الرئيسة الفتاوى1423 هـحوار مع صوفي في العلو والرد على النفاة

حوار مع صوفي في العلو والرد على النفاة

رقم السؤال: (13065).
التاريخ: الثلاثاء 07/ رمضان/ 1423 الموافق 12/ نوفمبر/ 2002م.

السؤال :

فضيلة الشيخ! إني أناقش أحد الصوفية في مسألة أين الله؟ فأعطيته الأدلة، فرد علي بهذا الرد، فما هو ردك على هذا فضيلة الشيخ؟ بارك الله فيك وجمعنا معك في الفردوس الأعلى. هذا هو رده:
عذراً على تأخري في الرد عليك، وجزاك الله خيراً يا أخي، لكنني أحب أن أذكرك بشيء، إذا كنت قد حكمت على بطلان عقيدتي وفسادها فلماذا لجأت إلى نقاشي؟ إنما كان يكفيك أن تذكر لي أدلتك دون أن تتعب نفسك بنقاش من لا يرجى نقاشه، وليس هذا من أدب النقاش، خاصة وأنك لم تطلع بعد على أدلتي، اسمع يا أخي، نحن لا ننكر الاستواء، إنما نأخذ بما قرره الإمام مالك حين سئل عن الاستواء، فقال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، ثم إن الأدلة التي طرحتها هي ضد ما تزعم به، فالاستواء لا يعني التحيز، ولا يستطيع أحد أن يدرك ماهيته، ولا يحق لأحد أن يفكر فيه، وإنما نؤمن به كما هو، والله عز وجل يقول: (( وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ ))[آل عمران:109] أي: أن السماوات والأرضين وما فيها هي ملك الله تعالى، وأنت تقول: إن الله في السماء، وهذا يعني أنه ملك لنفسه، وهذا محال سبحانه وتعالى عما يصفون.
ثم ماذا تقول في قوله تعالى: (( وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الأَرْضِ ))[الأنعام:3]؟ لقد أسهب الإمام الفخر الرازي في كتابه التفسير الكبير في شرح هذه الآية الكريمة ورد الشبهات حولها، وأثبت في كلام مطول فساد القول بأن الله في السماء، وأثبت أن الله في كل مكان يليق بجلاله العظيم، فراجعه تصل إلى مرامك بإذن الله، ثم اقبل نصيحة من أخ يريد لك الخير، ودعك من التفكير بهذا الأمر أين الله؟ فإنه لا يفيدنا في شيء، فنحن نعتقد أن الله معنا أينما كنا سواء بعلمه أو بذاته، المهم أنه معنا وهذا يكفينا، نود الكف عن الخوض في أمور قد يصل الإفراط فيها إلى نوع نهى عنه نبينا صلى الله عليه وسلم، فعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه صلى الله عليه وسلم خرج على أصحابه، فقال: ( ما جمعكم؟ فقالوا: اجتمعنا نذكر ربنا ونتفكر في عظمته، فقال: تفكروا في خلق الله، ولا تتفكروا في الله فإنكم لن تقدروا قدره ) رواه أبو نعيم في الحلية، و الطبراني في الأوسط، و البيهقي في الشعب، و ابن أبي شيبة في مصنفه و الأصبهاني في ترغيبه، و الديلمي في كتابه الفردوس بمأثور الخطاب.
أما ما نسب إلى ابن عربي فهو مدسوس في كتبه، حتى إن ابن تيمية قال: إن صح ما قاله فهو...، وهذا يعني أنه غير متأكد أن كان قاله أم لا؟ وهذا أيضاً كلامنا إن كان صح عنه ذلك فهو كفر بلا نقاش، لكنه لم يصح، ولقد سئل العز بن عبد السلام عن القطب في عصره فأشار إلى ابن عربي، وقد سأله خادمه يوماً عن شخص يشتمه، فقال: إن هذا يشتم رجلاً يحمل صفات ليست في.
وقد نصحتك في رسالة سابقة أن تراجع كتاب تنبيه الغبي في تخطئة ابن عربي للإمام جلال الدين السيوطي فاقرأه ترشد.
