الرئيسة الفتاوى1422 هـمشاكل المدرسة الإسلامية في الغرب

مشاكل المدرسة الإسلامية في الغرب

التاريخ: الخميس 02 / شعبان / 1422الموافق 18 / أكتوبر / 2001م

السؤال :

فضيلة الشيخ سلمان حفظه الله تعالى! نعيش منذ حوالي خمسة عشر عاماً في بلاد الغربة، وقد من الله علينا بالعمل الجاد للحفاظ على أبناء المسلمين في بلاد الغربة من الضياع والانصهار في المجتمع، فأنشأنا المؤسسات المتعددة، ومن أهمها: المدرسة الإسلامية الخاصة التي نشرف عليها والحمد لله، إلا أنه تواجهنا مشاكل متعددة نظراً لوجود المدرسة في بيئة غير إسلامية، ولقلة الإمكانيات التي تساعد في حل هذه المشاكل، وقد تختلف وجهات النظر حول هذه القضايا من أخ لآخر ومن شيخ إلى غيره.
ونحن والحمد لله نثق بدينك وعلمك فأفتنا رحمك الله، ويمكن تلخيص هذه المشاكل بالتالي: الاختلاط في فصول الدراسة وأثناء الفسح، علماً أنه لا توجد إمكانية للفصل بين الطلاب والطالبات.
الموسيقى: أثناء التعليم يتخلل بعض مواد التعليم استخدام الأغاني التعليمية، والتي تشتمل على الموسيقى، أضف إلى أن الشباب اليافعين يستخدمون المسجلات الصغيرة لسماع الأغاني العربية بأنواعها، فإلى أي مدى يمكن أن نتعامل مع هذه الظاهرة؟
الحجاب: تحرص المدرسة أن ترتدي البنات البالغات الحجاب إلا أنه ولظروف البيئة لا تستطيع أن تفرضه عليهن، فهل فرض الحجاب أمر مقبول، وربما لو فرضنا على البنات الحجاب قد يخرجن إلى المدارس الدانمركية، وعندها قد يضعن وينصهرن في المجتمع، فما هو الحل؟
الرياضة: نظراً لوجود الطلاب والطالبات في نفس الفصل الدراسي، يحتم أن يأخذوا حصة الرياضة البدنية غير السباحة مشتركة، وأن يلعبوا مع بعضهم البعض، فما هي المرونة في التعامل مع هذه الحالة؟
اللباس بأنواعه: فقد تأتي بعض الفتيات بلباس ضيق أو مثير، غير أنه ساتر بنطلون ضيق وكنزة، فهل من الحكمة أن يفرض لباس موحد لجميع البنات بما فيه الحجاب؟
الخلوة: سواء كانت بين المدرسين والمدرسات، أو بين الطلاب والطالبات في حالات التعليم والعمل والدراسة، ما هي الحدود الشرعية للخلوة، وكيفية التعامل مع ذلك، الاحتفال بأعياد الميلاد الخاصة أو العامة: ميلاد السيد المسيح .. أو غيرها من الأعياد التي لم تعد تأخذ الطابع الديني في هذه البلاد.
الحب ومشاكله: عادة بعد سن البلوغ يحصل ميل الجنس للآخر، إلى أي مدى يمكن التعامل مع هذه الظاهرة، وما المدى الذي يمكن أن نسمح به أو ألا نشدد عليه؛ علماً وكما لا يخفى عليك أن العلاقات بين الشباب والشابات وصلت إلى المصاحبة، كما هو الحال عند الدانمركيين، هذه هي أهم المشاكل التي نعاني منها مع الجيل الجديد في هذه البلاد، وهي في تأزم مستمر ولا حول ولا قوة إلا بالله؟

الجواب :

