الرئيسة الفتاوى1421 هـحكم رفع دعوى قضائية ضد من يتطاول على غيره ويسخر من التزامه بالدين

حكم رفع دعوى قضائية ضد من يتطاول على غيره ويسخر من التزامه بالدين

التاريخ: الأحد 02/ شعبان/ 1421الموافق 29/ أكتوبر/ 2000م.

السؤال :

أنا طبيب بإحدى المستشفيات، ورئيس القسم دائم التحرش بي؛ لأنني مستقيم، وهو لا يحب المستقيمين والملتحين، وقد صرح بذلك أمام الإخوة، وقال: لا أصلي، ولكن أحسن من ناس ملتحين كثير! هذا وقد تم تعيينه نائباً لمدير المستشفى الذي أعمل به، وزادت صلاحياته وجبروته، واستغل ذلك للكيد وإلحاق الأذى بي وبزميل لي بنفس القسم لوقوفنا في وجهه، وإحباط استغلاله السيئ للمرضى، ولإمكانيات القسم في عملياته الخاصة، وفضح كيده ومكره أمام أطباء المستشفى والعاملين بها، ونتيجة لذلك فقد تطاول علينا بالقول أمام المرضى والعاملين والأطباء، فشكوناه إلى النيابة الإدارية، وتم إدانته من جهتها وتوقيع الجزاء عليه مرتين بالتنبيه؛ وذلك لشغله مكانة علمية إذ أنه حاصل على الدكتوراه، والجزاء بالنسبة للحاصلين على ذلك لا يتعدى اللوم، أو التنبيه، أو الإيقاف عن العمل.
والسؤال: هل يحق لنا شرعاً رفع دعوى قضائية عليه، بعد ثبوت إدانته من جهة النيابة الإدارية، والحصول على تعويض مالي لما سببه لي من حرج بالغ بتطاوله علي أمام المرضى والأطباء، مما حط من شأني أمامهم، خاصة وأنه دائم التهكم والسخرية من المستقيمين، وقد ساق الله لنا هذا الجزاء حتى يكون فيه من الخزي والتأديب له ما يجعله يقلع ويتخلى عن صلفه وغروره وغطرسته، التي يشهد له بها الجميع، ولكنه لم يزدجر بذلك، ولا زال يقوم برفع صوته علينا أمام المرضى، ويحيك لنا من الدسائس والمكائد لإلحاق الضرر بنا، مما دفعنا إلى التفكير في إقامة مثل هذه الدعوى لطلب تعويض عن هذه الإهانات المتكررة في حقنا، لعل أن تكون هذه الخسارة المادية بمثابة رادع له، إذ إن هناك فئة من البشر لا ترتدع إلا بالخسارة المادية، أفتونا في جواز ذلك لنا مأجورين، وجزاكم الله خيراً؟

الجواب :

بالنظر إلى ما ورد في السؤال، فإنه يبدو أن الطبيب المذكور قد ألحق شيئاً من الأذى، أو الضرر النفسي والمعنوي بالأطباء الذين سبهم أو حط من قدرهم، وهذا يمكن تعويضه، أو تعويض شيء منه من مال الجاني عن طريق القضاء، خصوصاً وأنه يمكن أن يلحقهم ضرر مادي من جراء ما حدث، كأن يؤثر في سمعتهم الطيبة، أو سجلهم الوظيفي.
فلا أرى مانعاً أن يتقدم المتضررون بشكوى قضائية ضده، وهذا قد يردعه عن تكرار مثل تلك الأساليب، وقد يمنع غيره من الإقدام عليها.
ولكنني أنصح الإخوة بالصبر واحتمال الأذى في سبيل الله، والعفو والصفح؛ لقوله تعالى: (( فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ))[الشورى:40].
وقوله: (( وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ))[البقرة:237].. الآية.
وقوله: (( وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ ))[الشورى:43] في آيات كثيرة.
فالأحسن لهم أن يصبروا عليه، ويحسنوا إليه، ويقابلوا إساءته بالإحسان، ومنكره بالمعروف، وخطأه بالعفو، ويطيلوا معه النفس، ويحرصوا على أن يؤدوا عملهم على أكمل وجه، فلا يكون له عليهم مدخل ولا مغمز، فربما كان ذلك سبباً في أن يراجع نفسه، ويعود إلى رشده، وقد يشعر بتأنيب الضمير تجاه هذه الأساليب الرديئة التي انتهجها.
وأنبه الإخوة إلى التحرز في استخدام كلمة (ملتزم)، فإنها تعني التزكية، فهل يجدر بالمرء أن يقول: أنا رجل صالح؟ قد يقول: أنا ملتحٍ.. مثلاً، أو مقصر الثوب؛ لأن هذا حكاية حال واقع، لكن الالتزام أبعد من ذلك، فهو عقيدة في القلب، وخلق وسلوك، وأداء للعمل على خير وجه، وتعبد لله تعالى، ومظهر ومخبر، ومجموع هذه الأشياء مما لا يحسن أن يزكي الإنسان به نفسه، ولكن يقول: أرجو، وأسأل الله المغفرة والمسامحة .