الرئيسة الفتاوى1429 هـحكم العمل بالحساب في ثبوت شهر رمضان

حكم العمل بالحساب في ثبوت شهر رمضان

رقم السؤال: (166339).
التاريخ: الأحد 30 / شعبان / 1429الموافق 31 / أغسطس / 2008م

السؤال :

هل يفهم من قوله صلى الله عليه وسلم: ( صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته )، وقوله: ( إننا أمة أمية، لا نقرأ ولا نكتب، الشهر هكذا وهكذا ) يعني: تسعة وعشرين أو ثلاثين، عدم العمل بالحساب في ثبوت الشهر، مع أن الله تعالى يقول: (( الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ ))[الرحمن:5]؟

الجواب :

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فقد صح من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غم عليكم فاقدروا له ) ولـمسلم: ( فإن أغمى عليكم فاقدروا له ثلاثين ) و للبخاري: ( فأكملوا العدة ثلاثين ).
ففي هذا الحديث اعتبار الرؤية في الهلال، والحديث ذكر فيه ثلاث وسائل تقدير: الوسيلة الأولى: هي الرؤية ( صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته ).
والوسيلة الثانية: هي إكمال شعبان ثلاثين يوماً.
والوسيلة الثالثة: هي التقدير على اختلاف فيه، هل هو التضييق كما يقول الحنابلة، أو هو الإكمال وحساب ثلاثين كما يقول الجمهور، أو هو التقدير بمعنى استخدام الحساب وعلم الحساب والتسيير لمعرفة منازل القمر.
والخلاف في هذه المسألة:
أولاً: الجمهور والمشهور عند الأئمة الأربعة يرون أنه لا يؤخذ إلا بالرؤية، أو بالإكمال إكمال الشهر ثلاثين أو تسعة وعشرين، على حسب الخلاف بين الحنابلة وبين الجمهور.
استدلوا أولاً: بالأحاديث: ( صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته ) . فقالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم علق الحكم بالرؤية.
واستدلوا أيضاً بحديث ابن عمر رضي الله عنهما المتقدم.
واستدلوا بالآية الكريمة وهي قوله تعالى: (( فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ ))[البقرة:185]، وكأن (شهد) هنا معناها: شاهد أو رأى من الشهود أو من المشاهدة، وإن كان هذا الاستدلال فيه ما فيه؛ لأن المتبادر من لفظ ((فَمَنْ شَهِدَ)) يعني: حضر أو أدرك الشهر، حتى لو لم يشهده بنفسه، وإنما شهده غيره أو شاهده غيره؛ لأن مقابل: ((فَمَنْ شَهِدَ)) (( وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ ))[البقرة:185].
ومما يستدل به أيضاً لمذهب الجمهور في اعتبار الرؤية وعدم اعتبار الحساب أو علم التسيير: حديث ابن عمر رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( إنا أمة أمية، لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا ) يعني: مرة تسعة وعشرين ومرة ثلاثين .
هذا هو القول الأول، وهذه هي أدلته، وقد ذكرت أنه المشهور عن الأئمة الأربعة.
القول الثاني في المسألة:
هو جواز الأخذ بالحساب إذا قامت حجتهم، وما يقول به علماء الفلك العارفون به.
وهذا القول منسوب إلى مطرف بن عبد الله من كبار أئمة التابعين، وهو أيضاً قول ابن قتيبة، وهو قول أبي العباس بن سريج وهو من كبار أئمة الشافعية، حتى إنهم يقدمونه على المزني في سعة معرفته بالمذهب، وله في ذلك تصنيف وكلام نسب فيه هذا القول إلى الإمام الشافعي، ونقل في ذلك نصاً، وإن كان المخالفون له وهموه في ذلك بنصوص أخرى للشافعي.
وكذلك قاله القشيري والعبادي، وذكره أبو خطاب من المالكية في مواهب الجليل، ونسبه إلى جماعة، منهم: مطرف بن عبد الله، وأخذ بهذا القول جمع كبير من العلماء المعاصرين، مثل الشيخ يوسف القرضاوي، والشيخ مصطفى الزرقاء، والشيخ أحمد محمد شاكر الإمام المحدث، وله كتاب اسمه أوائل الشهور القمرية، نصر فيه هذا القول نصراً عزيزاً قوياً، وكذلك بعض طلبة العلم اختاروا هذا القول وصنفوا فيه.
