الرئيسة الفتاوى1423 هـحكم صلاة المنفرد خلف الصف

حكم صلاة المنفرد خلف الصف

التاريخ: الثلاثاء 20/ شوال/ 1423 الموافق 24/ ديسمبر/ 2002م.

السؤال :

فضيلة الشيخ سلمان بن فهد العودة حفظه الله وسدد خطاه، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد:
نود أن نسأل فضيلتكم عن حكم صلاة المنفرد خلف الصف لوحده، إذا لم يكن معه أحد، ولكم منا جزيل الشكر والدعاء؟

الجواب :

المسألة ورد فيها عدة أحاديث نعرضها ثم نسوق الخلاف فيها إن شاء الله.
الحديث الأول: ما رواه أحمد رحمه الله تعالى (4/23) من طريق ملازم بن عمرو حدثنا عبد الله بن بدر: أن عبد الرحمن بن علي حدثه: أن أباه علي بن شيبان حدثه: ( أنه خرج وافداً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فصلينا خلف النبي صلى الله عليه وسلم.. ).. الحديث، وفيه: قال: ( ورأى رجلاً يصلي خلف الصف، فوقف حتى انصرف الرجل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: استقبل صلاتك، فإنه لا صلاة لرجل فرد خلف الصف )، قال عبد الصمد: ( فرداً خلف الصف ).
وأخرجه مطولاً ومختصراً: ابن أبي شيبة (2/11)، وابن ماجه (1003)، وابن خزيمة (3/30)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (3901)، وفي شرح معاني الآثار (1/394)، و ابن حبان (1891) (2202) (2203)، و البيهقي (3/105) كلهم من طريق ملازم بن عمرو به.
ورجال إسناده كلهم ثقات إلا ملازم بن عمرو فإنه صدوق ، و عبد الرحمن بن علي بن شيبان وثقه ابن حبان (5/1058) والعجلي، وذكر صاحب حاشية تهذيب الكمال (17/294): أن ابن حزم و أبا العرب التميمي وثقاه، وقال في التقريب: ثقة .
وقال ابن عبد الهادي في التنقيح (1138): إسناده قوي، وقال الأثرم قلت لـأبي عبد الله -يعني: أحمد-: حديث ملازم بن عمرو حسن؟ قال: نعم.
وقال في مصباح الزجاجة: إسناده صحيح رجاله ثقات، (1/122).
وقال ابن سيد الناس: رواته ثقات معروفون.
وقال في الفتح (2/213): في صحته نظر
.
الحديث الثاني: ما رواه أحمد أيضاً قال: حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن عمرو بن مرة قال: سمعت هلال بن يساف يحدث عن عمرو بن راشد عن وابصة بن معبد: ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً صلى وحده خلف الصف، فأمره أن يعيد صلاته ) (4/228).
و عمرو بن راشد المذكور في الإسناد، لم يوثقه غير ابن حبان كما في الثقات (5/175)، وسكت عنه ابن أبي حاتم (6/232).
وقال في التقريب: مقبول، وهذه عبارة تليين له
، ومع ذلك فقد اختلف في إسناده.
فقيل: عن عمرو بن مرة عن هلال بن يساف عن عمرو بن راشد عن وابصة، كما في المسند، وهذا ترجيح أبي حاتم (1/100).
وقيل: عن حصين عن هلال عن زياد بن أبي الجعد عن وابصة كما في المسند أيضاً (4/228)، وهو ما رجحه الترمذي في العلل الكبير (67).
ولعله لذلك قال ابن عبد البر في التمهيد (1/269): حديث وابصة مضطرب الإسناد، لا يثبته جماعة من أهل الحديث. وانظر فتح الباري (2/268).
وضعف الحديث أيضاً الشافعي، كما في تحفة المحتاج (1/461)، وكان يقول في القديم: لو ثبت لقلت به
.
الحديث الثالث: حديث ابن عباس بنحوه.
رواه ابن عدي في الكامل (2/251) و العقيلي في الضعفاء (4/291) وضعفاه.
وقال الهيثمي في المجمع (2/96): رواه البزار والطبراني في الكبير والأوسط و فيه النضر أبو عمر، أجمعوا على ضعفه .
ثم ذكره من حديث أبي هريرة وقال: رواه الطبراني في الأوسط، و فيه عبد الله بن محمد بن القاسم، وهو ضعيف .

