الرئيسة الفتاوى1425 هـحكم الجماع للمحرم في الحج

حكم الجماع للمحرم في الحج

رقم السؤال: (63066).
التاريخ: الأربعاء 10 / ذو القعدة / 1425الموافق 22 / ديسمبر / 2004م.

السؤال :

ما حكم من جامع وهو محرم؟

الجواب :

الحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وبعد:
الجماع من المحظورات بإجماع العلماء واتفاقهم، بل اتفق العلماء وأجمعوا على أن الجماع قبل الوقوف بـعرفة مفسد للحج، لا خلاف بينهم في ذلك، لكن لا بأس أن نقول: إن الجماع يكون على ثلاثة أحوال:
الحالة الأولى: أن يكون قبل الوقوف بـعرفة، وهذا مفسد للحج، عند جميع العلماء عند الأئمة الأربعة و ابن حزم ، وهو المنقول عن السلف، وثبت فيه آثار عن الصحابة رضي الله عنهم، كـعمر بن الخطاب و علي بن أبي طالب و أبي هريرة و عبد الله بن عمر و عبد الله بن عمرو بن العاص و عبد الله بن عباس وهو المنقول عن جمهور السلف، بل ما نقل عن السلف إلا هذا: أن الجماع قبل الوقوف بـعرفة مفسد للحج.
الحالة الثانية: أن يكون الجماع بعد الوقوف بـعرفة وقبل التحلل الأول، وذكرنا أن التحلل الأول يحصل برمي جمرة العقبة على أحد الأقوال، وهو القول الذي اخترناه لقوة دليله، فلو أن إنساناً بعدما وقف بـعرفة وقع على امرأته قبل أن يرمي جمرة العقبة، يعني: ليلة مزدلفة ففي هذه الحالة الجمهور أيضاً على أنه يفسد حجه، وهو مذهب الثلاثة: أحمد و مالك و الشافعي خلافاً لـأبي حنيفة ، فإنه قال: إن جامع قبل الوقوف فسد حجه، وإن جامع بعده لم يفسد، واحتج بقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( الحج عرفة ) رواه الترمذي (889) والنسائي (3044) وأبو داود (1949) وابن ماجه (3015) من حديث عبد الرحمن بن يعمر رضي الله عنه، فقال: إنه ما دام أدى الحج ووقف بـعرفة، فإنه تجاوز ولا يفسد حجه، وله حجة ثانية وهي في تقديري قوية وجيدة قال: إن الإنسان إذا وقف بـعرفة أمن فوات الحج، فكذلك إذا أمن الفوات، فإنه يأمن الفساد.
وبناء عليه نقول: إن الجماع بعد الوقوف بـعرفة لا شك في تحريمه، وعليه فدية عند جميع الأئمة الأربعة، لكنه لا يفسد به الحج.
الحالة الثالثة: أن يجامع بعد التحلل الأول أياً كان الأمر الذي يحصل به هذا التحلل، وهذا لا يفسد به الحج عند جميعهم، وإن كانوا يوجبون عليه به فدية. وهذا التقسيم مهم فيما يتعلق بأمر الجماع.
ما الفدية الواجبة على من جامع وهو محرم؟
الفدية الواجبة عند الأئمة الثلاثة أحمد و أبو حنيفة و الشافعي يقولون: يفسد حجه، وعليه المضي في هذا الحج الفاسد، وعليه بدنة، ويحج من العام المقبل هو وزوجته أيضاً، وزاد علي و ابن عباس رضي الله عنهم في رواية: أنه في حجه في العام المقبل عليهما أن يتفرقا إلى أن ينتهيا من حجهما، فهذه خمسة أشياء أوجبها هؤلاء الأئمة، والدليل على ذلك حديث: ( أن رجلاً من جذام جامع امرأته وهما محرمان، فسأل الرجل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لهما: اقضيا نسككما وأهديا هدياً، ثم ارجعا حتى إذا جئتما المكان الذي أصبتما فيه ما أصبتما فتفرقا، ولا يرى واحد منكما صاحبه، وعليكما حجة أخرى، فتقبلان حتى إذا كنتما بالمكان الذي أصبتما فيه ما أصبتما فأحرما وأتما نسككما وأهديا ) رواه أبو داود في مراسيله (140) والبيهقي في السنن الكبرى (5/167) وقال: هذا منقطع، وذكره النووي في المجموع ونسبه إلى البيهقي ، فلا يصح مرفوعاً، وقد ورد موقوفاً عن عمر و علي بن أبي طالب و ابن عباس و ابن عمر و ابن عمرو بن العاص رضي الله عنهم في أثر من رواية عمرو بن شعيب عن جده، انظر ما رواه البيهقي في السنن الكبرى (5/166)، وهذه الآثار يشد بعضها بعضاً عند هؤلاء الأئمة، وبموجبها قالوا: بأن عليه الالتزام بالتكاليف أو الواجبات الخمسة المذكورة فيما مضى، هذا مذهب جمهور العلماء.
وهناك أقوال أخرى في المسألة:
منها: أن ابن حزم رحمه الله في المحلى (7/126) نقل عن جماعة أقوالاً مختلفة. فنقل عن جبير بن مطعم رضي الله عنه أنه سئل عن ذلك، فقال للسائل: أف لا أفتيك بشيء.. أف لا أفتيك بشيء.
وهذا لا يدل بالضرورة على أن جبيراً رضي الله عنه يخالف هؤلاء، لكن قد يدل على أنه متوقف في هذه المسألة، أو ليس عنده فيها خبر أو توقيف.
