الرئيسة الفتاوى1421 هـحكم اللعب بالشطرنج والنرد والفرق بينهما

حكم اللعب بالشطرنج والنرد والفرق بينهما

رقم السؤال: (3374).
التاريخ: الأربعاء 20 / ذو القعدة / 1421الموافق 14 / فبراير / 2001م.

السؤال :

ما القول الفصل في حكم اللعب بالشطرنج، فقد اختلفت فيه أقوال المفتين عندنا أثابكم الله؟

الجواب :

الشطرنج هو بكسر الشين، كلمة فارسية معربة، ومعناها: الحيلة. وهي لعبة تلعب على رقعة فيها أربعة وستون مربعاً، وتمثل مجموعتين متحاربتين باثنتين وثلاثين قطعة، تمثل الملكين، والوزيرين، والخيالة، والقلاع، والفيلة، والجنود. ورقعة الشطرنج هي: اللوح المربع الذي تصف عليه القطع. انظر تاج العروس (3/415)، والمعجم الوسيط (1/485) وغيرها، أما النرد فهو لعبة ذات صندوق وحجارة وفصين، وتنقل فيها الحجارة على حسب ما يأتي به الفص: الزهر، وتعرف عند العامة بالطاولة.
والفرق بين اللعبتين: أن الشطرنج تعتمد على الذكاء والمهارة والتخطيط، والنرد تعتمد على الحظ المجرد.
حكم الشطرنج: لبيان حكمه، لا بد من بيان حالته المتفق على تحريمها والمختلف فيها، وهي على النحو الآتي:
الحالة الأولى: مجمع على تحريمها، وهي نوعان:
الأول: إذا كان اللعب فيها على عوض من الجانبين، فهي من القمار المجمع على تحريمه.
الثاني: إذا ترتب على اللعب بها ترك واجب أو فعل محرم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية : فإن اشتمل اللعب بها على العوض كان حراماً بالاتفاق. قال أبو عمر بن عبد البر : أجمع العلماء على أن اللعب بها على العوض قمار لا يجوز، وكذلك لو اشتمل اللعب بها على ترك واجب أو فعل محرم .
وقال الزيلعي الحنفي : وأما الشطرنج فإن قامر به فهو حرام بالإجماع .
الحالة الثانية: أن يكون العوض فيها من أحدهما، فجمهور أهل العلم على تحريمه، خلافاً لأحد الوجهين عند الشافعية، ودليل الجمهور: قوله صلى الله عليه وسلم: ( لا سبق إلا في نصل أو خف أو حافر ) فظاهر الحديث تحريم دفع العوض وأخذه إلا في هذه الحالات الثلاث.
الحالة الثالثة: أن يكون اللعب بها على غير عوض، وقد اختلف في حكمه على قولين: القول الأول: إنه محرم، وهو قول طائفة من السلف، ومذهب الحنفية والمالكية والحنابلة.
واستدلوا بالأدلة الآتية:
1- ما ورد عن علي رضي الله عنه: [ أنه مرّ على قوم يلعبون بالشطرنج، فقال: (( مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ ))[الأنبياء:52] ] قال في إرواء الغليل (8/288): إسناده منقطع، لو صح فإنه يحمل على المكثر المطيل العكوف عليها حتى شغلتهم عن الواجبات، وهذا يدل عليه قوله: (( عَاكِفُونَ ))[الأنبياء:52] .
2- ما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ( مرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوم يلعبون الشطرنج، فقال: ما هذه الكوبة ألم أنه عنها؟ لعن الله من يلعب بها ) أخرجه أحمد في الورع (ص 97)، و ابن حبان في المجروحين (2/365)، وهو ضعيف جداً .
3- ما روى مسلم في صحيحه (2260) من حديث سليمان بن بريدة عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من لعب بالنردشير، فكأنما غمس يده في لحم خنزير ودمه ) ووجه الاستدلال: أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا حرم النرد ولا عوض فيها، فالشطرنج إن لم يكن مثلها فليس دونها، وهذا يعرفه من خبر حقيقة اللعب بها، فإن ما في النرد من الصد عن ذكر الله وعن الصلاة، ومن إيقاع العداوة والبغضاء، هو في الشطرنج أكثر بلا ريب، وهي تفعل في النفوس فعل حميا الكئوس، فتصد عقولهم وقلوبهم عن ذكر الله وعن الصلاة، أكثر مما يفعله بهم كثير من أنواع الخمور والحشيشة، وقليلها يدعو إلى كثيرها الفتاوى (32/221-222). وأجيب عنه من وجهين:
الأول: الفرق بين النرد والشطرنج، فإن النرد إنما حرمت لأنها كالأزلام، يعول فيها على ترك الأسباب، والاعتماد على الحظ والبخت، وهذا ظاهر من طريقة اللعب بها، فهو يضر بذلك، ويغري بالكسل والاتكال على ما يجيء به القدر -فتاوى محمد رشيد (3/1167) وانظر المغني - بخلاف الشطرنج.
