الرئيسة الفتاوى1422 هـالرد على من يتكلم في العلماء الذين لا ينتمون إلى الجماعات الإسلامية السياسية وبيان أصول الدعوة

الرد على من يتكلم في العلماء الذين لا ينتمون إلى الجماعات الإسلامية السياسية وبيان أصول الدعوة

رقم السؤال: (4225).
التاريخ: الأحد 05/ صفر/ 1422 الموافق 29/ إبريل/ 2001م.

السؤال :

هناك بعض من إخواننا الشباب من الأحزاب الإسلامية يتكلمون عن علمائنا بأنهم لا يتدخلون في السياسة، أو في شئون الدولة من أجل الإصلاح والحكم بما أنزل الله، ويقولون: إن علماءنا لا يتدخلون في أمور الدولة؛ لأنهم إما هم خائفون أو هم علماء سلاطين، وبذلك هم آثمون لعدم خوضهم في هذه الأمور. كيف ندافع عن علمائنا في مثل هذا الحديث؟ وبماذا نرد على مثل هؤلاء الشباب رداً قاطعاً حتى لا يعودوا لمثل هذا الحديث؟ وجزاك الله خيراً.

الجواب :

رسالتكم وصلت وصلكم الله بطاعته، وجعلنا جميعاً ممن يحبهم ويحبونه.
أما ما ذكرت عن بعض الإخوة ممن لهم اشتغال بالعمل الإسلامي وما يذكرونه في مقام بعض أهل العلم، فالذي ندعو إليه إخواننا طلبة العلم والدعاة وشباب الصحوة، بل وسائر أهل الإسلام أن يتخذوا في دعوتهم منهج القرآن وهدي الرسول صلى الله عليه وسلم من التواصي بالبر والتقوى، والتعاون عليه، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والأخذ الشامل للإسلام، وتقديم العناية بأصوله وعصمه الكبار أركان الإيمان بالله، وأركان الإسلام. فهذه العصم مع تربية الأمة -بل والنفس قبل ذلك- على مراقبة الله والإحسان في عبادته، فهذه الأصول العلمية الثلاثة هي التي جاء جبريل عليه السلام يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها، ولما انصرف قال عليه الصلاة والسلام: ( هذا جبريل جاء ليعلمكم دينكم )، وفي رواية: ( ليعلم الناس دينهم )، أخرجاه في الصحيحين فالواجب على دعاة الإسلام العناية بأصول العلم والعمل الذي دعت إليه الرسل، من العبادات الظاهرة والباطنة على ما بينه الله ورسوله، وبيانه للناس وتربية الأمة على ذلك ؛ لما يوجب ذلك من تحقيق الديانة وجمع الكلمة، وهذا هو مقصد الشريعة التي أمر الله العباد بها: (( أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ))[الشورى:13]، فلا بد من العناية بهذين الأصلين. وكثير من الشباب لا يستصحب إلا مقام إقامة الدين، ولا ينظر فيما هو من إقامة الدين في نفس الأمر، وهو: العناية بجمع القلوب والألفة بين المسلمين.
ومما لا شك فيه أن من أصول الإسلام الحكم بما أنزل الله وتطبيق شريعته على عباده، فهذا أصل بإجماع المسلمين، لكن ما يدخله من التقصير والغلط فهذا يقدر بقدره على مقتضى أصول الشريعة وحكمتها، وترك الحكم بما أنزل الله واتخاذ التشريعات الوضعية مما ابتليت به الأمة في زمنها هذا في كثير من بلاد الإسلام، والتقصير في ذلك شائع في بلاد الإسلام اليوم ، ودعاة الإسلام يجب عليهم الدعوة إلى تحكيم الكتاب والسنة، ودفع شبهات العلمانية وغيرها عن أحكام الشريعة، وإبانة لزوم الحكم بحكم الله لخاصة المسلمين وعامتهم، والتزام ذلك في القول والعمل .
لكن هذا المقام الذي شاع التقصير فيه لا يوجب تحويل المشروع الإسلامي الدعوي إلى مشروع سياسي محض خالص، لا يعرف إلا جدول الحركة السياسية، وملاحقة كل من لا يظهر نفس القدر من الاهتمام بهذه المشكلة، فإن الإسلام حُكْم في الأرض، وعبادة لله، وتربية على الدين والأخلاق، فهو مشروع متكامل، الحكم فيه قاعدة رئيسة، لكنه أيضاً تقوى في القلوب، وصدق في الألسنة، وخضوع لله، ومحبة لله ورسوله والمؤمنين، وإحسان إلى عباد الله، وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر، وتحقيق لتوحيد الله سبحانه في عبادته في شتى أنواع العبادة، وتوحيد الله هو أصل الأصول.