بخصوص سؤالاتكم المذكورة، وما تذكرون من حسن عملكم في متابعة إخوانكم المسلمين، والحرص على الدعوة والمحافظة في بلاد الغربة، فإنا نشكر لكم هذا الجهد، ونسأل الله لكم السداد، وأما بشأن القضايا المشكلة في الوضع القائم لديكم في شأن: الحجاب، والاختلاط، والموسيقى، والرياضة.. وغير ذلك مما ذكرتم، فثمة مقامان:
المقام الأول: الموقف المبدئي الشرعي مجرداً من الواقع الخاص، وهذا يقدر أن يكون واضحاً لديكم كموقف نظري ورؤية مبدئية تنطلق من تعاليم الإسلام، التي تدعو إلى الأخلاق الفاضلة، ومن ذلك الأمر بالحجاب والنهي عن الاختلاط المبتذل بين الرجال والنساء.. ونحو ذلك.
وكذلك الأغاني الموسيقية التي ليس فيها فضيلة، بل لهو ولعب، وكذلك اختصاص المسلمين بدينهم وإظهار امتيازه لهم، هذا القدر من المهم أن يكون واضحاً للإخوة والأخوات القائمين على التعليم والتربية والدعوة، ثم بعد هذا كلام آخر في التعامل التطبيقي مع الواقع المذكور وفي سؤالكم.
المقام الثاني: الأصل الحرص على تحقيق التربية الإسلامية، والأخذ بأخلاقيات الإسلام وسلوكياته وطريقة تنظيمه للتعامل في مثل هذا الحقل التعليمي، لكن يبقى أن المسائل التي سألتم عنها لا تعد من كليات الدين، بل هي من شعائره وأحكامه التفصيلية، وهذا يعني أهمية العناية بتطبيقها، لكن في حدود المصلحة الشرعية التي لا يحصل عن تطبيق واحدة من هذه القضايا، كالحجاب مثلاً فمفسدة إعراض الكثير من المسلمين عن مدرستكم إلى المدارس الدانمركية فهذه مفسدة راجحة على المصلحة التي أردتم.. وهكذا، فحين نقول: إن الحجاب وترك الاختلاط.. ونحو ذلك شعائر وأخلاقيات شرعية لا بد من الموازنة والفقه والحكمة في التطبيق، لكن من المهم أن تأخذوا الأمر باعتدال، فليس من الحكمة ترك الحبل على الغارب، وإهمال التربية الإسلامية، وسلوكيات التعامل بين الطلاب والطالبات بحجة الخوف من ظهور المفاسد، لا بد أن يكون لمدرستكم دور ريادي في الرقي بالأخلاق، وبث الوعي التربوي الإسلامي، حتى يكون الطلاب والطالبات أمام قناعة تربوية مؤثرة بهدوء، وليسوا أمام صرامة ورفض لواقعهم.
الإخوة الكرام! الأساس حماية أصل دين الطلاب والطالبات، وتربيتهم على التمسك بأصل الدين وكلياته الأخلاقية، وتبقى مسألة اجتماع الطلاب والطالبات في فصل دراسي أو استعمال الموسيقى مسائل جزئية أمام الواقع الكبير، لكن مع ذلك من المهم بذل المحاولة، واختصار الإشكال قدر الممكن، ففي شأن فصل الطلاب عن الطالبات هذا هو الأصل التربوي خاصة بعد سن البلوغ، لكن إذا تعذر عليكم فخذوا أهون الأمرين.
ومن المنطقي هنا كون الطلاب في الصفوف الأمامية والطالبات خلفهم، أو جعل الطلاب في يمين الفصل الدراسي والطالبات في شمال الفصل.
المقصود: بذل محاولة معتدلة لتجاوز الأمر، وليس صحيحاً أننا نرفض التعليم أو نتهمه بغير الإسلامية لمثل هذه الحاجات الملحة القائمة، بل يكون الوضع هنا مقبولاً رعاية للمصلحة العامة، وكذلك تعليم الموسيقى الأصل محاولة الاستغناء عن ذلك، لكن كل ما كان خياراً يصعب تجاوزه إلا بمفسدة راجحة فلا بأس به ما دام أنه في دائرة الأحكام العامة، التي هي ليست من أصل الدين وكلياته.
الحقيقة المؤكدة أيها الإخوة والأخوات المحافظة على أصل الدين وقواعده، وإيجاد الوعي الإسلامي لدى الطلاب في إدراكهم لتميز دينهم وحضاريته وعنايته بالإنسان في كل جوانب تكوينه، وحياته الدنيا، ومستقبله عند الله بعد ذلك، وبيان ما فيه من السعة، ورفع الحرج والسماحة والعفو، مع ضرورة الامتياز والاعتـزاز به داخل النفس، والثقة المطلقة في تعاليمه، ورعايته للمصالح الخاصة والعامة.
أيها الإخوة! لا بد من الوعي وبناء التدين والأخلاق في نفوس الطلاب والطالبات بجدية تامة، ويجب أن تدركوا أن القضية ليست مقصورة على التجاوز لمسألة الحجاب أو عدم ذلك، يجب ألا يتحول التنازل عن مسألة كاختلاط الطلاب مع الطالبات في فصل دراسي لمصلحة راجحة عندكم، يجب ألا يتحول ذلك إلى مفهوم يدخل على نفوس الطلاب والطالبات يخلق عندهم شكلاً من الفوضى التربوية، وهكذا سائر المسائل التي ذكرتم.