وحجتهم في ذلك: أولاً: قوله صلى الله عليه وسلم: ( فاقدروا له ) قالوا: يؤخذ منه أن المقصود التقدير، وليس إكمال الثلاثين ولا التضييق على الشهر، وإنما فسروه على أن المقصود هو حساب القمر ومنازل القمر.
ثانياً: قالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم علل في حديث ابن عمر رضي الله عنهما بقوله: ( إنا أمة أمية ) فعلل الموضوع بعدم المعرفة وعدم الحساب، ( لا نكتب ولا نحسب ) فإذا وجد الحساب وعرف وعلم، فقد زالت العلة التي ربط بها الحكم، وبناءً عليه إذا وجدت المعرفة الصحيحة الحقيقية جاز الأخذ بها، وليس الحديث داعياً إلى عدم المعرفة بالحساب، بدليل أن قوله صلى الله عليه وسلم: ( لا نكتب ) ليس دعوة إلى عدم الكتابة، وإنما الأمر بالكتابة كتابة السنة وكتابة القرآن مطلوب شرعاً بالاتفاق، فقوله: ( لا نكتب ولا نحسب ) ليس حتماً لازماً، وإنما ما داموا لا يكتبون ولا يحسبون، فالأمر بالنسبة لهم هكذا، أما إذا أصبح هناك معرفة بالحساب فيجوز عندهم الأخذ به.
ثالثاً: قالوا: إن هذه الأمور كلها هي وسائل وليست غايات، الغاية هي معرفة دخول الشهر، والاطمئنان إلى أن الناس لم يصوموا يوماً من شعبان، ولم يفوتوا يوماً من رمضان، هذه هي الغاية، أما الوسيلة فقد تكون الرؤية، وقد تكون إكمال شعبان ثلاثين يوماً، وقد تكون بالوسائل العلمية الدقيقة إذا تأكد الناس منها.
رابعاً: قالوا: إن الحساب يعتمد في عبادة أعظم من الصوم وهي الصلاة، مع أن الصلاة ربطت بأوقات في الشمس مثلاً بعد الزوال، قبل الزوال، اصفرار الشمس.. إلى غير ذلك، أن يكون ظل الشيء مثله أو مثليه، وهذه الأشياء أصبح الناس يعتمدون فيها على حسابات معينة معروفة كما ذكر.
خامساً: قالوا: إن رفض الأئمة المتقدمين للحساب؛ لأن ذلك العلم كان علماً يعتمد على التخمين، وعلى الحدس، وليس على الضبط والدقة، كما هو في علم الفلك المعاصر، بل قال بعضهم: إن كثيراً من المتقدمين كانوا يخلطون بين علم الفلك الحقيقي، وبين التنجيم الذي هو نوع من الشعوذة، والكلام عن تأثير الكواكب والأفلاك في الكون، وبعضهم ساق حديث: ( من اقتبس شعبة من النجوم، فقد اقتبس شعبة من السحر، زاد ما زاد ) .
وهذا الكلام تجده في كلام ابن حجر رحمه الله، وفي كلام ابن بطال، بل وفي كلام ابن تيمية رحمه الله، وهو من أكثر من تكلم في هذا الموضوع وشدد فيه جداً، وأغلظ في هذا الباب، ولكن لا تستغرب إذا عرفت أنه في ذلك العصر كان علم الحساب مرتبطاً بالحدس والتخمين، والظن ليس قائماً على أسس صحيحة، وكان مرتبطاً بالتنجيم واعتقاد تأثير الكواكب والأفلاك.
وما الراجح في هذه المسألة، هل نعتمد الرؤيا أو نعتمد الحساب؟
المقصود: هو محاولة الوصول إلى ما يحبه الله ويرضاه، وما هو أليق بالنص الشرعي وأحفظ له، وأنفع للمسلمين في دينهم ودنياهم، فعندي مجموعة من الملاحظات لأنني قرأت بحوث العلماء المتقدمين، بحث ابن تيمية رحمه الله في الفتاوى مطولاً، بحث الشيخ بكر أبو زيد أيضاً في هذا الباب، بحث عدد من العلماء هنا في المملكة، بحث العلماء الذين يجيزون مثل الشيخ مصطفى الزرقا، الدكتور عبد الوهاب الجسيمان، الشيخ يوسف القرضاوي، أحمد شاكر، بحوث الفلكيين أيضاً، والفلكيون أنفسهم منقسمون، منهم من يؤيد هذا، ومنهم من يؤيد هذا، فهناك مجموع ملاحظات؛ لأنه ليس المقصود من بحث هذه المسائل أن ننقسم إلى فريقين: واحد يؤيد، وواحد يعارض، ثم ندير معركة وحواراً وجدلاً، وأحياناً صراعاً بيننا، وإنما المقصود الوصول إلى ما هو أرضى لله وأنفع لعباده.