أما الحلاج فليس بأستاذنا، وما نطق به من الكفر فهو مردود عليه لا نأخذ به ولا نوافقه عليه، وقد قال الشيخ عبد القادر الجيلاني: عثر الحلاج ولم يكن له من يأخذ بيده، ولو أدركت زمانه لأخذت بيده. وقال له الإمام الجنيد مرة: ستحدث في الإسلام ثغرة لا يسدها إلا رأسك. ها قد علمت حقيقة التصوف الإسلامي، وأنه لا يقبل بغير الكتاب والسنة، بل إن الصوفية الحقيقيين هم أقرب الناس إلى منهاج الله عز وجل وقد خطر ببالي سؤال وأنا أكتب لك: ماذا تقول في التأويل؟ جزاك الله خيراً، وهداني وإياك إلى صراط مستقيم.

الجواب :

قرأت رسالتكم المتعلقة بالقول في علو الله، وما كتب لكم بعض من يخالف في هذا ومستدله من الأدلة.
والجواب: مما يعلم في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وأجمع المسلمون عليه بشتى طوائفهم أن الله مستحق للكمال، منزه عن النقص، ثم اختلفوا في تحقيق المناط في الكمال والنقص، وقد حكى الإجماع غير واحد كـأبي الحسن الأشعري و ابن تيمية وغيرهما، وهذا معلوم بالضرورة من دين سائر المسلمين.
ومما اختلف فيه القول في صفات الله، والقول المحدث في هذا حدث في زمن التابعين لما أظهر جماعة من متكلمة المسلمين نفي قبول الرب للصفات، وهذا تقلده جهم بن صفوان و الجعد بن درهم وغيرهما من أهل الكلام، وعليه عامة المعتزلة ، وصار القول في هذا مزلة أقدام، وهؤلاء النفاة لصفات الله وقيامها به معتبرهم من الأدلة مجملات من القرآن، كقوله: (( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ))[الشورى:11].
وأما أدلتهم المفصلة فهي دلائل كلامية انتحلوها انتحالاً عقلياً كدليل الأعراض وأمثاله، وهي عند التحقيق محصلة من العلوم الفلسفية المعروفة عن أرسطو وأمثاله ممن لخص وترجم رأيهم إلى المسلمين. وقد نص أبو الحسن الأشعري وقد مكث معتزلياً بضعاً وثلاثين سنة أن قول المعتزلة ودليلهم في صفات الله منقول من الفلاسفة، وهذا مقام تطول قراءته، لكن المقصود أن من أخص المقامات عند النفاة نفي علو الله بذاته وأنه في السماء بذاته، وهذا خلاف الكتاب والسنة وإجماع السلف والأئمة، بل إثبات علو الله هو قول متقدمي الأشعرية و الكلابية و الكرامية وأمثالهم، والمخالف فيه هم الجهمية و المعتزلة ومن التحق بهم من متأخري الأشعرية الذين خالفوا سلفهم، كـأبي المعالي الجويني، و محمد بن عمر الرازي وأمثالهما، وهذا خلاف طريقة أبي الحسن الأشعري ومتقدمي أصحابه، وخلاف طريقة المتقدمين من متكلمة الصفاتية كـعبد الله بن سعيد بن كلاب. وهؤلاء النفاة معتبرهم أدلة كلامية محصلة من الفلسفة، كدليل المقابلة ودليل الانطباع وما يوجبه من التحيز والغيرية، وأمثال ذلك من الأدلة التي فصلها متكلمة هؤلاء ومتفلسفتهم كـابن سينا في الإشارات والتنبيهات، والقاضي عبد الجبار بن أحمد في المغني وشرح الأصول، وأبي المعالي في الشامل والإرشاد، وابن الخطيب في المطالب والأربعين وأمثال ذلك.
