الرئيسة الفتاوى1425 هـحكم من فرط في الحج حتى مات

حكم من فرط في الحج حتى مات

رقم السؤال: (63103).
التاريخ: الأربعاء 10 / ذو القعدة / 1425الموافق 22 / ديسمبر / 2004م

السؤال :

ما حكم من فرط في الحج حتى مات؟ وماذا على ورثته تجاهه؟

الجواب :

الحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وبعد:
المفرط من كان واجداً ذا سعة صحيحاً قادراً وترك الحج حتى مات، فهذا يخرج من ماله بعد موته قدر حجة وعمرة، من المكان الذي وجب عليه الحج منه، يعني: من بلده، يخرج عنه حجة وعمرة؛ لأنه مفرط، وقد بقي الحج وبقيت العمرة ديناً في ذمته.
أما غير المفرط، مثل: المريض أو المحبوس أو الممنوع من السفر من الحج، أو من لا يستطيع سبيلاً؛ لأن الطريق مخوف، ولا يستطيع الذهاب إليه، لأن بينه وبينه مخاوف، أو من ضاق وقته عن الحج، ثم مات ولم يستطع، أو المرأة إذا لم تجد محرماً، فهؤلاء غير مفرطين، لذلك اختلف الأمر بين هذين الصنفين.
فمذهب الإمام أحمد أن المفرط وغير المفرط إذا لم يحج، فإنه يخرج عنه من تركته حج وعمرة.
واستدل هؤلاء بأحاديث وبأدلة: منها حديث بريدة رضي الله عنه في صحيح مسلم عن بريدة : ( أن امرأة أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: كنت تصدقت على أمي بوليدة، وإنها ماتت وتركت تلك الوليدة. قال: قد وجب أجرك، ورجعت إليك بالميراث، قالت: وإنها ماتت وعليها صوم شهر، أفيجزئ أو يقضى عنها أن أصوم عنها؟ قال: نعم. قالت: وإنها لم تحج أفيجزئ أو يقضى عنها أن أحج عنها؟ قال: نعم ).
والحديث في مسلم و أبي داود و أحمد .. وغيرهم، قضية نص عن الحج عن الأم، وهذا الحج حج فريضة. لا شك أن المقصود حجة الإسلام.
وهنا نلاحظ أنه يتعلق بحج النذر وهو واجب، وهو ليس واجباً بأصل الشرع
وهناك نص آخر عن ابن عباس رضي الله عنه وهو في صحيح البخاري (1852) عن ابن عباس رضي الله عنهما: ( أن امرأة من جهينة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إن أمي نذرت أن تحج، فلم تحج حتى ماتت، أفأحج عنها؟ قال: نعم. حجي عنها، أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيه؟ اقضوا الله، فالله أحق بالوفاء ).
فهذان الحديثان يدلان على أن الميت سواء كان مفرطاً أو غير مفرط، أنه يخرج عنه من تركته.
ولذلك قال ابن تيمية رحمه الله في شرح العمدة : وكذلك من وجب عليه ولم يفرط، إذا قلنا بوجوب الحج في ذمته، يكون هذا الحج ديناً عليه، يخرج من رأس ماله مقدماً على الوصايا والمواريث. وهذا مذهب الإمام أحمد كما ذكرت، والمساواة بين المفرط وغيره كما أسلفت هو مذهب الإمام أحمد ، وكذلك أيضاً مذهب الشافعي للأدلة السابقة.
ومن الأدلة السابقة أخذ هؤلاء العلماء عدة فوائد:
الفائدة الأولى: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر السائل بأن يحج حجة الإسلام عن والده، أو الحجة المنذورة كما في حديث الجهينية، وبين أن هذا يجزئ عنه، وهذا دليل على أن الحجة الواجبة بقيت في ذمته، وأن أداءها ينفعه كما هو جار، وأن الموت لم يسقطها .
الفائدة الثانية: أن الرسول صلى الله عليه وسلم بين أن هذا الحج الواجب، ومثله الصوم أيضاً أنه دين، ومن المعلوم أن الدين يجب أن يقضى عن الميت من تركته، إذا كان مالاً سماه ديناً، ولذلك قال: ( دين الله أحق بالوفاء ) فكما أنه يجب سداد الدين عن الميت المتوفى، كذلك يجب الحج عن الميت المتوفى، سواء كان مفرطاً أو غير مفرط .
الفائدة الثالثة: قول الرسول صلى الله عليه وسلم : ( فالله أحق بالوفاء ) هذا يحتمل معنيين نريد أن نعرفهما، ثم نعرف الأقوى منهما.
هل معنى الحديث أن حق الله ودين الله يقدم على دين المخلوقين في الأداء، أم لها معنى آخر؟
في الحديث احتمالان، وذكرهما أهل العلم:
الاحتمال الأول: أن المعنى كما ذكرت: ( اقضوا الله، فالله أحق بالوفاء ).
أن الدين الذي في ذمة الميت لله تعالى من حج أو غيره أو نذر، أنه أحق بالوفاء من ديون المخلوقين، بناء على هذا الفهم يقوم الدين الذي للناس أو الدين لله وهو الحج أو غيره، فيقدم الدين الذي لله.
الاحتمال الثاني: وهو عندي أقوى وأظهر أن يكون معنى الحديث والله تعالى أعلم: أنه كما أن ذمة الميت تبرأ إذا سدد الإنسان عنه دينه للمخلوقين، فالله تعالى أحق بقبول هذا السداد إذا جاء عن الميت، كما أن ذمة الميت تبرأ إذا سدد دينه لفلان وفلان، كذلك ذمة الميت تبرأ إذا سدد دينه الذي لله من حج أو زكاة أو غيرها.
وبناء على هذا الفهم الثاني نقول:
لسعة رحمة الله تعالى، كأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: كما أن المخلوقين يأخذون ديونهم، وتبرأ ذمم الأموات بذلك، فالله تعالى أولى وأعظم وأوسع رحمة من أنه يقبل من هؤلاء الحج، وإن كانوا أمواتاً ولم ينووا الحج، فيقبله منهم، وتبرأ منه ذممهم، وبناء عليه لا يكون الدين الذي لله مقدماً على الدين الذي للمخلوق، لماذا؟
لأن العلماء يقولون: حقوق الله مبناها على المسامحة، لكن حقوق المخلوقين مبناها على المشاحة.
ولذلك الحج يقدم على الوصية، ويقدم على الميراث، وهذا لا شك فيه، لكنه لا يقدم على ديون المخلوقين الآدميين.
إذاً: هذا المعنى الثاني وهو أجود كما ذكرت
.
الفائدة الرابعة: أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أمر السائل بأن يحج عمن سأل عنه، والأمر عند الأصوليين أو عند عامة الأصوليين يقتضي الوجوب، ما لم توجد قرينة تصرفه عن الوجوب، لذلك قالوا: بأنه يجب على من وراءه من ورثته أن يحجوا عنه .
القول الثاني في المسألة: وهو قول أبي حنيفة و مالك رحمهما الله تعالى فقالا: إن الحج يسقط عنه بالموت، ولا يقضى عنه شيء.
إذاً: المسألة فيها قولان: الأول: قول أحمد و الشافعي أنه يقضى عنه.
الثاني: قول أبي حنيفة و مالك أنه لا يقضى.
وهناك من العلماء من توسط كما ألمحت إليه، وقالوا: إن كان فرط قضي عنه من ماله، وإن كان لم يفرط لم يقض عنه؛ لأنه لم يقع منه تقصير، مثل: ما لو كان محبوساً أو مريضاً لم يستطع الحج.
كتبه: سلمان بن فهد العودة