الرئيسة الفتاوى1422 هـالكفر العملي والكفر الاعتقادي

الكفر العملي والكفر الاعتقادي

رقم السؤال: (4326).
التاريخ: الإثنين 14/ رجب/ 1422 الموافق 01/ أكتوبر/ 2001م.

السؤال :

فضيلة الشيخ: قد أشكلت علينا في نقاشات مع بعض الإخوة مسألة الكفر العملي والكفر الاعتقادي، وقد تلقينا أصل المعرفة بالمسألة من خلال كتابات وأشرطة الشيخ العلامة الألباني، لكن المشكل بالنسبة لنا هو مدى انطباق القاعدة على الحكم بغير ما أنزل الله، وعلى حكام المسلمين في بلادنا وغيرها، وهل كفرهم كفر أكبر أم أصغر، وإذا كان كفرهم كفراً أكبر، فمتى انتقل إليهم هذا الحكم بعد أن كانوا على الأصل؟ ثم هل يسوغ تعيين أسمائهم كما يفعل بعض الإخوة؟ نرجو الإفادة ورفع الإشكال في هذا الموضوع.

الجواب :

أما مسألة الكفر العملي والكفر الاعتقادي فأظن -والله أعلم- أن الشيخ المحدث العلامة محمد ناصر الدين الألباني لم يتقن هذه المسألة جيداً، فحصل له فيها بعض الارتباك. وهذا منغمر في بحر علمه وفضله ، وما من عالم إلا وله زلة ، فالناس في هذه الزلة أصناف: صنف يقبل زلته، ولا يعي خطأها؛ لأنها صدرت من عالم يجله، فيتهيب مخالفته، ونسي أنه يخالفه ليوافق غيره من العلماء، وأنه إن وافقه ربما خالف جماً غفيراً من أهل العلم السابقين واللاحقين. وصنف يشنع عليه بهذه الزلة، ويغشيها، ويعظمها، ينسى الحسنات والفضائل، فيختصر الشيخ بهذه المسألة التي انفرد فيها.
ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها             كفى المرء نبلاً أن تعد معايبه
و لو أن كل من أخطأ في مسألة ردت أقواله وأسقط لما بقي أحد قط، فإنه لا عصمة لأحد بعد الأنبياء.
والصنف الثاني، وهم أهل العدل والإنصاف الذين يجتنبون هذه الزلة ويحذرونها، ويبينونها بأمثل أسلوب، وأضفى عبارة، وأقوم سبيل، ويحفظون للعالم قدره ومنـزلته، ويثنون عليه، ويوالونه في الخير، ويصفونه الود ظاهراً وباطناً، وهذا وإن كان منهجاً واضحاً وسهلاً وصحيحاً، إلا أن كثيراً من الناس يصدفون عنه، ويميلون صوب إحدى الطائفتين، ولزوم الاعتدال من الاعتدال هو مطلب آخر، (( وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ))[فصلت:35]، جعلنا الله وإياك منهم.
والصواب أن الكفر الأكبر كما يكون بالاعتقاد، فإنه يكون بالعمل ، فدوس المصحف عمداً ممن يعلم أنه كلام الله بقصد إهانته من غير إكراه ولا ملابسة لا تفسير له إلا الكفر. والسجود للصنم طائعاً مختاراً عالماً عامداً لا تفسير له إلا الكفر، والتلفظ بأقوال الكفر التي لا تحتمل تأويلاً كسبّ الله ورسوله وكتابه، أو تكذيب الله ورسله، ونحو هذا من عالم عامد بغير إكراه، ولا غلبة سكر ولا حالة نفسية مرضية تتلبس صاحبها، وتجعله يتصرف بلا وعي ولا ضبط لنفسه، مما لا يحتمل تأويلاً غير الكفر.
ولا يوجد في الكتاب ولا في السنة ما يدل على أن الكفر لا يكون إلا بالاعتقاد ؛ لأن الاعتقاد مما لا سبيل له، ولا يعلم حقيقته إلا الله، وإنما العبرة والمؤاخذة بظاهر حال الناس من أقوالهم وأفعالهم، وقد جاء في الصحيح ما يرسم هذه القاعدة، من مثل: ما جاء في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه قام رجل فقال: ( يا رسول الله! اتق الله! قال: ويلك، أولست أحق أهل الأرض أن يتقي الله. قال خالد بن الوليد : يا رسول الله ألا أضرب عنقه؟ قال: لا لعله أن يكون يصلي. فقال خالد : وكم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم ) وفي الحديث الآخر قال صلى الله عليه وسلم: ( إنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض.. ) الحديث. فالعبرة والحكم هو لما يظهر من الناس ويبدو من أفعالهم وأقوالهم، وقد ذكر الله الكفار والمشركين في كتابه من الوثنيين وأهل الكتاب، ووصفهم بالكفر، وبين أسبابه، وهي أقوال وأفعال واعتقادات، وهذا الذي مضى عليه عمل السلف رضي الله عنهم، وإن كانوا لا يجرون هذه القاعدة على الأعيان إلا بعد التحقق والتوثق؛ لأن الحكم على الفعل بكونه كفراً أسهل من الحكم على الشخص المعين، لما يعتري حال الناس من اللبس والاحتمال ، وهذا بمعزل عن تكفير أصحاب المعاصي من الكبائر وغيرها، فإنهم لا يكفرون بمجرد المعصية، ولو كانت كبيرة، إلا أن يستحلوا محرماً معلوماً تحريمه علماً قطعياً، فيكون كفرهم حينئذ كفر اعتقاد، ولو لم يعلموا.