ومما يجب العلم به أن القول الذي عليه سلف الأمة وأهل السنة والحديث ليس فيه وصف الله بالتحيز وأمثال ذلك، بل يصفون الله بما وصف به نفسه ووصفه به رسوله عليه الصلاة والسلام، وهذا هو الواجب على سائر المسلمين، مع اعتقاد أنه سبحانه: (( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ))[الشورى:11] والسلف ومن اتبعهم من فضلاء متكلمة الصفاتية كـابن كلاب و الأشعري يقولون: هو سبحانه وتعالى في السماء، والسماء هنا العلو المطلق، وليس المقصود أنه في السماوات المخلوقة أو أنها تحيط به فإن هذا معلوم الفساد، وقد وسع كرسيه السماوات والأرض فكيف يتوهم مثل هذا؟ بل من زعم أن الله في سماء مخلوقة، تحيط به وتحويه السماوات السبع، أو فرض في قوله غيرها فهذا كفر بإجماع السلف، وهذا قول من لم يقدر الله حق قدره، بل هو سبحانه وتعالى فوق سماواته مستو على عرشه بائن من خلقه لا يحويه شيء، وإن كان لفظ الحيز لفظاً مجملاً حادثاً فإنه مع تنزيه الله عن الحلول صار كثير من نفاة علو الله يعبرون بأنه منزه عن التحيز، وهذا قول مجمل فمن قصد به نفي أنه سبحانه فوق سماواته بائن من الخلق، فهذا باطل بالإجماع، وهو خلاف العقل واللغة والشرع. ومن قصد بذلك نفي أن يحويه شيء مخلوق كسائر المخلوقات المحوية فهذا حق.
وأدلة الكتاب والسنة متواترة في إثبات علو الله بذاته فوق السموات، كما في قوله تعالى: (( الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ))[طه:5]، (( وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ))[البقرة:255]، (( أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ ))[الملك:16]، وهذا معتبر في كلام الأئمة الأربعة، وسائر أئمة السلف أهل السنة والأثر، وحذاق متكلمة الصفاتية، وفضلاء أصحاب الأئمة الأربعة، وفضلاء الصوفية كـالجنيد بن محمد، و سهل بن عبد الله، و الفضيل بن عياض، وأمثالهم، وكذا أبو إسماعيل الأنصاري صاحب المنازل في مقامات الأحوال الصوفية وغيرهم، بل أئمة هؤلاء يقولون: إن العلو ثابت بالكتاب والسنة والعقل والفطرة، وقد ذكر أحمد بن حنبل وغيره من أئمة السنة، و عبد الله بن سعيد بن كلاب وأمثاله الدليل العقلي على علو الله، كما نقله عن طائفة من حذاق المتكلمة هؤلاء ابن فورك، وذكره ابن كلاب في كتاب الصفات.
والمقصود أن مبنى مثل هذه المقالات مما لا يوافق العقل فضلاً عن النقل، وتنـزيه الله وتعظيمه والقول إن العباد لا يعلمون كنه ذاته سبحانه، وأنه منزه عن مشابهة الخلق، وأنه (( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ))[الشورى:11] لا في ذاته ولا في أسمائه وصفاته أمر مجمع عليه بين المسلمين، ولا يعارضه إلا معاند، لكن هذا لا يعارض ما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة من إثبات الصفات، ومنها العلو له سبحانه.
وقول مالك المعروف عنه أصل في هذا، حيث قال: (الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول)، فإن الاستواء معلوم في اللسان العربي، وإذا أضيف إلى الله فهو لائق به، كما أن الصفات والأفعال المضافة إلى المخلوقات لائقة بها مناسبة لها، فكذلك أسماء الله وصفاته، والاشتراك الذي يقع بين ما يضاف للخالق وما يضاف للمخلوق هو اشتراك في قدر كلي، والقدر الكلي لا وجود له في الخارج، فليس في الخارج إلا المضافات، ومن ظن أن التشبيه الذي نفته النصوص هو الاشتراك في القدر الكلي فقد غلط على الشرع والعقل، فإن الاشتراك في هذا القدر لا يوجب التطابق في الحقيقة عند الإضافة والتخصيص، ولهذا سمى الله نفسه بأسماء مضافة إلى العباد كقوله: (( وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ ))[يوسف:50]، وقال عن نفسه: (( هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ... ))[الحشر:23]، وقال عن محمد صلى الله عليه وسلم: (( بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ))[التوبة:128]، وقال عن نفسه: (( وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا ))[الأحزاب:43]، وقال عن الإنسان: (( فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا ))[الإنسان:2]، وقال عن نفسه: (( إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا ))[النساء:58]، وقال: (( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ))[المائدة:119]، (( يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ))[المائدة:54]، وما به الاشتراك غير ما به الامتياز.