وكذلك نقل ابن حزم في المحلى (7/127) عن مجاهد و طاوس رضي الله عنهما أنهما يقولان: أن حجه يصير عمرة يعني: يقلب حجه إلى عمرة وعليه حج قابل وبدنة، لكنهم نازعوا هنا في كونه يمضي في الحج الفاسد، وقالوا أيضاً: يقلبه إلى عمرة. وهذا أيضاً منقول عن الحسن البصري كما ذكره صاحب المغني (5/372)، وذكره أيضاً صاحب الإنصاف (8/333)، وهو رواية في مذهب الإمام أحمد ، وهو أيضاً قول مالك على ما ذكره صاحب المغني (5/374) وصاحب الإنصاف (8/333)، وهذه من الأشياء الجيدة التي تظهر بالبحث، فإنه نقل قولاً لـمالك ورواية عن الإمام أحمد ، وهو قول من ذكرنا أنه يقلب حجه إلى عمرة، وهذا أسهل من كونه يمضي في الحج الفاسد، ولم يذكر بعض هؤلاء أن عليه حجاً من قابل، كذلك قال قتادة : يرجعان إلى الميقات ويهلان بعمرة، كما رواه عنه ابن حزم في المحلى (7/127)، وذكرنا بعض هذه الأقوال.
فهذه الأقوال تدل على أن الإمام أحمد رحمه الله يقول: أحب إلي أن يعتمر من التنعيم، يعني: من أتى أهله وهو محرم، وقال: يجعل الحج عمرة، ولا يقيم على حجة فاسدة.
ونقل عن عكرمة أنه يقول: ولا أظنه إلا عن ابن عباس رضي الله عنهما: أنه قال في الذي يصيب أهله قبل أن يفيض. يعني: قبل أن يطوف طواف الإفاضة، قال: يعتمر ويهدي. وهذا رواه مالك في الموطأ (891) عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما.
والمسألة ليس فيها إجماع كما قد يبدو، والخلاف فيها قوي، وليس فيها شيء مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقد يكون ما أفتى به الصحابة رضي الله عنهم على سبيل الزجر والتأديب والتعزير، ليس على سبيل التقرير والتشريع العام لكل الناس، وقد يكون اجتهاداً أو رأياً لهم، والدليل على ذلك ما رواه عمرو بن شعيب عن أبيه: [ أن رجلاً أتى عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما يسأله عن محرم وقع بامرأة، فأشار إلى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما فقال: اذهب إلى ذاك فسله، قال شعيب : فلم يعرفه الرجل فذهبت معه، فسأل ابن عمر رضي الله عنهما فقال: بطل حجك، فقال الرجل: فما أصنع؟ قال: احرم مع الناس، واصنع ما يصنعون، وإذا أدركت قابلاً فحج واهد، فرجع إلى عبد الله بن عمرو وأنا معه، فقال: اذهب إلى ابن عباس رضي الله عنهما فسله، قال شعيب : فذهبت معه إلى ابن عباس رضي الله عنهما، فسأله فقال له كما قال ابن عمر رضي الله عنهما، فرجع إلى عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما وأنا معه، فأخبره بما قال ابن عباس رضي الله عنهما، ثم قال: ما تقول أنت، فقال: قولي مثل ما قالا ]. رواه الحاكم في المستدرك (2422)، و البيهقي في السنن الكبرى (5/167)، وهذا يدل على أنه لم يكن عنده تأكيد في هذه المسألة، وإنما هو نوع من المباحثة والمذاكرة فيما بينهم على هذا، وقد نقلنا أن من السلف من نازع في ذلك.
وهكذا داود الظاهري منقول عنه أنه لا يلزمه بشيء في ذلك، وهو مذهب ابن حزم فيما يظهر.
وخلاصة القول فيمن وقع على أهله قبل أن يقف بـعرفة ما يأتي:
قول الجمهور: أنه يلزمه خمسة أشياء: فساد حجه، والمضي في فاسده، وأن يهدي بدنة، وأن يحج من العام القابل، وأن يتفرق مع زوجته في حجه الثاني. وإن كان هناك خلاف في هذه المسألة في التفرق، منهم من قال بها وجوباً، ومنهم من قال بها استحباباً، بل إن النووي رحمه الله قال: لو أنه أفسد حجته الثانية من العام القابل لوجب عليه أن يقضي الحجة الأولى إلى مائة حجة، يعني: لو حج مائة مرة وكل مرة يفسد الحجة، نقول: يجب عليه أن يحج الحجة الأولى، وهذا فيه شيء من الافتراض، لكن هذا هو قول الجمهور.
القول الثاني: وهو ما نسب إلى مالك ، كما ذكرناه نقلاً عن الإنصاف (8/333) وعن المغني (5/374) ولم أجد في كتب المالكية، ولم أستقص بالبحث، لكن لم أجد شيئاً واضحاً في هذا أنه يقلب حجه عمرة، ويقولون عليه في ذلك: فدية. أي: عليه بدنة، وهي الناقة.
ولو أفسد حجه بعد الوقوف بـعرفة، فالأحناف يوجبون عليه بدنة، لكن عندهم قبل عرفة عليه شاة. وهذا غريب في القياس؛ لأنهم يقولون: قبل عرفة عليه شاة، وبعد عرفة عليه بدنة، المفترض أنه يزيد ولا ينقص، قالوا: لأنه قبل عرفة فسد حجه، فيكون عليه شاة فقط، أما بعد عرفة فهم عوضوه بأن كان حجه صحيحاً، وجعلوا عليه تبعة أنه يهدي بدنة، أما إذا كان بعد التحلل الأول فعليه شاة عند الجمهور، هذا ما يتعلق بمسألة الجماع، وهي من المسائل العويصة.
كتبه: سلمان بن فهد العودة