وفي الباب أحاديث أخرى شديدة الضعف.
وقد اختلف أهل العلم في حكم صلاة المنفرد خلف الصف، على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أن الصلاة صحيحة، ولو مع الكراهة عند بعضهم، وهذا قول زيد بن ثابت، وروى قتادة عن ابن مسعود: [لا بأس أن تركع دون الصف]، وهذا محتمل.
وهو قول الثوري و ابن المبارك و داود و الأوزاعي و يحيى بن معين و إبراهيم التيمي، وهو مذهب الحنفية والمالكية والشافعية. .
واستدلوا بما يلي:
1- ما رواه البخاري (380) ومسلم (658) عن أنس بن مالك: ( أن جدته مليكة دعت رسول الله صلى الله عليه وسلم لطعام صنعته له، فأكل منه، ثم قال: قوموا فلأصل لكم، قال أنس: فقمت إلى حصير لنا قد اسودّ من طول ما لبس فنضحته بماء، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصففت واليتيم وراءه، والعجوز من ورائنا، فصلى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين ثم انصرف ).
فثبت أن المرأة صلت خلف النبي صلى الله عليه وسلم وحدها ولم يأمرها بالإعادة، فصلاتها صحيحة، وما جاز للنساء جاز للرجال.
وهذا ليس بقوي والله أعلم؛ لأن وقوف المرأة حينئذ مشروع مأمور به قطعاً، ولولا ذلك لم تفعله، بل وقوفها مع الرجال منهي عنه، ومثل هذا الإمام، فإنه يقف وحده في غير الضرورة والحاجة، ولا يقاس على المأموم، فهكذا لا يقاس الرجل على المرأة، والرجال مأمورون بالصفوف وبرص الصفوف ومقاربتها، وقياس هذا على هذا هو قياس فاسد. .
2- ما رواه البخاري (726) عن ابن عباس رضي الله عنهما في مبيته عند خالته ميمونة، وفيه: ( فأخذ برأسي من ورائي فجعلني عن يمينه.. ) ورواه مسلم بنحوه (763).
فحين أدار النبي صلى الله عليه وسلم ابن عباس من الشمال إلى اليمين كان منفرداً حال الإدارة، ولم يؤثر ذلك في صلاته.
وفي هذا الاستدلال نظر، فإن الإدارة وقت يسير جداً، ولا يعدّ صاحبها منفرداً، فهو أشبه بمن كبر دون الصف ثم لحق الإمام في الركوع، كما في قصة أبي بكرة رضي الله عنه.
3- قصة أبي بكرة، وهي في صحيح البخاري (783): ( أنه انتهى إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو راكع، فركع قبل أن يصل إلى الصف، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: زادك الله حرصاً ولا تعد ).
وجه الاستدلال: أن أبا بكرة ركع قبل أن يصل إلى الصف وهو وحده، ولم يأمره بالإعادة، فدل على صحة صلاته.
وهذا قد يقال فيه ما يقال في الحديث الذي قبله من أن انفراده كان زمناً يسيراً، فهو بمنزلة أن يقف الرجل وحده ثم يجيء الآخر فيصافه في القيام، وهذا جائز عند الأئمة.
ومع هذا فالرسول صلى الله عليه وسلم قال له: ( زادك الله حرصاً ولا تعد )، فنهاه عن تكرار مثل هذا العمل أو العود إليه، على أحد الأوجه في تفسير الحديث.
القول الثاني: لا تصح صلاته مطلقاً، سواء كان لعذر أو لغير عذر، وهو المشهور عند الحنابلة. .
واستدلوا بالأحاديث السابقة، وأمثلها حديث علي بن شيبان وقد مر تخريجه، ودلالته ظاهرة، حيث أمره بالإعادة، وقال: ( لا صلاة لفذ خلف الصف )، ونفي الصلاة هنا محمول على نفي الصحة عندهم.
وقد يعترض عليهم بأمرين:
أولهما: التردد في ثبوت الأحاديث.
الثاني: أن يكون المقصود نفي الكمال، أي: لا صلاة كاملة.
القول الثالث: تجب المصافة مع القدرة، وتسقط مع العجز، شأنها في ذلك شأن سائر الواجبات، وهذا مذهب الحسن البصري كما في المصنف لـابن أبي شيبة (2/12)، واختيار ابن تيمية و ابن القيم رحمهما الله تعالى، إعلام الموقعين (2/17)، الفتاوى (23/394)، ودليهم على الوجوب ما سبق من الأحاديث.
ودليهم على السقوط بالعجز قوله تعالى: (( فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ))[التغابن:16]، (( لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ))[البقرة:286]، (( رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ ))[البقرة:286]، فالواجبات المجمع عليها تسقط بالعجز كالقيام، وليست المصافة بأوجب منها، ومن قواعد الشرع أنه: لا واجب مع عجز ولا حرام مع ضرورة .
الترجيح: يبدو هذا القول الأخير وسطاً جامعاً بين القولين آخذاً بأدلة الفريقين معملاً للنصوص كلها، ومع ذلك فالقول الأول الذي يجيز الصلاة للمنفرد قال به كثير من السلف والخلف، ولهم أدلة ومآخذ، وربما يرون أن هذه المسألة من المسائل الظاهرة المتكررة التي تمس الحاجة، إليها فتحتاج إلى أدلة قوية لدعمها وتثبيتها؛ ولذلك كان مالك رحمه الله يرى أنه لا بأس أن يقف الرجل وحده خلف الصف، فيصلي بصلاة الإمام وهو الشأن عنده، وكأنه يرى عمل أهل المدينة عليه، كما هو معروف من مذهبه.
ومن هنا نرى ألا يحرج ولا يثرب على من فعل ذلك، فهذا اختيار جماعة من أهل الإمامة والعلم والفقه كبيرة، والمسألة عند التأمل فيها شيء من الخفاء، والله أعلم.
ومما يلتحق بذلك ويتفرع عنه أنه لا يشرع للمنفرد أن يجذب أحداً من الصف الذي أمامه لكي يصلي معه، وهذا قول مالك، وأحد قولي الشافعي، واختاره القاضي أبو الطيب من الشافعية، وبه قال إسحاق والأوزاعي وابن تيمية وابن القيم والسعدي رحمهم الله أجمعين. .
والأحاديث الواردة في المسألة كلها ضعيفة لا يحتج بها. .
والله تعالى أعلم، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.