وأما الاستدلال على نفي العلو بمثل قوله: (( وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الأَرْضِ ))[الأنعام:3] فليس بدليل؛ لأن المقصود هنا علمه كما في آخر الآية: (( يَعْلَمُ سِرَّكُمْ ))[الأنعام:3]، ولو فرض أنها تنفي أنه في السماء للزم أنها تثبت أنه في السماء والأرض تحويانه، وهذا منكر بإجماع المسلمين، فإن قيل: لا تحويانه، قيل: مكانه في السماء الذي هو العلو المطلق، بخلاف الجهات المخلوقة المعينة فإن التعيين فيها مع نفي التحيز هو الممتنع بإجماع العقلاء، وكذا قوله: (( وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ ))[آل عمران:109] هذا يبطل قول من يقول: هو في سماء تحويه السماوات السبع أو ما قد يفرض من المخلوقات والأجرام المتعينة، وهذا ليس هو قول السلف وأهل السنة ، و الرازي يضيف هذا القول للحنابلة، وهو غلط محض فليس هو قول الحنابلة لا أحمد بن حنبل إمام المذهب ولا سائر الحنبلية، وإنما توهم غلطاً عليهم كما توهم ابن الجوزي الغلط على كثير من الحنابلة، فزاد في مقالاتهم بما ليس معروفاً عن أحمد، فضلاً عن المنتسبين للسنة والأئمة، وهذه مهامه طويلة، من تأمل فيها عرف أن القوم في قول مختلف يؤفك عنه من أفك، وقد نص الرازي في كتابه أقسام اللذات بقوله: (لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية فما رأيتها تشفي عليلاً ولا تروي غليلاً، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن...). وإبانة مقالات من صرح بفساد الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية من أعيان المتكلمين والنظار يطول ذكره.
والقول الحق الذي عليه السلف: إن الله فوق سماواته، مستو على عرشه، بائن من خلقه ليس كمثله شيء، منزه عن الخلق وذواتهم، فهذا القول لا يلزم عليه، وحقيقته شيء من اللوازم الباطلة. والجهة والمكان لفظان مجملان، فإن قصد مكان أو جهة مخلوقة يكون الله فيها كما يكون المخلوق في المخلوق فهذا مما ينـزه الرب عنه، وليس هو قول السلف ولا أحد من أصحاب الأئمة الأربعة، لا الحنابلة ولا غيرهم، بل هذا لا يعرف مذهباً لطائفة مختصة من المسلمين، وإنما يضاف إلى قوم من غلاة المشبهة، وحقيقته هدم مقام الربوبية، ويلزم عليه القول بقدم العالم وأمثال ذلك، وقد ذكر أبو الوليد ابن رشد الفيلسوف أن إبطال العلو بما يوجبه من الجهة غلط، وأن الجهة التي تقال هنا ليست مخلوقة، والمقصود به ما فوق العالم والرب سبحانه لا يقدر قدره إلا هو سبحانه وتعالى: (( لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ ))[الأنعام:103] ولا العقول. وإذا كان هذا يصرح به ابن رشد مع انتحاله للفلسفة وطريقة أرسطو فكيف بغيره من متكلمة الصفاتية وأئمة الحديث؟ وإن كان ابن رشد يقول هذا في مناهج الأدلة ولا يثبت في مقام المذهب عليه. والواجب على كل مسلم ألا يعتبر دينه ولا سيما القول في أصول الدين بأعيان الرجال ممن تكلم في هذا المقام الذي كثر فيه الخائضون، بل يعتبر ما قاله الله ورسوله عليه الصلاة والسلام وأجمع عليه سلف الأمة، فهذه أصول الحق وموازين الهدى، ومن أصر على اعتبار بعض الأعيان فهنا يقال: قد جعل الله له سبيلاً، فمن يعظم الرازي لتعظيمه للأشعرية فحقه أن يعظم قول أبي الحسن الأشعري نفسه في هذا القول، وقد حكى الإجماع على أن الله فوق سماواته، وأثبت العلو وإن كان له أغلاط في مقام آخر.
