الرئيسة الفتاوى1421 هـالحكم على حديث: (أربى الربا استطالة المرء في عرض أخيه المسلم) وبيان طرقه

الحكم على حديث: (أربى الربا استطالة المرء في عرض أخيه المسلم) وبيان طرقه

رقم السؤال: (2152).
التاريخ: الأحد 02 / شعبان / 1421 الموافق 29 / أكتوبر / 2000

السؤال :

ما صحة حديث: ( أربى الربا استطالة المرء في عرض أخيه المسلم

الجواب :

قد روي في هذا الباب أحاديث:
الأول: حديث سعيد بن زيد مرفوعاً: ( من أربى الربا الاستطالة في عرض مسلم بغير حق، وإن هذه الرحم شجنة من الرحمن، فمن قطعها حرم الله عليه الجنة ) أخرجه أبو داود (4876)، والبخاري في (التاريخ الكبير 8/109)، وفي (الأوسط 1/231)، وأحمد (1/190)، والبزار (1264)، والشاشي (1/246-260-ج208-230)، والطبراني في الكبير (357)، والبيهقي في (الآداب 160) ( والسنن 10/241) من طريق عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين عن نوفل بن مساحق عن سعيد بن زيد ، فذكره بنحوه، وإسناده كلهم ثقات من رجال الشيخين، سوى نوفل بن مساحق ، فلم يخرج له سوى أبي داود ، وقد وثقه النسائي ، لكنه قد تفرد به، ولم يتابع عليه ، وقد أشار الحافظ البزار إلى هذا، وأنه لا يروى عن سعيد بن زيد إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد.
الثاني: حديث البراء بن عازب مرفوعاً: ( الربا اثنان وسبعون باباً، أدناها مثل أن ينكح الرجل أمه، وإن أربى الربا استطالة الرجل في عرض أخيه ) أخرجه الطبراني في ( الأوسط 7151)، و ابن أبي حاتم في ( علل الحديث 1/381) من طريق عمر بن راشد عن يحيى بن أبي كثير عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن البراء فذكره بنحوه.
وهذا الحديث معلول
، قال الطبراني عقب إخراجه: لم يرو هذا الحديث عن يحيى بن أبي كثير إلا عمر بن راشد ولا رواه عن عمر بن راشد إلا معاوية بن هشام ولا يروى عن البراء إلا بهذا الإسناد، وأعله أبو حاتم أيضاً بأن إسحاق لم يدرك البراء ، و عمر بن راشد ضعيف عند الجمهور .
الحديث الثالث: حديث ابن عباس مرفوعاً: ( الربا نيف وسبعون باباً، أهون باب من الربا مثل من أتى أمه في الإسلام، ودرهم رباً أشد من خمس وثلاثين زنية، وأشد الربا، وأربى الربا، أو أخبث الربا، انتهاك عرض المسلم، أو انتهاك حرمته ) أخرجه ابن أبي حاتم في العلل (1/391) ، عن محمد بن رافع النيسابوري عن إبراهيم بن عمر الصنعاني عن النعمان بن الزبير عن طاوس عن ابن عباس ، فذكره.
قال أبو زرعة عن هذا الحديث: هذا حديث منكر. .
الحديث الرابع: حديث أبي هريرة مرفوعاً: ( إن أربى الربا استطالة المرء في عرض أخيه ) أخرجه ابن أبي حاتم في ( علل الحديث 2/251) من طريق الزهري ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة مرفوعاً، وهو في ( الشعب 5/313)، وأعله أبو حاتم و أبو زرعة ، فرجح أبو زرعة أن المحفوظ في هذا الحديث عن الزهري ، عن سعيد بن المسيب ، عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلاً، بينما رجح أبو حاتم أن المحفوظ فيه عن الزهري ، عن سعيد بن المسيب من قوله، كذا أخرجه على هذا الوجه الأخير عبد الرزاق في المصنف (2025)، و معمر في الجامع (11/176).
وعلى كل حال فالحديث لا يصح رفعه بحال، وعند أبي داود (4/269) من حديث العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه، عن أبي هريرة مرفوعاً: ( إن من أكبر الكبائر، استطالة المرء في عرض أخيه المسلم بغير حق ).
