الرئيسة الفتاوى1430 هـوجه توجيه اللوم والنقد للقاعدة في العراق

وجه توجيه اللوم والنقد للقاعدة في العراق

التاريخ: السبت 07 / شوال / 1430الموافق 26 / سبتمبر / 2009م

السؤال :

فضيلة الشيخ! اتهمت تنظيم القاعدة أحد فصائل دولة العراق الإسلامية باستهداف الأبرياء والمدنيين من غير بينة، وإنما اعتماداً على بعض الفضائيات التي لا ترينا إلا ما تريد، فلماذا تغيرت نظرتنا لها عندما تغيرت نظرة بعض حكامنا، وتعلم أن المؤمن ليس بالذي يتتبع عورات وزلات إخوانه، وإن كانت له مظلمة عند أخيه فليحلها سراً، فالمؤمنون رحماء بينهم (( أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ ))[المائدة:54] ثم ما البديل؛ فلقد سئمنا والله يا شيخ من الحلول السلمية التي لم تأت بنتيجة، بل زاد الفساد والمجون في بلادنا، وكثرت قواعد الصليب، وعطلت الشريعة، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: ( بعثت بالسيف حتى يعبد الله لا شريك له ).
كما أنك أفتيت بجواز دخول الشرطة، والحرس الوطني العراقي، ولما طبقت القاعدة فيهم قوله تعالى: (( وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ))[المائدة:51] تم انتقادها؟

الجواب :

