الرئيسة الفتاوى1423 هـالعوامل التي تحث النفوس على العمل الشاق

العوامل التي تحث النفوس على العمل الشاق

رقم السؤال: (8094).
التاريخ: الثلاثاء 02/ شعبان/ 1423 الموافق 08/ أكتوبر/ 2002م.

السؤال :

إن مما يلاحظ في بعض الخطاب القرآني الموجه للمؤمنين أو عنهم عدم ذكر العذاب الدنيوي إلا بألطف العبارات وأوجزها، ولعل هذا لتفادي الهزيمة النفسية التي قد يسببها ذكره بإسهاب، ولفضيلتكم كلام يفيد نحو هذا في محاضرة بعنوان: الحيل النفسية، فمن هذا المنطلق أوجه لفضيلتكم سؤالاً ونصيحة، إذ علمت عنك قبول النصح ولو من مفضول، وكم يثلج هذا صدور المغلوبين، فالنصيحة بخصوص توجيهكم الدائم لنا ببذل الجهود المستمرة الرتيبة التي قد لا ترى ثمرتها قبل زمن ليس بقصير، وأثر هذا في بعض النفوس المؤمنة، وأنقل من أحد مقالاتك، لكنك حين تقول له: واصل دراستك وكن متفوقاً، وخطط لسنوات قادمة لتكون شيئاً مذكوراً في حياة الأمة ومستقبلها لرجع خائباً مكسور الجناح محبطاً.
وأما السؤال فهو: ما هو الأسلوب القرآني في حث النفوس المؤمنة على العمل الشاق، وجعله هيناً سهلاً لا يصعب على طلاب الآخرة؟ والله تعالى أعلم.

الجواب :

أشكرك على نصيحتك، فـ المؤمن للمؤمن مثل اليدين تغسل إحداهما الأخرى.
أما عن العوامل التي تحث النفوس على العمل الشاق، فلعل أهم ما يلاحظ من طريقة القرآن في ذلك هو ربط الإنسان بالدار الآخرة، ووعده بالجنة، فالقرآن الكريم لم يكن يعد الناس بالمطالب الدنيوية العاجلة التي تذهب الإخلاص، وقد تتأخر فيقع للمرء شك وتردد: (( إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ))[التوبة:111]. حتى النصر وعد به أهل الإيمان جملة، لكن ليس وعداً لأفرادهم وآحادهم، حتى رسول الله صلى الله عليه وسلم قيل له: (( فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ * أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ ))[الزخرف:41-42]. وأخبر عن رسل كذبوا وأوذوا ونصروا، وآخرين ماتوا، أو قتلوا: (( وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ))[آل عمران:146]، وكان اليهود يقتلون النبيين بغير الحق. ومن الصحابة من مات لم يأكل من أجره شيئاً، ولم ير لدينه عزاً ولا نصراً، كالذين ماتوا في زمن الاستضعاف في مكة، وفي أول العهد بـالمدينة، أو في الأزمنة المختلفة التي تسلط فيها الأشرار.
وبعض أفراد المسلمين الآن وآحادهم يفترضون أن يروا نصراً عزيزاً ناجزاً، فإذا تأخر شكوا، وترددوا، وتساءلوا: أنى هذا؟ (( قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ))[آل عمران:165]، بل يبلغ الحال ببعضهم إلى الشك في حكمة الله، ويقول: إذا كان هؤلاء مسلمين أخياراً، وأولئك كافرون أشرار، فلماذا ينصر الله هؤلاء؟ ولماذا ينظر أولئك؟ وهذا انهيار لبناء الإيمان القائم على الاعتقاد برب له الخلق والأمر وله الحكمة البالغة، وهو أغير على دينه وعباده، وبإزاء هذا عبد مربوب ضعيف يرضى ويسلم.
وقدم الإسلام لا تقوم إلا على مقام التسليم : (( مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ))[التغابن:11].
ثم هناك من الوسائل: التعاون على البر والتقوى، فإن رؤية الموافقين على الطريق والمنهج تساعد وتعين ، وقد كان الصحابة رضي الله عنهم يبنون المسجد، وينشدون:
لا يستوي من يعمر المساجدا                        يدأب فيها قائماً وقاعداً
ومن يرى عن التراب حائدا
ويقولون:
لئن قعدنا والنبي يعمل            ذاك إذاً للعمل المضلل
ويرددون:
اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة             فاغفر للأنصار والمهاجرة
ونصوص الوحي في الحث على الاجتماع والوحدة، والنهي عن الشتات والفرقة كثيرة معروفة، ومتى توافر الإخلاص وإرادة وجه الله والدار الآخرة، لم ينتظر العبد العاجل من الدنيا، وإن كان لا يلام على محبة النصر والتفوق لدينه لا لشخصه ، قال تعالى: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ))[الصف:10-13]