الحديث الخامس: وروى ابن ماجه (2266)، عن مسروق ، عن عبد الله بن مسعود ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( الربا ثلاث وسبعون باباً ) ورواه الحاكم (2/43)، وزاد: ( أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه، وإن أربى الربا عرض الرجل المسلم )، وقال الحاكم : صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ورواه البيهقي في ( الشعب 5131)، وقال: إسناد صحيح، والمتن منكر بهذا الإسناد، ولا أعلمه إلا وهماً.
الحديث السادس: روى ابن أبي حاتم ( ابن كثير 3/519)، عن عمران بن أبي مليكة ، عن عائشة قالت: ( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: أي الربا أربى؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قالت: قال: أربى الربا عند الله استحلال عرض المسلم، ثم قرأ: (( وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا ))[الأحزاب:58] ) قال البخاري : لا يتابع عليه (انظر: شعب الإيمان 4/393)، وهو في ( الشعب 5/298)، وقال: ورواه عبد العزيز بن رفيع عن ابن أبي مليكة عن عبد الله بن الراهب عن كعب من قوله، وهو أصح، وفي الباب أحاديث عدة، منها: عن قيس بن سعد عند الطبراني كما في ( المجمع 8/73)، وعن أنس عند البيهقي في ( الشعب 4/395) ، وقال: تفرد به أبو مجاهد عبد الله كيسان المروزي عن ثابت وهو منكر الحديث .
وبهذا العرض الموجز يتبين أن معظم طرق الحديث معلولة، وأن أمثلها وأصلحها للاحتجاج هو حديث سعيد بن زيد ، وسنده لا بأس به، وفي هذه الآثار بيان عظم شأن الوقوع في أعراض المسلمين، سواء كان ذلك ابتداء أو مكافأة، ومن الربا السبتان بالسبة، والجرأة على أعراض المسلمين من علامات فساد الباطن، وخبث النية، وسوء الطوية، ولا يقدم عليها إلا من سفه نفسه، وكرماء الرجال في الجاهلية، فضلاً عن الإسلام كانوا يرفعون أنفسهم عن الكلام في الآخرين، ويعدون هذا منافياً لمكارم الأخلاق، وقد روي أن العلاء بن الحضرمي أنشد بحضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الأبيات:
وحي ذوي الأضغان تسب قلوبهم            تحيتك الحسنى وقد يرقع النعل
فإن دحسوا بالكره فاعف تكرماً            وإن خنسوا عنك الحديث فلا تسل
فإن الذي يؤذيك منه سماعه            وإن الذي قالوا وراءك لم يقل
وقال عبد الله بن مصعب :
وإني وإن قصرت عن غير بغضة            لراع لأسباب المودة حافظ
وما زال يدعوني إلى الصرم ما أرى            فآبى وتثنيني عليك الحفايظ
وأنتظر العتبى وأغضي على القذى            ألاين طوراً أمره وأغالظ
وأنتظر الإقبال بالود منكم                        وأصبر حتى أوجعتني المغايظ
وجربت ما يسلي المحب عن الصبا            فأقصرت والتجريب للمرء واعظ
إن الكريم ليشح بنفسه عن مواقع الهلكة، ومواقع البوار، ويرى نفسه أسمى من أن يضعها في مقام القدح في هذا، أو النيل من ذاك، طمعاً في دنيا، أو منافسة على مقام، أو حسداً على نعمة، أو من باب من ينتقص الناس؛ ليثبت لنفسه الكمال الذي حرموه، ولا خير في امرئ لا يحاسب نفسه، ولا يراجعها، ولا يوبخها، ولا يدهمها في حال غفلة ليعرف خباياها، ودواخلها، والمعصوم من عصمه الله، والحمد لله رب العالمين.