أيها الإخوة! ليس الأصل أن يكون كل من له انتماء لمدرستكم متديناً ملتـزماً بكل المظاهر الإسلامية المعروفة، يجب أن تدركوا أنكم مسئولون عن المسلم أياً كان مقدار التـزامه الظاهر، بمعنى من الصعب فرض كل مظاهر التدين على كل أحد، أو يطرد من المدرسة! لا بد من الحكمة ورعاية المصالح العامة والشعور بالمسئولية عن هؤلاء الشباب الذين يعيشون في مجتمع مفتوح، ولهذا نؤكد بناء الذات والوعي والقناعة في نفوسهم، وليس الأمر يتعلق بسماعهم للموسيقى أو عدم ذلك، هذه مسألة لها قدرها، ولكن تبقى مسألة أحادية: من الخطأ المراهنة عليها في استقبال الطلاب والتعامل معهم، لكن هذا لا يعني إلغاء خطاب التوجيه والتربية وبيان الحكم الشرعي.
من الضروري أن يشعر كل مسلم مهما كان انحرافه الظاهر بأنه يمكن أن يتعايش معكم، لكن من حقكم بل من مسئوليتكم التربوية والشرعية أن تقدموا المصالح العامة على المصالح الخاصة، فحين يمنع شخص من مظهر أو تصرف لمراعاة المصلحة العامة القائمة فهذا منهج فاضل، لكن حين يكون ذلك من منطلق ضرورية الالتـزام الشمولي لكل أحد، أو يطرد أو يرفض من المدرسة فهذا منهج لست أراه فاضلاً.
إننا ندعو إلى الاعتدال والتوازن، وسؤالاتكم هذه وأمثالها يمكن ردها شرعاً إلى قاعدتين من كبار قواعد الإسلام المجمع عليها بين علماء الأمة قاطبة:
1- إن الواجب يفعل بقدر الطاقة والاستطاعة على قوله تعالى: (( فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ))[التغابن:16] فما لا يقدر عليه فدعوه، ولكن ليكن له مقام من المحاولة الهادئة في المستقبل.
2- مراعاة المصلحة: أحكام الشريعة جاءت لجلب المصالح ودرء المفاسد، فخذوا بالمصلحة، وإذا تعارض مصلحتان فقدموا المصلحة التي فيها عناية بالعموم أو فيها عناية بالأصول والكليات، أو بعبارة أخرى: المصلحة الكلية مقدمة على المصلحة الجزئية، والمصلحة العامة مقدمة على المصلحة الخاصة ، وإذا لزم في نظركم تحقيق إحدى مفسدتين فاختاروا أهون الشرين وأدنى المفسدتين.
وفي الجملة فلست أرى المسائل المذكورة كلها، على فرض عدم استطاعتكم التخلص منها مؤهلة وكافية لزعزعة أو رفض استقبال الطلاب لمثل هذا، إلا من باب تقدير المصالح العامة القائمة لديكم، بمعنى أنكم يمكن أن تبقوا محاولين للإصلاح لهذه المسائل، لكن لا مانع من الاستمرار الآن قبل تحقيق ذلك.
ثم هنا مسألة في الخاتمة، وهي: أنه لا بد من الفقه، فمسألة الموسيقى لا تقدر بمسألة العلاقات غير الأخلاقية التي قد تطرأ عندكم، فأعطوا كل مسألة قدرها، فالموسيقى والأغاني في الغالب حكم غير متعد بل لازم، بخلاف المسائل المتعدية فهي أكبر وأهم.
أيها الإخوة! مع هذا التقرير يجب أن نكون واقعيين، وألا نبالغ في تعذر الأشياء علينا، فليس واضحاً من وجهة نظري أن كل هذه المظاهر الاختلاط، ترك الحجاب، الأغاني.. غير قابلة للمعالجة ولو لمستوى التخفيف والتقليل، أي: تجاوز تطبيع هذه الأشياء في نفوس الطلاب، وحين نقدر أنها ليست من الأساس والأحكام الكلية، فمع ذلك من المهم المحاولة المعتدلة التي لا تخلق ردود أفعال لدى الطلاب والطالبات أو أولياء أمورهم.
لا بد من الطرح التربوي المعتدل القائم على الإقناع والهدوء، ولا بد من تأكيد ثوابت الإسلام لدى الشباب، وأن هذه الثوابت ضرورية في المحافظة والتصميم، يجب خلق الولاء الإسلامي في نفوس هؤلاء، وأن الولاء للإسلام والتصميم على ثوابته ليس مبنياً على الالـتزام بهذه المظاهر، هذه مسائل فرعية، حتى لا ينحصر الهم والولاء الإسلامي في المتدينين، كما هو أحد الأخطاء التربوية الشائعة في كثير من بلاد العالم الإسلامي، الولاء للدين والاعتصام بثوابته حق على كل مسلم، حتى من عنده انحرافات ظاهرة، وحينما نربي الجيل الشاب هذه التربية، فسيكون أكثر توازناً وهدوءاً في مواجهة المجتمع الغربي الذي يعيش فيه، سددكم الله.