الرئيسة الفتاوى1422 هـحقيقة النقود وحكم زكاتها وزكاة النقود الورقية

حقيقة النقود وحكم زكاتها وزكاة النقود الورقية

التاريخ: الأربعاء 13/ رمضان/ 1422 الموافق 28/ نوفمبر/ 2001م.

السؤال :

فضيلة الشيخ سلمان بن فهد العودة سلمه الله، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أما بعد:
فسؤالي حول الزكاة، ما هو النصاب بالنسبة للنقود، هل تقاس بالذهب والفضة، فإن كان كذلك هل تقاس بالذهب الخالص أو بالذهب الذي هو متداول عندنا وهو سبعمائة وخمسين في ألف؟

الجواب :

حتى نجيب عن سؤالكم حول زكاة النقود لابد أولاً من تعريف النقود، فلمعرفة أحكام الزكاة في النقود لابد من معرفة نوعية النقود المتداولة في عصر النبوة، فقد كان العرب وقت بعثة النبي محمد عليه الصلاة والسلام يتعاملون بالذهب في صورة دنانير، وبالفضة في صورة دراهم، وكانت الدنانير ترد في الأغلب من بلاد الروم، وكانت الدراهم ترد من بلاد الفرس.
وقد جاءت الأحاديث في وجوب الزكاة والدراهم والدنانير.
ولما كان التجار في غالب أسفارهم لا يحملون معهم الدنانير والدراهم؛ خشية من ضياعها أو سرقتها لجئوا إلى أخذ تحاويل بها على أحد تجار الجهة المتجهين إليها، من أناس لهم سمعة مالية حسنة.
ولم تكن هذه التحاويل في الواقع نقوداً، إذ ليس في استطاعة حاملها أن يدفعها أثماناً للمشتريات، لانعدام القابلية العامة فيها، وإنما هي بديل مؤقت عن النقود (الدراهم والدنانير) يتمتع حاملها بهدوء تام حينما يفقدها أو تسرق؛ لأن دفع ما تحويه مشروط بأمر كتابي إلى المحال عليه يحمل ختمه أو توقيعه.
ولكي تكون هذه التحاويل أكثر نفعاً وأيسر تداولاً فقد رأى المحالون أن مصلحتهم في عدم تعيين أشخاصهم في الحوالة، وأن يكتفى بذكر التعهد بدفع المبلغ المحال به لحامله دون تعيين شخصه.
فانتقلت الأوراق بهذا الإجراء إلى مرحلتها الثانية، وأصدر الصيارفة أوراقاً مصرفية لم تكن في الواقع أكثر من وثائق عن الودائع النقدية لديهم إلا أن تداولها قبل أن تصل إلى الصيرفي لسدادها كان أيسر مما لو كان الشخص المحال بها معيناً، على أن تداولها في أول أمرها كان على نطاق ضيق جداً، فما أن يأخذها صاحب السلعة عوضاً عن سلعته حتى يسارع إلى الصيرفي لسدادها، إلا أن هذا لم يدم طويلاً، فقد أخذت الثقة بالصيارفة في الانتشار وشاعت الأوراق المصرفية وراج قبولها في التداول دون الرجوع إليهم لسدادها إلا النزر القليل منها، مما دعا الصيارفة إلى إدراك هذا الواقع، فعمدوا إلى إصدار أوراق مصرفية جديدة تزيد في الواقع عن قيمة الودائع النقدية لديهم، وهذا يعني أن أوراقاً لا رصيد لها عند الصيارفة.
وبهذا انتقلت الأوراق النقدية إلى مرحلة جديدة، يمكن أن نسميها المرحلة الثالثة، فقد كانت الأوراق النقدية في المرحلتين السابقتين لا تعدو أن تكون وثائق على النقود العينية المودعة، ولم يكن لهذه الوثائق قدرة على تمثيلها وسيط تبادل؛ لانحصار مفهومها عند الناس بأنها مجرد وثيقة شخصية، بخلاف المرحلة الثالثة فقد انتقلت هذه الوثائق إلى كونها نقوداً بنفسها، وأصبح لها صفة القبول العام، فضلاً عن اعتبارها قوة شرائية مطلقة، وحتى لا يتلاعب الصيارفة بإصدار هذه الأوراق حسب أهوائهم تدخلت الدول في تنظيم إصدارها، وأعطت مصارف معينة تتمتع بثقة تامة وسمعة حسنة حق إصدار تلك النقود، وقد تحتكر الدولة أمر الإصدار، وبهذا أصبحت الأوراق ذات قيمة بنفسها دون أن تكون وثائق عن الذهب والفضة، وسحب التعهد الذي كان مكتوباً عليها.
وبهذا التاريخ الموجز جداً عن تطور النقود الورقية نستطيع أن نعرف ماهية النقود الورقية، فقد عرفها الشيخ ابن منيع بقوله: النقد: هو كل شيء يلقى قبولاً عاماً كوسيط للتبادل، مهما كان ذلك الشيء وعلى أي حال يكون.