وكذا من يعظم علم الكلام فليعتبر المقام بـابن كلاب و الأشعري من المتكلمة المثبتة للعلو، وكذا من يعظم الصوفية وبها يعظم ابن عربي فليعظم ما قاله الجنيد بن محمد، و سهل بن عبد الله، و أبو إسماعيل الأنصاري، وأمثال ذلك. وإن كان هذا يقال قطعاً لمادة الغلط والوهم، فإن كثيراً من الناس ابتلوا بتعظيم الأعيان في مقام الديانة والتعصب لهم، وهذا خلاف تحقيق الاتباع لهدي الرسول صلى الله عليه وسلم، وإلا فإن من وقع له نفي علو الله على الطريقة التي يرتبها الرازي وغيره، ففي علماء المسلمين من يحكي الإجماع على إثبات علو الله سبحانه على الطريقة المعروفة في كلام أهل السنة ، وليس كما فسر الرازي وغيره هذا المذهب به، وقد حكى أحمد بن حنبل و الشافعي و مالك و أبو حنيفة و البخاري و الدارمي و إسحاق وجماعات من الأئمة الإجماع على إثبات أن الله بذاته في السماء، أي: فوق السماوات مستو على العرش بائن من الخلق (( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ))[الشورى:11]. وحكى هذا الإجماع عبد الله بن سعيد بن كلاب، و أبو الحسن الأشعري وأمثالهما من أئمة متكلمة الصفاتية الذين ينتحل الرازي وأمثاله طريقتهم، لكنه يغلط عليهم في هذا المقام.
وتعلم أيها الأخ الكريم! أن من خالف المأثور عن السلف في هذا الباب من طوائف المسلمين راموا صحيحاً لكن لم يصيبوه، أو لم يعبروا تعبيراً فصيحاً، ومن كان هذا مبلغ علمه واجتهاده وإرادته، فإن الله غفر لهذه الأمة غلطها الذي يقع على هذا الوجه، ومنهم من يقع له تقصير وعدوان وتعصب لمقام الأتباع والطائفة، حتى يتكلف رد ما يخالفه من النصوص ، فمثل هذا مخالف للقرآن والسنة متعد لحدود الله، فإن الواجب التسليم لحكم الله ورسوله عليه الصلاة والسلام، ولا يقصد نقص الباري أحد من المسلمين بمقالة يقولها، فهذا لا يقع إلا من زنديق، وإن كان كثير من المقالات حقيقتها النقص. والمقصود أن من يغلط في هذا من أعيان النظار هم على درجات، ومنهم من يغفر له بخلاف من يتعصب لشيء من هذه المقالات حمية وتقليداً، ولا يقدم النظر في أقوال السلف والأئمة وأدلة القرآن، فهذا حرج وإثم.
وأما ما ذكره المجيب عن ابن عربي فإن ابن عربي تصوفه معروف، وبعض المصنفين من الشافعية وغيرهم كانوا يقولون فيه قولاً حسناً، وهؤلاء لم يعرفوا حقيقة مذهبه، فإن مذهب هؤلاء الصوفية القائلين بالوحدة كـابن عربي، و التلمساني العفيف، و الصدر القونوي، و ابن الفارض، و النظام وأمثالهم، وكذا ابن سبعين صاحب الإحاطة، فهؤلاء متفلسفة متصوفة، يقرون الباطنية التي فيها إسقاط قدر الشرائع وأصول الإسلام الظاهرة، وهم وإن أمروا بها فإنها طريقة العامة عندهم بخلاف الخاصة، فهم أصحاب الفناء عن وجود السوى، وهذا مذهب قرره ابن عربي في الفصوص، ويقع إشارة إليه في الفتوحات المكية، وكذا في كلام التلمساني في شرح المنازل للهروي، وكذا في بد العارف لـابن سبعين، و رسالة الألواح، وأمثال ذلك.
