الرئيسة الفتاوى1422 هـالمفاضلة بين الأخلاق والعبادات في الإسلام

المفاضلة بين الأخلاق والعبادات في الإسلام

رقم السؤال: (9670).
التاريخ: الإثنين 30/ شوال/ 1422 الموافق 14/ يناير/ 2002م.

السؤال :

في إحدى المناسبات تحدث أحد الإخوة بهذه الكلمة بالنص: سمعت محاضرة للدكتور/ محمد هيثم الخياط، ذكر فيها: أنه سمع الشيخ الغزالي نزيل البقيع تغمده الله برحمته يقول: إن الأخلاق أهم من العبادات في الإسلام، وقد استوقفته هذه العبارة وأدهشته، لولا أن الشيخ سرعان ما استدل لذلك بالحديث الصحيح: ( آية المنافق ثلاث -وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم-: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان ) رواه البخاري، وهو حديث نجد جذوره في كتاب الله: (( فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ ))[التوبة:77]، ولكن الجملة الاعتراضية في الحديث: (وإن صام وصلى) تدل على أن عبادة المنافق لم تشفع له في إخراجه من زمرة المنافقين، لما يعيب شخصيته من مفاسد الأخلاق، فلا عجب إذاً إذا رأينا النبي صلى الله عليه وسلم يلخص الغاية من بعثته المباركة إلى الناس كافة في عبارة واحدة: ( إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق )، ولا عجب إذا أثنى عليه ربه عز وجل في أوائل ما أنـزل عليه من سور: (( وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ))[القلم:4].
ثم بعد ذلك طلب مني هذا الأخ رأيي فيما قال، فقلت له: حسب تصوري الحقيقة إن قولك للناس: (إن الأخلاق أهم من العبادات في الإسلام) قول غير مستقيم وليس بسليم، ثم دار نقاش حول العبادات والأخلاق في الإسلام، ثم طلب مني البحث الدقيق حول هذا، فإن كانت هذه الكلمة التي قالها حقاً قبلناها، وإن كانت باطلاً تركناها، وطلب أيضاً التحقق من شيئين هما: هل هذه الكلمة: (وإن صام وصلى) من نص الحديث؟ وماذا فيها من أقوال؟ حديث: ( إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ) أهم المباحث فيه. فما رأي فضيلتكم في هذه القضية وهذه التساؤلات؟ وهل هناك مراجع تخدم هذه القضية؟ أرجو من فضيلتكم البيان الشافي. بارك الله فيكم وفي علمكم وسدد على طريق الخير خطاكم.

الجواب :

الأخلاق في الإسلام من قواعده وأسسه الضرورية؛ لأنها تتعلق بمعاملة العبد مع ربه ثم مع الخلق ، ولهذا قالت عائشة رضي الله عنها: ( كان خلقه القرآن وفي حديث عند مالك في الموطأ (1723)، وأحمد في المسند (8952)، وغيرهما: ( إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق )، وفي رواية: ( مكارم الأخلاق ) عند البيهقي في السنن الكبرى (10/191).
وهكذا قوله تعالى: (( وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ))[القلم:4] يحتمل هذا العموم، ولهذا اختلف المفسرون فيه، فقال ابن عباس رضي الله عنهما: (دين الإسلام). وقال الحسن : (أدب القرآن). وقيل: الطبع الكريم.
وحقيقة الخلق: ما يأخذ الإنسان نفسه من الأدب حتى يعتاده ويصير كالخلقة له يأتيه عفواً من غير تكلف، وهذا قد يتعزز بقوله تعالى: (( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ ))[العنكبوت:9]، فهم أولاً: عملوا الصالحات وحملوا أنفسهم عليها؛ فأعقب الله ذلك بأن جزاهم على جهادهم بأن أدخلهم في الصالحين، الذين صار الصلاح سجية وطبعاً لهم. وهذه الآية الكريمة هي في سورة العنكبوت التي في أولها ذكر الفتن والجهاد: (( وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ))[العنكبوت:6]، وفي آخرها ذكر العاقبة: (( وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ))[العنكبوت:69].
ومن الخلق ما يتعلق بالتعامل مع الآخرين: كالبر، والحلم، والصدق، وغيرها، وهذه تأتي في القرآن بالوجهين، فتأتي بمعنى التعامل مع الله، وعلى هذا حمل بعض الشراح آية التوبة: (( فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ ))[التوبة:77] أي: يكذبون في وعدهم وقولهم مع ربهم. وهكذا جاء في السنة: ( وإذا وعد أخلف، وإذا حدث كذب ) ، فالمعنى يصلح لهذا ولهذا.
ومن قال: إن الأخلاق أهم من العبادات فعليه أن يوسع مفهوم الأخلاق كما ذكرنا، وأن يطبق مفهوم العبادات، ومن العبادات ما يتعلق بالقلوب، كالحب والخوف والرجاء ونحوها من المعاني الباطنة، والتي تجري مع الأخلاق على سنة الوفاق والتكامل، ويصعب القول بتفضيل بعضها على بعض، والموضع يحتاج إلى حديث أطول من هذا، لكن كتبت لكم هذه التعليقة الموجزة على سبيل الاستعجال.