ويستدل لذلك بقول الإمام مالك في المدونة: [ ولو أن الناس أجازوا بينهم الجلود حتى يكون لها سكة وعين لكرهتها أن تباع بالذهب والورق نظرة ] انتهى، كلام مالك رحمه الله.
كما يستدل أيضاً بقول ابن تيمية: وأما الدرهم والدينار فما يعرف له حد طبيعي ولا شرعي، بل مرجعه إلى العادة والاصطلاح.. إلى آخر كلامه رحمه الله.
وأصبحت الزكاة تجب في هذه النقود كما تجب في الدراهم والدنانير، باعتبار أنها أثمان للأشياء، وحتى نعرف نصاب هذه النقود الورقية لا بد من معرفة نصاب الدنانير والدراهم:
فنصاب الدنانير: عشرون ديناراً.
ونصاب الدراهم: مائتا درهم.
والدينار يساوي مثقالاً.
وهذا التقدير يذكر العلماء أنه لم يتغير لا في جاهلية ولا في إسلام .
والنسبة بين الدراهم والدينار معروفة أيضاً (7/10) سبعة إلى عشرة.
فالدرهم (7/10) المثقال.
فإذا كان الدينار (أو المثقال) لم يتغير في جاهلية ولا إسلام، فإن معرفة وزن هذا المثقال يقود إلى معرفة وزن الدرهم؛ لأن النسبة بين الدرهم والمثقال معروفة أيضاً ومتفق عليها.
وقد كان هناك طريقتان لمعرفة وزن المثقال:
الأولى: ذكر العلماء مقدار المثقال بالحبوب.
فذهب الجمهور إلى أن المثقال: يزن (72) حبة شعير من الحبوب المعتدلة غير المقشورة، ومقطوع من طرفيها ما دق وطال.
وعند الحنفية: المثقال: يزن (100) حبة شعير.
واختلف العلماء في وزن المثقال بالجرامات بعد أن قدره العلماء بحب الشعير على أقوال:
الأول: (3.5) جرامات، فنصاب الذهب (3.5 × 20 = 70) جراماً.
الثاني: (4.25) جراماً فنصاب الذهب (4.25 × 20 = 85) جراماً.
الثالث: (3.60) فيكون النصاب (3.60 ×20 = 72) جراماً.
.
والراجح منها القول الثاني وهو كونه (4.25) لما ذكرها القرضاوي في كتابه فقه الزكاة ، فقد سلك طريقاً أدق من معرفة الوزن عن طريق الحبوب التي قد تختلف من بلد لآخر، ومن نوع لآخر.
يقول الشيخ القرضاوي في فقه الزكاة (1/258): بقي أمامنا طريقة أخرى لمعرفة مقدار الدرهم والدينار الشرعيين، وهي الطريقة الاستقرائية الأثرية، أعني: تتبع أوزان النقود المحفوظة في المتاحف العربية والغربية، وبخاصة الدينار أو المثقال، فإنهم قرروا أنه لم يتغير في جاهلية ولا إسلام، وأنهم حين ضربوا الدراهم جعلوا العشرة منها وزن سبعة مثاقيل، فكأن المثقال هو الأصل الذي يحتكم إليه، فإذا عرفنا وزن المثقال عرفنا به نصاب النقدين معاً: الذهب والفضة.
هذا ما سلكه بعض الباحثين الأوروبيين وتبعهم البحاثة المصري علي باشا مبارك الذي خصص الجزء العشرين من الخطط التوفيقية للنقود ، وقد أثبتوا بواسطة استقراء النقود الإسلامية المحفوظة في دور الآثار بـلندن و باريس و مدريد و برلين أن دينار عبد الملك يزن (4.25) جرامات وكذلك ذكرت دائرة المعارف الإسلامية وهو وزن الدينار البيزنطي نفسه، وإذن يكون الدرهم:
(4.25 × 7 على عشرة = 2.975).
(4.25 × 7 = 2.975).
قال الشيخ: ولعل هذه الطريقة هي أمثل الطرق لمعرفة الدرهم والدينار الشرعيين، وأبعدها عن الخطأ، وأقربها إلى المنهج العلمي لابتنائها على استقراء واقعي لنقود تاريخية لا مجال للطعن في صحتها وثبوتها.
فيكون نصاب الفضة: (2.975 × 200 = 595) جراماً.
ويكون نصاب الذهب كما سبق: (4.25 × 20 = 85) جراماً من الذهب.
وبالتالي فمن ملك من النقود ما يعادل قيمة (595) جراماً من الفضة فقد ملك النصاب، وليس على الإنسان إلا أن ينظر إلى قيمة جرام الفضة كم يساوي من الريالات، ليعرف نصاب النقود، والله أعلم.
على أن هنالك قولاً لـشيخ الإسلام يقول: إن المعتبر هو العدد وليس القيمة، ولعل هذا كان في عهده حين كانت الدراهم من الفضة، فمن ملك مائتي درهم من الفضة بلغ هذا نصاباً بصرف النظر عن قيمتها، وأما في عهدنا فلا يتأتى رأي ابن تيمية؛ لأن الريالات اليوم ليست من الفضة كما كانت في عهده، ولا مضمونة منها، والله أعلم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.