الرئيسة الفتاوى1422 هـوصايا وضوابط الهم الدعوي

وصايا وضوابط الهم الدعوي

التاريخ: الجمعة 01/ رمضان/ 1422 الموافق 16/ نوفمبر/ 2001م.

السؤال :

أنا شاب نشأ محاولاً جهده أن يقدم شيئاً لدينه، وجد أن الخرق اتسع على الراقع، وجد أن الدعوة لا تنال إلا فضول أوقات الناس، وجد أجيالاً لا تجد من يبلغها ما أنزل ربها، نعم، كنت في الثانوية لدي من الطاقة والطموح ما يكفي لأن أكون الأول في كل المجالات في الدراسة وعلوم الكمبيوتر والعلاقات الاجتماعية، بل حتى الكرة والشطرنج لا أقبل أن يفوقني أحد، عندما تفتحت عيناي على هذا الدين على حقيقته، وعندما فهمت طبيعة هذا الدين عندها تحولت حياتي، وهكذا تحولت كل تلك الطاقات إلى جهة واحدة وغاية سامية، مضيت أبلغ هذا الدين بكل وسيلة بلساني ومالي ووقتي وجهدي وبالشريط والكتاب، وفي كل مكان في المسجد والشارع.
شيخي العزيز! ما رأيك هل أثخنتني الغربة وطول الطريق فبدأت أتلمس الحجج الشرعية لمنهج أسهل وطريق أيسر؟ نعم، إن استبدال هذا النهج بالنهج الدعوي يلقي عن كاهلي حملاً ثقيلاً جداً، يصبح للدنيا مكان بعد أن لم يكن لها، شيخي! هل أنا كالذي أصابته مصيبة فانقلب على عقبيه، كالذي يخشى الناس كخشية الله، كالذي يعبد الله على حرف، كالتي نقضت غزلها؟ هل هذا تغيير شرعي أم خيانة تتنكر بذلك الزي كل قلمي، وأنا هنا أسير غربتي ووحشتي ووحدتي؟

الجواب :