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فنحن انتقدنا قاعدة العراق، أو ما يسمى بدولة الإمارة الإسلامية في العراق وجرأتها على القتل، وهذا حقيقة، وليس أمراً مبنياً على كلام الفضائيات؛ بل هو أمر أصبح حديث الدوائر الإسلامية الخاصة، المجموعات المقاتلة في العراق كالجيش الإسلامي، وكتائب العشرين، وهيئة علماء المسلمين، والحزب الإسلامي، جميع هذه الجهات الإسلامية السنية في العراق سواء تمثلت في المقاومة العراقية، أو تمثلت في المشاريع العلمية، أو المشاريع السياسية تحدثت عن نوع من الاستهداف من قبل هذا التنظيم على وجه الخصوص، قتل من هيئة العلماء، وقتل من الحزب الإسلامي، وقتل من الجيش الإسلامي، وقتل من كتائب العشرين؛ فضلاً عن استهداف رجال القبائل، واستهداف عوام الناس، وأطراف من الشيعة ممن ليسوا طرفاً في المعركة، وهذا الكلام صدر فيه بيانات رسمية، بل هناك أشخاص كانوا على علاقة بهذا التنظيم، ومع ذلك أصدروا بيانات استنكار، ثم في فترة من الفترات تم استهداف من لم يبايع، مع أن هذا ليس له مبدأ شرعي إطلاقاً بحال من الأحوال.
أما فكرة دعم القاعدة، فإنه بعد أحداث سبتمبر أعلن ما يسمى بتنظيم القاعدة فيما أعلم، وكان هناك خط واضح جداً، حيث الكثيرون نأوا بأنفسهم عن مثل هذا الخط؛ لأنه غير مستبين، خط يستهدف استخدام القوة في محلها وفي غير محلها، وضرب من يستحق ومن لا يستحق، ولا شك أن تنظيم القاعدة في العراق شارك في حرب الأمريكان، وهذه قضية معروفة، لكن نسبة كسر شوكة الأمريكان في العراق لتنظيم القاعدة ظلم لجهود ضخمة قتالية وسياسية وطنية، لكن الكثير من هذه التنظيمات الإسلامية لم تستطع أن تصل إلى الإعلام والقنوات الفضائية بشكل صحيح، ولهذا لم يتصور الناس حجم المجهود الذي قامت به في مقاومة الاحتلال الأمريكي.
وفكر القاعدة هو الفكر القتالي، أما الفكر الإسلامي العام الذي يؤيد مدافعة الفلسطينيين عن بلادهم، أو مدافعة العراقيين عن بلادهم، أو مدافعة الأفغان عن بلادهم، أو مدافعة أي شعب محتل، حتى الشعب البوسنوي.. أو غيره، هذا ليس فكر القاعدة، بل هو مبدأ مشروع صحيح من حيث الأصل، لكن القاعدة أصبحت تنظيماً خاصاً له أتباعه، وله صفته، والقاعدة هي التي تضرب في الجزائر، وتضرب في المغرب، وتضرب في بعض أنحاء من مناطق العراق، وفي مناطق محددة، ولها مسئوليات محددة وقيادات خاصة، وتتحمل مسئولية كثير من أعمال العنف التي وقعت في البلاد الإسلامية، ومنها العنف في السعودية، فليس هناك طرف آخر يتبناه إلا هذا التنظيم، وفيه فتاوى واضحة.
أما مسألة أن المسلمين رحماء بينهم، هذا صحيح، المسلمون رحماء بينهم، ولكن أين الرحمة في كوننا نتعامل مع المسلمين من خلال القتل، وأن من لا يوافق على هذه الأعمال أو من لا يقرها، أو من ينتقدها فسيكون عرضة للقتل؟!
الكلام عن نقد هذه الأشياء هو ليس عدواناً، ونحن لم نشتم أحداً ولله الحمد والمنة، والمطلوب أن يكون عند الإنسان جرأة لنقد مثل هذه الأعمال؛ لأنه في كثير من الأحيان يتوجس الناس خيفة من هجوم عبر مواقع الإنترنت، أو في بعض المناسبات على من ينتقد مثل هذه الممارسات؛ ولذلك قد يتجنبون الإشارة إلى تنظيم القاعدة على وجه الخصوص، وينتقدون أشياء ذات اليمين أو ذات الشمال، أو ينتقدون العنف بشكل عام، بينما الذي أعتقده أن وضع الأسماء في نصابها الصحيح أصبح أمراً لا بد منه؛ لأن تنظيم القاعدة ليس شيئاً في المريخ أو في كوكب من الكواكب، فهو الذي يضرب في أكثر من بلد إسلامي، وآن الأوان أن يقول أهل العلم والديانة ما يدينون الله تبارك وتعالى به.
ثم إنه لا ينبغي أن نتهم نيات الناس، ينبغي أن تحمل أخاك المسلم على أحسن المحامل، ليس هناك شهرة يحصل عليها الإنسان من خلال نقد مثل هذا التنظيم؛ بل العكس، فالإنسان ينتقد وهو يدري أنه سيأتيه لوم وعتب، ويعرف ما سوف تحفل به بعض المواقع الإلكترونية من الكلام، ولكن الإنسان يشعر بأن الحياة إنما تراد وتبتغى من أجل أن يقول الإنسان كلمة حق، يحفظ بها دم امرئ مسلم، ويوجه بها مجموعات من الشباب إلى جادة الصواب.
أما قضية ما هو البديل؟
فأقول: حتى لو لم يكن ثمة بديل، فهل نحن ملزمون بأن نقوم بشيء ما دون أن ندرك عاقبته ومصلحته؟!
البديل الدعوة بالحكمة، وبالكلمة الطيبة، وبالتربية، وبطول النفس، والبديل هو: (( فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا ))[التغابن:16]، البديل هو قول الأنبياء أنفسهم عليهم السلام: (( إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ))[هود:88]، ليس مطلوباً منا أن نغير وجه الكرة الأرضية، ولن نغير وجه الكرة الأرضية، بل أثبتت الأحداث الموجودة وأحداث التاريخ أن كثيراً من أعمال العنف التي تنطلق، وهي غير مرتبطة برؤية ناضجة، ولا بمشروع إصلاحي، تكون وبالاً على أصحابها، وعلى مشروعهم ذاته، وتسيء إليهم وإلى من يقترب منهم، فهي لم تأت بنتيجة؛ بل زادت من المجون والربا، وشجعت كثيراً من الخصوم والأعداء على مهاجمة الإسلام وقيمه ودعاته.