ودعاة الإسلام وإن لم يتفق عملهم في هذه المقاصد والمشروعات التي شرعها الله ورسوله لأسباب كثيرة، فإن الذي يلزم هنا أن يتفقوا على العناية بأصول الإسلام: توحيد الله والإيمان به، وتربية الأمة على الخير والديانة والفضيلة والصدق، وأن يتفقوا في ولائهم للإسلام وأهله، وأن يتخذوا النصيحة والدعوة بالتي هي أحسن منهجاً لتصحيح ما يقع من الخطأ والتقصير بين دعاة الإسلام وأهل العلم وشباب الصحوة، وأن يحرصوا على البعد عما يوجب الفرقة والاختلاف والتعاند بين أصحاب العمل الإسلامي، فهذا لا نرى فيه مصلحة للأمة خاصة اليوم، فإن الأمة بحاجة إلى تربية وإعانة على البر والتقوى، ونشر أصول الإسلام وأخلاقه بينها. والتقصير الشائع في الأمة اليوم من أخص أسبابه:
أن كثيراً من الدعاة يشغلون كثيراً من أوقاتهم بما ليس هو الفاضل في الشرع، أو يعرفون باباً ليس لهم قصد في غيره، ويكون هذا الباب فاضلاً لكنه باب واحد، والتنوع في الأمة في كافة مستوياتها من أهم ما يدرك ويعرف، وألا يكونوا كأهل الكتاب كل لا يرى غيره على شيء
.
والذي نتخذه أيها الفاضل: أن من قصد العمل لدين الله والدعوة إليه، مستسلماً لحكم الله ورسوله، وهدي الصحابة وطريقتهم، فهذا ينبغي عذره قدر الإمكان، والإحسان في معاملته، ومراجعته بالحسنى عند ظهور خطئه أو تقصيره، وألا يتجاهل الداعية وطالب العلم المؤثرات المحيطة التي يصحبها غالباً اختلاف في وجهات النظر، بخلاف من مخالفته تقع في أصول الشريعة، أو لا يعتصم بالكتاب والسنة في دعوته، أو يعارض منهج أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذا نوع آخر، وليس هو الأكثر في أهل الإسلام اليوم، وهذا من فضل الله ونعمته.
وتعلم أيها الفاضل أن تربية النفس على الطاعة والإيمان هو أحق الحقوق على العبد، وأخص الطاعة توحيد الله والإيمان به.
ومما ينبغي معرفته أن النفوس إذا ألفت القول في أعيان المسلمين المخالفة في قول، أو رأي، أو تقصير، فهذا مما يكدر النفوس ملاحقته وتتبعه، ويدع في النفس قوة عدوانية وجهلاً وظلماً، ويذهب صفاء الإيمان والمحبة بين المؤمنين، وربما قارن النفس هنا غمط للناس .
هذا فيمن له مقام عمل في الإسلام ودعوة، بخلاف السواد من المسلمين، فشغلهم بمثل هذا عن العبادات التي شرعها الله ورسوله ليس هدياً نبوياً، حتى الاشتغال بأعيان الكفار، وصرف الهم والوقت في سبهم وذمهم، والاشتغال بذلك عن ذكر الله وحمده والثناء عليه، والصلاة والسلام على رسوله، وطاعة الله وطاعة رسوله، وبناء الإيمان في القلب وأمثال ذلك ليس من هدي القرآن ، وقد كان من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم جمهور لا يعرفون أسماء سائر المنافقين، ولم يعلم النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه أسماءهم، إلا ما خص به حذيفة لحكمة شرعية، بل ظاهر القرآن أن النبي صلى الله عليه وسلم نفسه لم يكن يعرف سائر أعيان المنافقين في قوله تعالى: (( وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ... ))[التوبة:101] الآية.
ولو كانت الديانة لا تتحقق إلا بالعلم بأعيانهم لبينه الله لرسوله، وبينه الرسول لأصحابه.
وتمييز الحق من الباطل أصل شريف، لكنه أصل جامع، ومن أخصه: معرفة ما شرع وما لم يشرع، فليس هو قاعدة في الأعيان فقط. وأهل العلم المتبعون لكتاب الله وسنة رسوله في بلاد الإسلام، لهم قدر شريف، وتوقير، وثناء، وحمد في الأمة يجب معرفته لهم ، وأما الاختلاف فالاعتبار هنا بقضاء الله ورسوله، لكن القول الذي يخالف، وهو من مورد الاجتهاد يبقى اجتهاد صاحبه محل اعتبار، ولا يجب على أحد اتباع أحد من بني آدم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك الإجماع إذا انعقد، والمخطئ والمقصر يقال فيه بما يدفع تقصيره ويعينه على ترك الخطأ والتقصير ، فضلاً عن كون كثير من موارد الخلاف كل يهتدي فيها باجتهاد هو الذي أمر به شرعاً، فمثل هذا ذمه والوقوع فيه مخالف لإجماع أهل العلم والنص الصريح في الكتاب والسنة.
هذا ما نراه لكم في هذا المقام، ونسأل الله السداد والتقوى.