الرئيسة الفتاوى1421 هـبرنامج مقترح لمدرسة شرعية

برنامج مقترح لمدرسة شرعية

رقم السؤال: (4231).
التاريخ: الجمعة 03/ جمادى الآخرة/ 1421 الموافق 01/ سبتمبر/ 2000م.

السؤال :

ننوي -بحول الله- إنشاء مدرسة شرعية في مسجد حيِّنا تهتم بمختلف علوم الشريعة؛ ونظرًا لقلة المؤطرين، فإننا نطلب منكم: أن تختاروا لنا المواد التي ترونها ضرورية و ذات أولوية قبل غيرها، وأن تضعوا لنا منهجاً يسير عليه المدرسون، وأن تقترحوا علينا برامج لمستويات مختلفة كل على حدة، وأن تقترحوا علينا كل ما ترونه مناسباً ومفيداً لحسن سير هذه المدرسة حتى تؤتي أكلها بإذن ربها، و لاتنسوا فضيلة الشيخ! أن تضعوا مع اقتراحاتكم شيئاً ليس بالقليل من الدعاء لنا بالتوفيق، وتحقيق المبتغى.

الجواب :

رسالتكم المبشرة وصلت إلي، ولقد كنت على سعادة حين النظر في هذه الرسالة التي ذكرتم فيها عزمكم إنشاء مدرسة شرعية في مسجد حيّكم، إن هذا العمل يمثل بإذن الله توفيقاً لكم، حيث إن القيام على من قاربكم من إخوانكم المسلمين لتعليمهم دين الإسلام، والشرائع النبوية، والأخلاق الفاضلة، وكفهم عن حدود الله، وتأديبهم بأدب الإسلام لهو فيما نحسب من أجل أعمال الخير، وحين يكون المسجد يصلي فيه المسلمون، ويعلمون الدين والتربية فيه على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، فهكذا الاقتداء بهدي رسول الله والعمل بطريقته، فإن الأمة اليوم يتمثل كثير من الإشكال الذي تعانيه بضعف العلم والتربية في صفوف أهل الإسلام، فخيراً قصدتم، وهنا مقترحات في هذا المحور:
1- من المهم أن تكون هذه المدرسة تخاطب في برامجها وأعمالها كافة طبقات الحي: الشباب المتدين، المقصرين، والمرأة، أهل الامتياز الاجتماعي أو الثقافي، وكذا العوام... وأن تحافظ على التعليم والإصلاح، فأن يصاغ العمل إلى واقع، فهنا يكون التقدير يمتلك درجة كافية من الوعي بحقيقة العلم والشرع.
2- من الفاضل أن يكون العمل لديكم متناسباً مع الإمكانات المتاحة، وأن يتخذ أهدافاً تمتاز بالشمولية والإمكانية، تسلسل زمنياً، ويفترض لها قدر من المراجعة والتعديل بين مرحلة وأخرى. إن كثيراً من أصحاب العمل الإسلامي يعترفون بأن المشاريع نفسها تقبل التعديل والمراجعة، لكنه يفترض أن الأهداف ذات قيمة ثبوتية يجعلها متعالية على المراجعة، وهذا ربما يكون ركوداً تحت شعور نفسي أكثر من كونه أصالة واعية. إن الأهداف يفترض أن تتجاوز حرفية الثوابت، فكل عمل له أهداف لا تقبل المراجعة حقاً، لكن يفترض أن يكون له أهداف تداولية تحكمها مؤثرات متعددة حتى يمكن وضع مؤشر للتوازن بين القدرة والإنتاج، والتنظير، والتطبيق.
3- من المهم كثيراً أن تمثل هذه المدرسة تحقيقاً في برامجها وأهدافها للأصول العلمية التي تلزم سائر المسلمين، كأركان الإيمان، وأركان الإسلام، وأصول الواجبات والمحرمات، ومقاصد الشرع المجملة، وقواعده في الأخلاق والتعامل، والولاء لدين الله وأهل الإسلام، فهذا قدر لابد منه، ثم يكون الاختصاص العلمي حسب المناسبة.
4- المواد التي تسأل عنها ذات الأولوية، والمنهج الذي يسار عليه يفترض معرفة تفصيلية بالواقع المقدر لديكم، لكن الذي يمكن الإشارة به هنا:
أ- التنوع في الطرح، وضع درس في الفقه، التفسير، العقيدة، الحديث، السيرة النبوية، والسلوك.
ب- يمكن هنا افتراض هذا المنهج: معارج القبول لـحافظ حكمي، والرسالة الواسطية مع بعض شروحها كمرحلة أولية في العقيدة.
تفسير ابن كثير أو البغوي، بعض مختصرات الفقه المالكي مع بيان القول الراجح بالدليل قدر الإمكان، وربما أمكن لطلاب العلم دراسة فقه أهل المدينة لـابن عبد البر، ومتابعة القول الذي يعضده الدليل، لكن ربما كان فقه المالكية مناسباً باعتبار نشأة المجتمع لديكم عليه، ويكون بيان الراجح من داخله حتى لا يضطرب العامة.
النخبة في مصطلح الحديث، ثم مقدمة ابن الصلاح، شرح العمدة في الحديث للمقدسي بشرح ابن دقيق العيد، أو الشيخ عبد الله البسام للمبتدئ.
القراءة في مختصر صحيح البخاري للزبيدي، و مختصر صحيح مسلم للمنذري، مع التعليق على مفادات الحديث بصورة واضحة، ويكون هذا مما يخاطب به غير طلبة العلم من العامة، أو غير المشغولين بالعلم الشرعي.
وكذا القراءة في سيرة الرسول وهديه في بعض أجزاء زاد المعاد لـابن القيم، و البداية والنهاية لـابن كثير، و مختصر السيرة وأمثال ذلك من الكتب، لتعريف الناس سيرة رسول الإسلام وهديه.
5- تعلمون حفظكم الله أن العلم هو أخص موجبات الاجتماع على الهدى وتديين الناس لرب العالمين، وعليه فليكن مقصودكم أن يعرف الناس الحق الذي جاء من ربهم، كما بعث الله به رسوله، بعيداً عن التعصب لمقام واحد معين من العلماء المعاصرين أو السالفين، فإنه لا يجوز التعصب لمقام أحد من الأعيان إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن يكون لديكم سعة في الخلاف، خاصة في مسائل الفقه، فإن الأقوال التي تردد بين كبار أئمة الإسلام ومجتهديه كـمالك، و أحمد، و الشافعي، و الثوري، و أبي حنيفة، و الأوزاعي فيها سعة في الجملة إلا ما علم مخالفته للدليل من الكتاب والسنة ، وموارد الاجتهاد في كلام أهل العلم يجب أن تبقى على محلة الاجتهاد ولا تنقل إلى أن يخاصم بها ويستعدى بها ، وإذا التزم العامة قولاً من أقوال الفقهاء المعروفة لـمالك وأمثاله ولا يعرف مخالفته لنص، فهنا ليس من اللازم تنزيلهم على اجتهاد عالم آخر.
6- يجب أن تكون المدرسة مدرسة شرعية، وليست مؤهلة لكونها ساحة للخصام، وتتبع عورات المسلمين وزلات أهل العلم، بل يربى أهلها على العلم والعمل والديانة، ومحبة الله ورسوله، والمؤمنين، وسلامة الصدر، والدفع بالتي هي أحسن، والتزام النصيحة، وأمثال ذلك من المعاني النبوية، وهذا عهدنا فيكم وفي أمثالكم، لكن من باب: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا... ))[النساء:136] الآية.
7- مما يؤكد للإخوة لزوم الصبر، والدأب على العمل في التعليم ما ثبت في الصحيحين وغيرهما عن النبي صلى الله عليه وسلم: ( أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل ) ، فالصبر الصبر، ومن يتصبر يصبره الله كما قال عليه الصلاة والسلام كما في الصحيح.
8- مما يجب توكيده أن يكون التعليم لديكم يلتزم هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، والعناية بالتزام منهج أهل السنة والجماعة في الأقوال والأحكام والتعامل.
نفعكم الله، وسدد خطاكم، ورزقنا جميعاً الفقه في الدين، والدعوة إليه، وصلى الله على نبينا محمد.