وأما فكرة الجهاد فإن علينا أن نقرأ القرآن والسنة كاملة، فالإسلام ليس جهاداً فحسب، والحل هو ليس بالجهاد، الحل هو بالإسلام، وأعظم جهاد هو الجهاد بالقرآن، وهذا معنى عظيم، فالله تعالى لم يسم في القرآن الكريم لوناً من ألوان الجهاد بالجهاد الكبير، إلا الجهاد بالقرآن، قال تعالى: (( فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا ))[الفرقان:52] بينما الجهاد الآخر سماه الله تعالى جهاداً، ولم يسمه جهاداً كبيراً.
فالمطلوب إذاً: العلم، المعرفة، الدعوة، الصبر على هذا الطريق، الهدوء في المعالجة، والذي يلزم الناس فهم القرآن وفهم السنة، وإقامة الحجة على الناس؛ على القريب، وعلى البعيد، أما فكرة إقامة حكومة، أو إقامة تنظيم، هذه الأشياء مرهونة بالاستطاعة، وبالقدرة، وبالظروف الموجودة، والتي قد تسمح بمثل هذا الأمر، والنبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يبعث بالسيف بعث بالبينات، وبعث بالرحمة؛ ولهذا فإن اختزال معنى الجهاد في القتال غلط، والله سبحانه وتعالى قال: (( لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ ))[الحديد:25]، بالحجة والإقناع ومخاطبة العقل والنفس والروح بالوعظ، ثم قال في آخر الآية: (( وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ))[الحديد:25].
وعلى الإنسان أن يقول ما يدين الله تبارك وتعالى به بالأسلوب المناسب، ولا يصادم أحداً قدر المستطاع، ولا يقول في أحد بغير بينة، ولكن يضع الحق في نصابه، وبالتالي على كل من يعمل في الميدان أن يتقبل النقد، وأن يدرك أنه عرضة للخطأ، وعرضة للنقد أيضاً، وأما أن يكون هناك نوع من الامتناع عن النقد وعن التصويب، فهذا ليس بجيد، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم لما بعث خالد بن الوليد إلى بني جذيمة، فدعاهم إلى الإسلام، فلم يحسنوا أن يقولوا: أسلمنا. فجعلوا يقولون: صبأنا، صبأنا. فجعل خالد يقتل منهم ويأسر، فرفع ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: ( اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد مرتين ) .
فكان العتاب علانية أمام الناس، وقال: ( اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد ) ثم ودى هؤلاء الناس.
هذا وقد كان خالد هو القائد العام للجيش الإسلامي، ولم يكن هذا سبباً في أن يهمس النبي صلى الله عليه وسلم في أذنه: إنك أخطأت، ولا يتكرر هذا الخطأ، أو رسالة خاصة، وإنما كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلن هذا الخطأ أمام الملأ، وأمام العدو والصديق، والموافق والمخالف، ونحن الآن بعد ألف وأربعمائة سنة أدركنا أن خالداً أخطأ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم أعلن على الملأ إدانة خطأ خالد، و خالد سيف من سيوف الله، والنبي صلى الله عليه وسلم إذا شاء سله، وإذا شاء أغمده، فكيف بأعمال الآخرين.
أما مسألة دخول الشرطة، فأرى أنه يجب على عموم الناس المخلصين في العراق أن يسارعوا إلى المشاركة في الجيش والشرطة، خلافاً لما يظنه الكثيرون، فالجيش والشرطة تظل مؤسسة البلد ومستقبله وحاضره، ولا يمكن أن يوجد بلد أو مجتمع بدون شرطة، وبدون جيش، هذا معناه الفوضى، ولا يمكن أن نقبل أن تكون الشرطة أو الجيش من قوة خارجة، تغزو البلد وتحتله، وتفرض عليه نظامها، ولا يمكن أن يمثل الجيش أو الشرطة فصيل أو جهة أو طائفة من الطوائف داخل أرض العراق، في حين يبتعد الآخرون.
من حق الإخوة في العراق أن أقول لهم هذا الكلام، فإن قبلوه فالحمد لله، وإذا لم يقبلوه فلا أقل من أن يحسنوا الظن بي؛ لأني ما قلت إلا ما أدين الله أن فيه خيراً للشعب العراقي وأطيافه وطوائفه من السنة .. ومن غيرهم أيضاً؛ وذلك لأنه لا أحد يستفيد من أن تكون المؤسسات القائمة في العراق تمثل جهة معينة أو طائفة معينة، والطوائف الأخرى مغيبة، كما هو الواقع القائم، وقد أفتى به أكثر علماء العراق أيضاً: أن على شباب العراق أن يشاركوا في الجيش والشرطة ومؤسسات البلد، وأن يسارعوا لذلك، وأن يعملوا على ضبط النظام؛ فالعراق بلد يتكون الآن، وينبغي أن تكون هناك مشاركة إيجابية فاعلة.
ثم إن عدم المشاركة يعني: إما أن يبقى البلد بلا جيش ولا شرطة، وهذه معناه: أنه سيظل أسيراً لقبضة الاحتلال، وإما أن يكون الجيش والشرطة تمثل طائفة واحدة فقط كما هو المخوف، والذي بدأت بوادره تظهر الآن، وهذا معناه: أنه قد يتم تكون مجموعات ومليشيات وجماعات مسلحة خارج هذا النطاق، وأن يكون ذلك تحضيراً لصراع وحروب داخلية، وهذه الفتوى بالضرورة ليست فتوى لكل أحد، ولكن على الإنسان أن يقدر ظروفه، ويقدر الأوضاع التي يعيشها.
ومن حيث المبدأ أميل إلى أن يعتمد الناس في العراق مبدأ المشاركة في الجيش والشرطة، والإصلاح من خلالها.