أولاً: هذه مسألة اجتهادية ما دام الأمر فيها لا يتعلق بموضوع التنجيم أو التخمين، وإنما يتعلق بالكلام عن علم له أصوله وضوابطه، فهي مسألة اجتهادية لا ينبغي أن يتحول الأمر فيها إلى معاندة، أو تباعد، أو تباغض، أو سوء ظن، أو أن نحولها إلى أداة للتصنيف والاصطفاف والتفرقة.
ثانياً: جمهور السلف على اعتماد الرؤية، وهذا الذي تجده في غالب الكتب والمصنفات، في الحديث والتفسير والفقه.. وغيرها.
ثالثاً: مما لا ينكر أن العلوم العصرية في القرن الأخير طرأ عليها تغير هائل، وفتوح مذهلة، وكشوف لم يكن الناس يحلمون بها ولا يدركونها، ولعل الكثير منا نحن طلبة العلم الشرعي، لم يستطيعوا أن يستوعبوا هذه المتغيرات، ولا أن يدركوها، ولا أن يعرفوا كيف يوظفونها، فمثلاً: علم الفلك من العلوم التي تطورت، القمر نفسه صعد الناس إليه، وركبوا على ظهره، والصور رآها الأطفال والكبار والصغار، وكذلك ما أطلقه العلماء من الأقمار في الفضاء، والتي تجول في الفضاء وتضربه شرقاً وغرباً، ويمكن أي قمر إذا تأخر من مداره أو أصبح فيه خلل يستدنى ويستدعى على سبيل العجل، ويتم إصلاحه وتغييره، وأصبح العلماء يرصدون بالمناظير والمراصد حركة الأفلاك بجزء من مائة ألف جزء من الثانية، فهناك تقدم مذهل وهائل في هذا العلم، ينبغي علينا أن نوظف هذا التقدم توظيفاً إيجابياً صحيحاً.
رابعاً: أن علماء الفلك مع هذا التقدم لا يزال بينهم اضطراب كبير، وأنا سمعت عدداً منهم، وقرأت بحوثاً لهم، ولمست الاختلاف الشائع بينهم، وأذكر أحد الأساتذة الدكتور أحمد الهوراي أحد رجالات العمل الإسلامي في ألمانيا، سمعته مرة في المجلس الأوروبي للإفتاء، وهو يتكلم عن هذه القضية بكلام في غاية المتانة والإتقان، وهو فيما يبدو لي متخصص في هذا الجانب، لكن يبدو أن علماء الفلك أنفسهم مضطربون، قد يقول الواحد منهم بأن الرؤية مستحيلة، ويقول آخر بأنها ممكنة، وقد يقول واحد بشيء، ويقول آخر بشيء آخر سواه؛ لأن تعقيد هذه المسألة يفضي إلى أن ينظر كل واحد منهم إلى زاوية معينة، فلا يزال ثمة اضطراب، حتى بين علماء الفلك، أو علماء الحساب أنفسهم فيها.
خامساً: أن الخطأ يقع في الحساب، والخطأ أيضاً يقع في الرؤية، وقد يقع أن يصوم الناس ثمانية وعشرين يوماً كما حصل في إحدى السنوات، أو يكون هناك إعلان للشهر، بينما يحكم الكثيرون بأن ذلك مستحيل.
إذاً: الخطأ يوجد في الحساب، ويوجد في الرؤية، الخطأ في الرؤية قد يكون بسبب اللبس، أنه يرى جرماً فيعتقد أنه الهلال، أو بسبب الكذب عند بعض الناس، الذي قد يكون عنده فساد في ضميره.
سادساً: أنه قد تصل الدراسات الفلكية والحسابية يوماً من الأيام إلى نتيجة معينة، يذعن لها الأكثرون، ولو أجمع علماء الحساب الإسلاميون على أمر واحد متفق عليه بينهم، أو على الأقل بين كبارهم في موضوع إثبات دخول الشهر، أو خروج الشهر، أظن أن الكثيرين يمكن أن يرجعوا إلى هذا القول، أو يأخذوا به، أما والاضطراب موجود فإن الإنسان حينئذ يقول: نحن مضطربون في الرؤية، مضطربون في الحساب أيضاً.
