الفقهاء أن له الفطر في أثناء ذلك اليوم الذي سافر فيه، وذلك لقوله: سبحانه وتعالى: (( أَوْ عَلَى سَفَرٍ ))[البقرة:185] وهذا يصدق أنه على سفر، وكذلك لحديث جابر رضي الله عنه: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم أفطر ).. ومثله حديث أبي بصرة الغفاري الذي رواه أبو داود وأحمد .. وغيرهما، وفي سنده مقال؛ لكن فيه: ( أنه ركب في سفينة فدفع، فلما كان بعد ذلك أمر بغدائه فقرب إليه وقال لمن حوله: قربوا.
فقال له بعضهم: ألسنا نرى البيوت؟!
فقال: أترغب عن سنة محمد صلى الله عليه وسلم؟
)
.
وهذا القول هو الراجح والأقرب؛ لأن المسافر أثناء اليوم يصدق عليه أنه مسافر وعلى سفر، وله التمتع بهذه الرخصة إضافة إلى ما جاء في الحديث من فعل النبي صلى الله عليه وسلم.
الثاني: أنه لا يحق له الفطر في ذلك اليوم الذي سافر فيه وكان صائماً، بل يجب عليه أن يتم صيامه، وهذا قول الجمهور ومذهب الزهري و الأوزاعي و أبي حنيفة و مالك و الشافعي .. وغيرهم، وذلك لأنهم غلبوا جانب الحظر والإقامة، قالوا: اجتمع في هذا اليوم الإقامة والسفر، فيغلب جانب الإقامة والحظر والمنع فيجب عليه أن يتمه، ولأنه شرع في فرض نواه، فلا يجوز له أن يخرج منه، كما لو شرع في صلاة فريضة، فإنه لا يجوز له قطعها.
والأول أقوى وأولى بالرخصة وأحق بها، لكن ينبغي ألا يفطر إلا إذا فارق عامر البلد والبنيان.
وأما ما روي عن أنس رضي الله عنه أنه أفطر في البلد؛ لأنه نوى السفر وكذلك ما روي عن الحسن البصري؛ فإن هذا القول ضعيف لأسباب:
أولاً: أن الله سبحانه وتعالى قال: (( أَوْ عَلَى سَفَرٍ ))[البقرة:185] وعلماء اللغة يعبرون عن هذا اللفظ بأنه من الألفاظ الدالة على التمكن، مثل قولهم: فلان على الدابة أي: أنه راكب عليها متمكن عليها، ولذلك لم يقل: أو مسافراً، وإنما قال: (( عَلَى سَفَرٍ ))[البقرة:185] مما يدل على التمكن والاستقرار على هذا السفر، والمقيم الذي نوى السفر لا يصدق عليه أنه متمكن من السفر.
ثانياً: أن الله سبحانه وتعالى يقول: (( فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ))[البقرة:185] والإنسان المقيم في البلد قد شهد الشهر، ولهذا يجب عليه الصيام.
ثالثاً: أن الرخصة معلقة بالسفر لا بالنية، فهي معلقة بفعل السفر لا بنية السفر أو إرادته.
رابعاً: أن هذا يفضي إلى نوع من العبث والفوضى؛ لأن الإنسان قد يفطر ويقول: كنت ناوياً للسفر.
زيادة على أن المقيم في البلد المزمع للسفر قد تنحل عزيمته، وقد يكون نوى السفر فأفطر ثم تغير رأيه وأزمع وعزم الإقامة.
ولهذا فالقول الصحيح والله أعلم: أنه لا يجوز لمن نوى السفر أن يفطر إلا إذا شرع في السفر، وفارق بنيان البلد، فحينئذ يجوز له أن يفطر.
والصوم جائز للمسافر بالاتفاق، فيجوز له أن يفطر، لكن الأفضل هو الأرفق في حقه، فإن كان الفطر أرفق فهو أفضل، وإن كان الصوم أرفق، وأحب أن يصوم مع الناس دون أن يلحقه في ذلك مشقة، فيكون الصوم أفضل جمعاً بين الأدلة.