الرئيسة الفتاوى1422 هـرمضان وفرصة الإقبال على الطاعات والتزود منها وصقل النفس وتربيتها

رمضان وفرصة الإقبال على الطاعات والتزود منها وصقل النفس وتربيتها

التاريخ: الثلاثاء 19/ رمضان/ 1422 الموافق 04/ ديسمبر/ 2001م.

السؤال :

ما أهم الأمور المعينة على الاستفادة من هذا الشهر الفضيل؟ وكيف يمكن التغلب على مشكلة سهر الليل كله ونوم النهار، والتي توجد عند كثير من الشباب إلا من رحم الله، والله يحفظكم ويرعاكم؟

الجواب :

شهر رمضان فرصة مباركة للتزود من الطاعة وتربية النفس وتصفيتها، يعين على ذلك الجو الرمضاني الذي يصبغ الحياة الإسلامية في هذا الزمن الفضيل، وما ورد من تصفيد الشياطين ومردة الجن.
ولذا على المرء أن يري الله تعالى من نفسه خيراً، بالإقبال على قراءة القرآن وتدبره والوقوف عند آياته وعبره .
آياته كلما طال المدى جدد                        يزينهن جمال العتق والقدم
هو الكتاب الذي من قام يقرؤه            كأنما خاطب الرحمن بالكلم
و القرآن شفاء لما في الصدر من أمراض الشبهات والشهوات، وهو ترياق مجرب، ومن لم ينفع معه ترياق القرآن فلا أمل فيه: (( تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ ))[الجاثية:6] .
وقد كان جبريل يعارض النبي صلى الله عليه وسلم كل رمضان بالقرآن.
وهكذا الحرص على حفظ الصيام من العوارض التي تفسده أو تضعف أثره، ومما يناسب الصوم ترك الفضول كلها، فضول الأكل والشرب، وفضول الكلام، وفضول الصحبة؛ ولذا شرع مع الصيام الاعتكاف الذي يقبض النفس عن التمادي في شئون الدنيا، حتى ولو كانت في دائرة المباح، والاعتكاف لا يلزم له الصيام، لكن مشروعيته في رمضان آكد من غيرها، وإلا فقد اعتكف النبي صلى الله عليه وسلم في شوال، ولا دليل على اشتراط الصوم فيه.
ومما يلائم مقام الصوم كثرة الصدقة: ( وكان النبي صلى الله عليه وسلم أجود ما يكون في رمضان، فهو أجود بالخير من الريح المرسلة ).
ومثلها الأخلاق الفاضلة، فهي لزيز الصوم وقرينه، وبعض الناس يشتد خلقه مع الجوع، ويغلظ في القول، وقد يحرج نفسه والآخرين بما لا جدوى منه.
و الصوم يسمى: الصبر؛ ولذا قال تعالى: (( وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ ))[البقرة:45]، قال بعض المفسرين: (الصبر: الصوم) أي: استعينوا بالصوم والصلاة ، ويسمى رمضان شهر الصبر، والصبر جزاؤه الجنة، (( إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ))[الزمر:10].
و لا عيش هنيئاً إلا بالصبر، إنما تطيب الحياة وتحلو بمعايشة الصبر والتدريب عليه وتجرع مراراته أولاً؛ لتتحول الحياة بعده بمصاعبها ومصائبها ومعوقاتها إلى جنة وارفة الظلال .
لقد تحول الصوم عند بعض المسلمين إلى عادة مجردة خالية من الروح، أو إلى عناء موقوت منتظر الانقشاع، أو إلى لذات في المطاعم والمشارب، أو سهرات حول مسلسلات ذات خصوصية عكسية، تنتقيها بعض القنوات الفضائية وتتنافس في تقديم المزيد من العري والإثارة الجسدية للعيون الجائعة المنهومة، والقرآن والحديث مؤذن بأن الصوم سبب لتهذيب النفوس، وتحقيق الانضباطية للمسلم، وأن ( من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه ).
ولذا كان بعض الظرفاء يقول: تأكلون الأرطال، وتشربون الأسطال، وتزعمون أنكم أبطال.
إن المسلمين لفي مسيس الحاجة إلى أن ينفضوا عن عباداتهم الغبار، وأن يحولوها إلى مدرسة للتهذيب والإصلاح، ومحضن للتربية على الفضائل الفردية والجماعية.
إن رمضان أشبه بمركز التفتيش الذي يكشف عن المخبئات، ويجعل المرء في مواجهة عيوبه وأخطائه، ويحدث تأنياً في السير، ويفصل أجراس مرحلتيه عن الأخرى.
فاللهم ردنا إليك رداً جميلاً، وامنحنا من الصدق والصبر والإخلاص في عباداتنا ما يحقق لنا معنى القرب.
وفقكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.