الثاني: لو سلم بعدم الفرق، فإن ما ذكر إنما يكون إذا كان فيها دفع العوض أو لم يكن، وأكثر منها حتى أوقعته في المحذور من الصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وأما قبل ذلك فعلة القياس متخلفة وغير متحققة، ويؤيد ذلك ما ذكره شيخ الإسلام بقوله: والفعل إذا اشتمل كثيراً على ذلك، وكانت الطباع تقتضيه، ولم يكن فيه مصلحة راجحة، حرمه الشارع قطعاً. الفتاوى (32/228).
فمفهوم هذا الكلام: أنه إذا لم يشتمل على تلك المفاسد أن الشارع لا يحرمه.
4- أن الشطرنج ونحوه من المغالبات، فيها من المفاسد ما لا يحصى، وليس فيه مصلحة معتبرة، فضلاً عن مصلحة مقاومة، غايته أنه يلهي النفس ويريحها. الفتاوى (32/229).
ويجاب: بأنه لا دليل على أن الفعل يشترط لإباحته أن يكون فيه مصلحة، بل المشروط عدم وجود الضرر؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ( لا ضرر ولا ضرار ) أخرجه ابن ماجه (2341)، وأحمد (2865)، ومن ثم فمدار التحريم على الإكثار الذي يترتب عليه الضرر، وهذا بناء على أنه ليس بمحرم لنفسه وعينه، وإنما لكونه ذريعة، والذريعة تقدر بقدرها.
القول الثاني: أنه ليس بمحرم، وهو قول طائفة من السلف، ومذهب الشافعية، ورواية عن أبي يوسف صاحب أبي حنيفة وقول ابن حزم .
استدلوا بالآتي:
1- أنه مروي عن بعض الصحابة كـابن عباس و ابن الزبير و أبي هريرة رضي الله عنهم.
ويجاب عنه: بأنها إن صحت فهي معارضة بما روي عن غيرهم من الصحابة رضي الله عنهم من النهي عنه.
2- أن الأصل الإباحة، ولم يرد بتحريمها نص، ولا هي في معنى المنصوص عليه.
وأجيب: بأنها في معنى النرد المنصوص على تحريمه ، وقد تقدم الجواب عن إلحاقها بالنرد.
3- أن الشطرنج موضوع على تعلم تدبير الحرب، وربما تعلم الإنسان بذلك القتال، وكل لعب يعلم به أمر الحرب والقتال كان مباحاً، قالت عائشة رضي الله عنها: ( مررت ورسول الله صلى الله عليه وسلم بقوم من الحبشة يلعبون بالحراب، فوقف رسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إليهم، ووقفت خلفه، فكنت إذا أعييت جلست، وإذا قمت أتقي برسول الله صلى الله عليه وسلم ) .
وأجيب: بأن ما ذكر لا يقصد منها، وأكثر اللاعبين بها إنما يقصدون منها اللعب أو القمار، ويرد على هذا الجواب: بأن قصد اللعب إذا لم يترتب عليه محظور من ترك واجب، أو فعل محرم ونحو ذلك، فهو من المباح.
4- أن اللعب بالشطرنج من الرياضات الذهنية، القائمة على الذكاء والفطنة، واستعمال الفكر، وتنمية هذه المواهب والحواس، وما كان هذا شأنه، فإنه لا يدخل في المحرم.
والذي يظهر: أن الإكثار من اللعب بالشطرنج واتخاذه عادة ونحو ذلك مكروه؛ لأنه لعب لا ينتفع به في أمر الدين، ولا حاجة تدعو إليه، وربما صار وسيلة إلى الوقوع في المحرم.
وأما إذا كان اللعب به يسيراً، ومع أهله ونحوهم لاستجمام النفس، وتنمية المواهب، فإن هذا مباح بناء على الأصل، وهذا إذا لم يترتب على اللعب به شيء من الفحش، وبذيء الكلام، أو الوقوع في محرم من ترك واجب أو فعل محرم.
قال ابن عبد البر : وتحصيل مذهب مالك وجمهور الفقهاء في الشطرنج: أن من لم يقامر بها، ولعب مع أهله في بيته مستتراً به مرة في الشهر أو العام لا يطلع عليه ولا يعلم به، أنه معفو عنه غير محرم عليه ولا مكروه له .
وقال الشيخ رشيد رضا : وأقول: إن اللعب بالشطرنج إذا كان على مال دخل في عموم الميسر، وكان محرماً بالنص كما تقدم، وإذا لم يكن كذلك فلا وجه للقول بتحريمه قياساً على الخمر والميسر، إلا إذا تحقق فيه كونه رجساً من عمل الشيطان، موقعاً في العداوة والبغضاء، صاداً عن ذكر الله وعن الصلاة، بأن كان هذا شأن من يلعب به دائماً أو في الغالب، ولا سبيل إلى إثبات هذا، وإننا نعرف من لاعبي الشطرنج من يحافظون على صلواتهم، وينزهون أنفسهم عن اللجاج والحلف الباطل، وأما الغفلة عن الله فليست من لوازم الشطرنج وحده، بل كل لعب، وكل عمل فهو يشغل صاحبه في أثنائه عن الذكر والفكر فيما عداه إلا قليلاً، ومن ذلك ما هو مباح، وما هو مستحب أو واجب، كلعب الخيل والسلاح، والأعمال الصناعية التي تعد من فروض الكفايات، ومما ورد النص فيه من اللعب: (لعب الحبشة في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم بحضرته)، سبق تخريجه، وإنما عيب الشطرنج من أنه أشد الألعاب إغراء بإضاعة الوقت الطويل، ولعل الشافعي كرهه لأجل هذا تفسير المنار (7/62-63).