الرئيسة الفتاوى1423 هـزكاة الدين

زكاة الدين

رقم السؤال: (16306).
التاريخ: الإثنين 17 / ذو القعدة / 1423الموافق 20 / يناير / 2003م

السؤال :

فضيلة الشيخ سلمان بن فهد العودة حفظه الله.
إذا كان للرجل دين على رجل آخر، فهل يزكي هذا المال أم لا؟

الجواب :

اختلف العلماء في زكاة الديون على أقوال، هذه خلاصتها:
1- قيل: تجب الزكاة في الدين مطلقاً، سواء كان على مليء أو معسر، حالاً أو مؤجلاً، على مقر بالدين أو جاحد له، ويزكيه إذا قبضه لما مضى من السنين.
وهذا قول الثوري و أبي عبيد ، وهو المشهور عند متأخري الحنابلة. انظر الكشاف (2/173)، والإنصاف (3/18) والمغني .. وغيرها..
ومن حجتهم ما صح عن علي رضي الله عنه في الدين المظنون، قال: [ إن كان صادقاً فليزكه إذا قبضه لما مضى ]، والأثر عنه رواه أحمد بسنده، كما في مسائل عبد الله ابنه (2/532) قال: حدثنا يحيى بن سعيد قال: أخبرنا هشام عن محمد عن عبيدة السلماني عن علي رضي الله عنه، وهذا إسناد صحيح، ورواه عبد الرزاق (7116) عن هشام بن حسان به بلفظ مقارب ، وأصحاب هذا القول يرون أن وجوب الزكاة يعتمد على الملك دون اليد، بدليل أن ابن السبيل تجب الزكاة في ماله، وإن كانت يده فائتة عنه، ومثله وجوب الزكاة في الوديعة.
2- وقيل: لا تجب الزكاة في الدين مطلقاً، وهو رأي ابن حزم كما في المحلى (مسألة 696)، وهو رواية عن الإمام أحمد كما في الإنصاف (3/18) وهذا القول في مقابل القول الأول.
ويرى أصحاب هذا القول أن الدين يجب في الذمة، ولعل الذهب أو الفضة، اللذين له عنده في المعدن بعد، ولعل المواشي التي عنده لم تخلق بعد، فكيف تلزمه زكاة ما هذه صفته؟ فالزكاة تجب في عين المال: (( خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً ))[التوبة:103]، ولذلك وجبت الزكاة في مال الصبي والمجنون، لأنها واجبة في عين المال، والدين إنما يجب في الذمة، وما وجب في الذمة لا تجب فيه الزكاة.
3- وقيل يزكيه إذا قبضه لسنة واحدة، وهذا مذهب مالك كما في الموطأ (1/253) قال: الأمر الذي لا اختلاف فيه عندنا في الدين أن صاحبه لا يزكيه حتى يقبضه، وإن أقام عند الذي هو عليه سنين ذوات عدد، ثم قبضه صاحبه لم تجب عليه إلا زكاة واحدة.. إلى آخره.
ونظرة الإمام مالك رحمه الله تعالى في العروض -عروض التجارة-، تكون عند الرجل أعواماً ثم يبيعها فليس عليه في أثمانها إلا زكاة واحدة. وجاء في المدونة (1/ 315) قال أشهب عن القاسم بن محمد عن عبد الله بن دينار حدثه عن عبد الله بن عمر أنه قال: [ ليس في الدين زكاة حتى يقبضه، فإذا قبضه فإنما فيه زكاة واحدة لما مضى من السنين ].
ثم ساق أشهب بسنده إلى سعيد بن المسيب : [ أنه سئل عن زكاة الدين، فقال: ليس فيه زكاة حتى يقبض، فإذا قبض، فإنما فيه زكاة واحدة لما مضى من السنين ].
وهكذا روي عن عطاء بن أبي رباح أنه قال: [ ليس في الدين زكاة، وإن كان في ملاء حتى يقبضه من صاحبه ]. وعن عطاء أنه قال: [ ليس في الدين إذا لم يأخذه عن صاحبه زماناً، ثم أخذه أن يزكيه إلا مرة واحدة ].
ومثله الحسن البصري. وهذا يدل على أن هذا القول مشهور عند السلف، كما ترى من ثبوته عن ابن عمر رضي الله عنه وغيره. ولعلهم اعتبروه بالثمرة، تجب زكاتها عند تحصيلها مرة واحدة.
3- وقيل: إن كان الدين على مليء وجبت فيه الزكاة، وإن كان على معسر أو جاحد لم تجب فيه حتى يقبضه، ثم: هل يزكيه لسنة واحدة، أو لما مضى؟
وفي المسألة أقوال أخرى وتفصيلات؛ وسبب الخلاف في المسألة يعود إلى عدم وجود نصوص مرفوعة في المسألة من جهة، ويعود من جهة أخرى إلى النظر في سبب الوجوب، هل هو مجرد التملك، أو لا بد أن يكون مملوكاً له ويده عليه؟
وكل هذه الأقوال المذكورة وغيرها مما ذهب إليه أهل العلم، كـالشافعي و أبي حنيفة فهي أقوال مبنية على نظر واجتهاد، ولا تثريب على من رجح منها شيئاً، أو أخذ به عن تحر والتماس للصواب.
والذي أميل إليه منها ما ذهب إليه الإمام مالك، من أنه لا تجب عليه زكاة الدين حتى يقبضه فيزكيه لسنة واحدة، إن كان حال عليه الحول؛ وذلك لما ورد من النصوص المتعددة عن السلف في هذا القول، ومنها ما سبق حكايته من النقل عن ابن عمر، وسعيد بن المسيب، والحسن البصري، وعطاء .. وغيرهم.
ولأنه قول متوسط بين من يمنع الزكاة الدين مطلقاً، ومن يوجبها مطلقاً، ولأنه يراعى حظ الفقير من جهة، وحظ صاحب المال من جهة أخرى.
ولسلامته من التفصيلات التي لا تطرد ولا دليل عليها، مثل تقسيم الدين إلى دين قوي ومتوسط وضعيف، كما هو مذهب الإمام أبي حنيفة، وحتى التقسيم إلى مليء وغير مليء لا ينضبط، وقول علي رضي الله عنه قد يدل ظاهره على أنه يزكيه إذا قبضه عما مضى.
ومثل ذلك التقسيم إلى مؤجل وغير مؤجل، والمسألة اجتهادية كما سبق.
نسأل الله أن يلهمنا الرشد، ويعصمنا وإياكم من الزلل، والحمد لله رب العالمين.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.