وطريقتهم في هذا من جنس طريقة ابن سينا وذويه من باطنية الشيعة المتفلسفة، كما يقع ذلك في كلامه في مقامات التجريد والتشخص التي نسجها في إشاراته، وفي رسالة التعليقات، وأمثال ذلك، وفي الجملة فليس من العدل والصواب أن يذم كل من نسب للتصوف، فقد نسب إليه قوم من فضلاء العباد العارفين من ذوي الأحوال والمقامات الفاضلة، أصحاب السنة والموافقة للشريعة.
وفي الجملة فالتصوف إذا قصد به تفريغ القلب عن محبة غير الله إلى محض محبته، وتقديم طاعته وطاعة رسوله عليه الصلاة والسلام على طاعة غيرهما، والزهد، وأمثال ذلك مما يقع على منهاج النبوة، فهذا حق لا يذم أهله إلا من لم يعرف حقيقة العبادة، وإن كان في اسم الصوفية إجمال واشتراك، وكثير من الناس يذم كل من أضيف للتصوف، وقد أضيف للتصوف قوم لم ينتحلوه، وانتحله قوم فيهم علم وفضل ودين وتنسك ومعهم أغلاط ليست مغلظة، بخلاف تصوف الباطنية المتفلسفة، فهذا مقام شديد.
وفي الجملة فالواجب الأخذ بالقرآن والحديث، والله أكمل لهذه الأمة دينها، وسائر الشريعة من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة موجودة في كلام الله ورسوله عليه الصلاة والسلام بإجماع المسلمين، فلا يسوغ التكلف بطلب الهدى في موارد الافتراق والنـزاع، وكتاب الله وسنة رسوله بين ظهراني المسلمين.
وأما السؤال عن الله بـ: (أين) فهذا سائغ عند السلف، وفي صحيح مسلم (537) من حديث معاوية بن الحكم رضي الله عنه في سياق طويل، وفيه: ( وكانت لي جارية ترعى غنماً لي قبل أحد و الجوانية ، فاطلعت ذات يوم فإذا الذئب قد ذهب بشاة من غنمها، وأنا رجل من بني آدم آسف كما يأسفون، لكني صككتها صكة، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعظم ذلك علي، قلت: يا رسول الله أفلا أعتقها؟ قال: ائتني بها، فأتيته بها، فقال لها رسول الله: أين الله؟ قالت: في السماء، قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله. قال: اعتقها فإنها مؤمنة ).
فهذا سؤال رسول الله صلى الله عليه وسلم وحكمه على الجارية بالإيمان لهذا الجواب، وليس هناك إمام واحد من أئمة الحديث المعروفين بالعلم بالسنن والآثار والإسناد طعن في هذا الحديث لما فيه من السؤال بـ (أين)، بل هذا طريق يسلكه متكلمة المعتزلة وأمثالهم من متكلمة الصفاتية، والحديث تلقي بالقبول عند السلف، وهو موافق للقرآن في قوله: (( أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ ))[الملك:16]، إلى غير ذلك، وقاعدة أهل السنة في الصفات مجملة في قوله تعالى: (( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ))[الشورى:11]، ومن قدر الله حق قدره علم أن إثبات الصفات التي نطق بها القرآن والحديث لا توجب تشبيهاً، فإن من زعم لزوم التشبيه في إثبات العلو أو الرؤية أو غيرها فإن ذلك تحصل عنده من قياس الله بخلقه، والله: (( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ))[الشورى:11]، والمسلمون مجمعون على: (( أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ))[البقرة:231]، وعلمه ليس كعلم المخلوقين، وكذا سائر صفاته.
و من القواعد الفاضلة أن القول في الصفات كالقول في الذات، والقول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر ، ومن ظن أن إثبات صفة لله يسمى المخلوق بها يوجب التماثل فهذا لم يفهم الدلائل العقلية والشرعية، وقد أجمع المسلمون على نعيم الجنة وأن فيها ماءً وخمراً وعسلاً، وليس الماء كماء الدنيا، ولا الخمر في الجنة كخمر الدنيا التي حقيقتها استحالة في المادة إلى الفساد، وأمثال ذلك، فاتفاق الأسماء حال الإطلاق لا يوجب اتفاق المسميات حال الإضافة بإجماع عقلاء بني آدم، والله أعلم.