أمدك الله بطاعته، وتثبيته، وما تذكره من الهم الذي ينتابك كثيراً نحسبه إن شاء الله من الهم في سبيله، وهذا مما يرفع الدرجات لكن هنا بعض الوصايا:
1- ينبغي ألا يتحول هذا الهم إلى حزن مقعد، ويأس مصاحب، وحرج في القول والعمل يوقع في الإفراط، أو شدة لا تقرها الشريعة في الإصلاح والدعوة، فإن بعض من يأخذه هذا المعنى الفاضل في أصله لا يزال يستجمعه ولا يرى إلا هو صدقاً مع الله، وإخلاصاً للدين، ويغفل عن الصبر على أقدار الله، والصبر في سبيله، والصبر على دعوة الناس، فإنك تدرك أن هذه الأمة ابتليت في هذا العصر بفتن لم تكن فيها من قبل ، وهذا خبره صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح عن عبد الله بن عمرو في سياق طويل: ( وإن أمتكم هذه جعل عافيتها في أولها، وسيصيب آخرها بلاء وأمور تنكرونها )، وقد ذم الله الحزن المقعد ونهى عنه نبيه فقال: (( وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ ))[النحل:127]، (( وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ))[آل عمران:139]، وأحسن الظن بالله، وبالأمة.
2- مع أن هذا المعنى لديكم معنى فاضل، وهو إن شاء الله أمارة تقوى، إلا أنك تدري أن الأمة لن يصلحها مثل هذا الشعور، وإن كان الداعية بل كل مسلم بحاجة إلى قدر مناسب منه يوقظ القلب، ويبعث على بذل الذات في سبيل الله: (( قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ))[الأنعام:162]، بل ينبغي أن يكون داعياً إلى نشر العلم والتربية والدعوة، وقبل ذلك إصلاح النفس وتزكيتها بالعلم والعمل، والأخلاق الفاضلة، ويجب أن نتجاوز مرحلة المشاعر إلى العمل.
3- إن المسلم ولا سيما من يعيش هم الإسلام وأهله لا بد له من حسن الإدراك، والفقه لواقع الأمة، إن هذه الأمة وإن قيل: إنها ابتليت بمشاريع التغييب والتي استعملها أعداؤها، لكن ندرك أنها خير أمة أخرجت للناس، وفيها عناصر الخيرية والفضيلة، وقابلية التحويل إلى السيادة، وصياغة مشروعها العلمي والأخلاقي والاجتماعي، والانعتاق من تسلط أعدائها، لكن هذا يستدعي صبر دعاة الإسلام، وإحسانهم الظن بأن الأمة مهيئة للإصلاح، لكنها أمة غفل كثير من أهلها عنها.
إن امتداد الولاء بين المسلمين لمثل حدث المسجد الأقصى و فلسطين يؤكد أن أهل الإسلام فيهم خير كثير، واستعداد للتحول إلى الأخلاق والصياغة الإسلامية الشرعية.
4- ما تذكره من انصبابك إلى الجهاد أصله فاضل، فـ الجهاد ذروة سنام الإسلام وسؤدد الأمة، ويفترض أن تربى الأمة على الجهاد وعلى الإيمان بالجهاد، وعلى الفقه بالجهاد، وعلى حكمة الشريعة في الجهاد، لكن تعلم أن قصر الدعوة في الإصلاح على باب واحد هو باب الجهاد ليس منهجا تاماً، والرسل استعملوا غير باب، وسيدهم محمد صلى الله عليه وسلم بقي بـمكة ثلاث عشرة سنة لم يحمل سيفاً، مع أنه إمام المجاهدين، لقد كان يجاهد النفوس ليعود بها إلى فطرتها وفضيلتها، ويجاهد العقول لتسمع الوحي الذي، نزل مخاطباً العقل البشري خطاباً يمثل الأنموذج الأسمى في الصياغة العقلية في أمثال القرآن المضروبة، وأمثال الرسول صلى الله عليه وسلم .
إن الإسلام جاء بقبول الجزية، وصحة العهد عند اجتماع شروطه.. وأمثال ذلك ليس تعطيلاً للجهاد، لكن التحويل للواقع يوجب هذا التنوع . إن الإسلام يوم قبل الجزية من أهل الكتاب لم يكن المقصود فيه المحافظة على بقاء دين محرف، بل ثمة مقاصد شرعية ليس هذا محلها .
المستفاد هنا أنك ينبغي أن تكون ذا تنوع في العمل، والجهاد له حقه وأبواب الإسلام كثيرة.
5- إنني لا أرى لك أن تلجم جماح العقل الرشيد، والفكر الناضج بلجام المألوف، والمألوف فحسب؛ لأن مما تعبدنا الله به في الجهاد وفي الدعوة، بل وفي أمر الحياة الدنيا أن نفكر في الأسباب والعواقب، وأن ندرس الإحقاق، ونتعلم منه، وهكذا جاء البيان في سورة آل عمران، فكون العمل -أي عمل- مشروعاً في الأصل، لا يعني بالضرورة أن كل صورة من صوره مشروعة بزمانها ومكانها وظروفها وشخوصها.
لقد أحل الله البيع، ولكن كم من تاجر مخلص يخفق لسبب أو لآخر، وشرع الله لنا الزواج، وكم من زواج تكون عاقبته الفراق والطلاق، وأوجب الله علينا الدعوة، ورب داع لم يوفق في الأسلوب المناسب، فكان ما يفسد أكثر مما يصلح، وليس هذا معياراً إلا على ضرورة المراجعة الدائمة والتصحيح، وهذا ما لا يدركه إلا أصحاب العلم الشرعي المعتدل، وأصحاب العقول الراجحة.
وليست القلة أوالغربة، ولا حتى مزيد التضحية فيما يبدو للناس علامة على الأحقية بالصواب، ولو أردنا أن نستدعي مثلاً تاريخياً لكان أقرب مثل هو الخوارج، فهم أكثر الناس تضحية وشجاعة وتسارعاً إلى الموت، ولكنهم أبعد الناس عن الهدى، وأولاهم بالضلالة، ولم يرد في السنة في شأن طائفة من الطوائف ما ورد في شأنهم، نسأل الله العافية.
وقد قامت في غير بلد حركات تنتمي إلى الجهاد في سبيل الله، ثم داخلها غلو أو هوى أو تسرع أو طيش، فكان عاقبة أمرها خسراً، ولم تحقق النتائج التي كان المخلصون يرجونها من وراء جهادها، وتحول الجهاد إلى تطاحن بين الفرقاء، ونزيف دمار للأمة وشبابها، والله المستعان.
ويبقى أن راية الجهاد ستظل مرفوعةً كما أخبر الصادق المصدوق، لكن مع رايات أخرى البشارة بشأنها آكد، كراية الدعوة والعلم والإصلاح، وهي رايات تتظافر ولا تتنافر، ويكمل بعضها بعضاً، ونحن نرى اليوم في الشيشان مثلاً للجهاد الصابر، الذي هو محط الأنظار، ونرى في كل بلد إسلامي راية للدعوة والعلم والخير والإصلاح، يرجى أن تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها.
ربما يكون اللقاء المباشر معك سبباً لخير، ووسيلة لمزيد من التوضيح حول ما لم يأت عليه الإيضاح في رسالتك.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.