سابعاً: أنه قد يكون من الحلول العملية، لو أن الحكومات الإسلامية وهي تدري أن رمضان يتكرر كل سنة، ويتعلق به الصيام، ثم يتعلق به العيد، لو أنها أعطت هذا الموضوع مزيداً من الاهتمام، وألا يكون مفاجأة، كأننا فوجئنا برمضان هذه السنة جاء قبل وقته، فأن تكون هناك لجان متخصصة، هذه اللجان فيها شرعيون، فيها علماء فلك ثقات مأمونون، عندهم معرفة ودين، هذه اللجان أيضاً فيها مراصد فلكية، والمراصد يمكن أن تشاهد القمر، هي جزء من الرؤية، يعني: (التلسكوبات) أو المكبرات هي أقوى من العين بعشرات المرات، أو بمئات المرات، فإذا تبين أن المرصد لم ير الهلال، وقال إنسان بعينه المجردة أنه رآه، هنا يكون رأى جرماً آخر، أو التبس الأمر عليه، فأقصد هنا بالمراصد (التلسكوبات) أو المكبرات، التي يمكن أن توضع في أماكن عديدة، في عشرة مواقع أساسية، يمكن من خلالها رصد ولادة الهلال، أو عدم ولادته، وتدرس هذه اللجنة وتقرر بشكل واضح يرفع احتمال الخطأ، ولا أقول يرفع الخلاف؛ لأن الخلاف باق، لكن على الأقل يرفع أو يقلل احتمال الخطأ في إثبات الشهر دخولاً أو خروجاً.
ثامناً: أن بعض العلماء ذكروا قاعدة: وهي إمكانية الأخذ بالحساب في النفي لا في الإثبات، بمعنى: أنه إذا أثبت العلم الفلكي بشكل يقيني أنه لا يمكن ولادة الهلال، هنا لا نأخذ بالرؤية؛ لأنه يتبين أن الرائي قد أخطأ، أما الإثبات فلا نثبت الهلال بالحساب، وهذا قول وسط، وممن ذهب إليه الشيخ يوسف القرضاوي ومال إليه، والشيخ عبد الله بن منيع، وجماعة من أهل العلم مالوا إلى هذا القول.
تاسعاً: أنه فيما يتعلق بالحساب هناك أولاً: ولادة الهلال، أن يثبت أن الهلال ولد، هذا أولاً.
ثانياً: لابد أن تكون الولادة قبل غروب الشمس؛ لأن اليوم الإسلامي يبدأ بعد الغروب، فلابد أن تكون الولادة قبل غروب الشمس.
الشرط الثالث: أن تكون الرؤية ممكنة، وفي نظري أن هذا شرط جيد؛ لأن الله لم يتعبدنا بولادة الهلال، وإنما تعبدنا برؤيته، فإذا كانت الرؤية ممكنة للبشر فهذا قد يجمع بين الاعتماد على الحساب، وبين اعتماد الرؤية الواردة في الحديث.
عاشراً: أنه ينبغي أن نراعي عدم تفريق الناس، وجمعهم بقدر المستطاع، إذا كانت الدولة تأخذ بالحساب وأعلنوا الصيام، فيجب على شعبهم أن يصوموا؛ لئلا يتفرق الناس، بلد آخر يعتمد على الحساب بطريقة ثانية، بلد ثالث يعتمد على الرؤية.. نقول: ليس مطلوباً على الأقل أن يزيد الناس تفرقاً، فعلى الناس أن يتبعوا الجهة الرسمية الموجودة عندهم، يتبعوا إذا أعلنت دار الفتوى، أو مجلس القضاء الأعلى، أو جهة حكومية معتبرة في هذا البلد أو ذاك أعلنت أن غداً من رمضان، فعلى الناس أن يصوموا، إذا أعلنت أن غداً من العيد، فعلى الناس أن يعيدوا، وهكذا فيما يتعلق بالمراكز الإسلامية في الغرب في أوروبا و أمريكا و أستراليا .. وغيرها، ليس صحيحاً أن هذا المركز يتبع بلده، إن كان من المغرب أو من السعودية، ومركز آخر يتبعون مكة؛ لأنهم يقولون هي البلد الحرام ومركز العالم، ومركز ثالث يعتمد على الرؤية، ومركز رابع يعتمد على الحساب، وهم في مدينة واحدة أو حي واحد، حتى إنك تجد في المسجد الواحد هذا صائم وهذا مفطر، هذا خطأ ينبغي أن ينتهي، وعلى أقل تقدير دع الناس في البلد الواحد أو في المدينة الواحدة، أحياناً في الغرب يوحدون صومهم وفطرهم؛ لئلا نصبح مسخرة للعالم كما قيل: يا أمة ضحكت من جهلها الأمم، والله أعلم.