الرئيسة الفتاوى1423 هـخطورة تكفير العلماء

خطورة تكفير العلماء

رقم السؤال: (13041).
التاريخ: الثلاثاء 07/ رمضان/ 1423 الموافق 12 نوفمبر 2002

السؤال :

شيخنا! أنا شاب في بداية التزامي، أبلغ من العمر (19سنة)، أطلب منك أن توضح لي أمراً خطيراً جداً، هذا أمر يتعلق بالشيخ العلامة عبد العزيز بن باز رحمه الله وغفر له، والشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله وغفر له، بحيث راجت هذه الأيام نقاشات حادة بين الإخوة الملتزمين: هل هما كافران خرجا من الملة، أم سقطا في الكفر، أم لم يحدث أي شيء من هذين القولين؟ ووصل الأمر بهذا النقاش أن بدأ أصحاب القول بأنهما كافران يكفرون أصحاب قول إنهما سقطا في الكفر. أرجو من فضيلتكم شيخنا أن توضح لي الأمر، وتهديني وإخوتي إلى الصواب. وجزاك الله عنا وعن المسلمين خير الجزاء، وهداك لكل ما يحب ويرضى.

الجواب :

الفتنة مشتعلة يوقدها الجهلة والأغبياء الجرآء على أعراض المسلمين ودمائهم، كفى الله المسلمين شرهم.
والتكفير هوة سحيقة سقط فيها بعض المتسرعين الذين لا يحتاطون لدينهم ، وإلا فإنه من سوء اختيار المرء لنفسه أن يقع في الكبر الذي حذر منه النبي صلى الله عليه وسلم حين قال: ( لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر. قال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسناً ونعله حسنة. قال: إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق وغمط الناس ) . فكثيرون لا ينظرون إلى الأمور والمسائل نظرة موضوعية معتدلة متعقلة، ولا يخافون الله في إخوانهم، فيغمطونهم حقوقهم، ولعن المؤمن كقتله والأصل في المسلم بقاؤه على دينه ما دام يعتقده، ولا يخرج منه لشبهة أو تأويل؛ لقوله عليه السلام: ( أيما رجل قال لأخيه: يا كافر فقد باء بها أحدهما ) ، وفي الحديث الآخر: ( ومن دعا رجلاً بالكفر أو قال: عدو الله وليس كذلك إلا حار عليه ) ، ومعنى (حار عليه) أي: رجع عليه.
والخوارج كفروا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم بمثل هذه الشبهات الباطلة والتأويلات الفاسدة.
فالذي أنصح به أخي وكل طالب لنجاة نفسه أن يكف عن الكلام في الناس، وأن ينشغل بأمر نفسه، طلباً للعلم أو عبادة لله، أو إصلاحاً لأمر الناس أو دينهم أو دنياهم، وأن يحفظ لسانه عن الكلام في العلماء وطلبة العلم والدعاة. والبحث عن عثراتهم وتتبع زلاتهم، فإن هذا من مساوئ الأخلاق، ولا يشتغل به إلا من سفه نفسه.
وما لي والناس؟ أتكلم في هذا، وأقول في ذاك، وأهجم على زيد، وأطعن في عبيد، وأكفر وأفسق وأبدع وأشهر، وكأني خلقت لهذا. وهل كان هذا صنيع الأنبياء عليهم السلام أم صنيع الصحابة رضي الله عنهم أم صنيع العلماء؟! (( قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ ))[البقرة:111].
إن المرء لو محض وقته للكلام في الكفار الأصليين من اليهود و النصارى والمشركين، وجعلها هجيراه وديدنه لكان ملوماً مذموماً مضيعاً لوقته، فكيف إذا اشتغل بالمسلمين؟ فكيف إذا اختار خاصتهم من أهل الدعوة والعلم والخير؟ هب أنه اختلف معهم، وهب أنه أصاب وأخطئوا، وهيهات؛ ألا يوجد بينك وبينهم إلا أن تكفرهم أو يكفروك؟! ألم يقل النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه ثوبان رضي الله عنه: ( استقيموا ولن تحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة، ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن ) وهذا ظاهر جداً، فإن من ادعى الإسلام فهو إما مسلم أو منافق، فالمنافق لا يحافظ على الشعائر الباطنة، إما أن يتركها بالكلية أو يفعلها حيناً ويتركها حيناً بحسب المقام. أما المؤمن في الباطن فهو يحافظ على الوضوء وعلى شروط الصلاة الباطنة وعلى غيرها مما لا يعلمه الناس، وإنما يعلمه الله. وليس من شروط المسلم أن يكون كاملاً ولا معصوماً، بل قد يخطئ عن غير عمد، وقد يخطئ عمداً ولكن هذا الخطأ لا يخرجه من دينه.
والأصل إحسان الظن بالمسلم، وإذا فتح باب التكفير وتجرأ عليه العوام والجهال وأصحاب القلوب المريضة، تبعه باب استحلال دمائهم وأموالهم، ثم انشغل المسلمون بعضهم ببعض، وكفي أعداؤهم شرهم والله المستعان ، فمتى نفيق من هذا السبات العميق؟
أصلح الله شأن المسلمين.