الرئيسة الفتاوى1428 هـرسالة نجلاء

رسالة نجلاء

رقم السؤال: (124968).
التاريخ: الإثنين 21/ ربيع الأول/ 1428 الموافق 09/ إبريل/ 2007م.

السؤال :

إلى عزيزي الدكتور: سلمان العودة ..
أتمنى أن تتقبل رأيي في مسألة معينة، ففي حين أن كل ما نسمعه ونقرؤه ونراه لا يمجد إلا الآخر، ولا يتكلم إلا عن التحرر من القيود، وأن العقل البشري سلاح جبار لا يعمل إلا بعيداً عن القضبان -كما يسمونها- قضبان الجهل والغيب والدين والخرافة... فالعقل كأي قوة يمكن أن تكون فتاكة ومدمرة، وما هذه القضبان إلا بمثابة كوابح سلامة لا أكثر منسوجة من الوهم.. ذات الوهم الذي عندما أكثرنا من تعاطيه تخدرت عقولنا وسبقتنا شعوب أخرى حطمت كوابح السلامة مفضلة استخدام القوة الهائلة بمخاطرها، وفازت بالمقدمة بينما توقفت بنا كوابحنا -وأهمها الدين- في المؤخرة نستورد فضلات القوة، ونعتقد أننا نعيش في ظلها دون أن تطالها أيدينا..
فهذا القول من الممكن أن يكون نظرية مقنعة -على الأقل هو كذلك بالنسبة للبعض- يجعل لكل نتيجة سبباً ولكل سببٍ مسبباً، مع أنني لم أكن من المؤمنين بها يوماً.. بل على العكس: فإن من أسباب سعادتي أن أجد لها استثناءً يخالفها.. ولوهلة بدا أنك استثناء. ولكن يؤسفني أن أكتشف أنك أيضاً استخدمت الدين كنافذة اجتماعية، ولأنك اخترت أن تكون مفكراً في عالم لم يعترف بالفكر إلا تحت اسم واحد هو الدين؛ عندها رأيت أن تستخدم هذا الاسم على أن تؤدي دور الشيخ المفتي لبعض الوقت، وهو الجزء الذي لا تحبه، ومع ذلك فهو لا يزال ضريبة بسيطة تدفعها مقابل أن تكون مفكراً حراً للبعض الآخر من الوقت، وتمارس متعة كل مفكر، وهي أن ترى أفكارك تنتشر وتتوسع وتتنفس الهواء وأنت تعلم أنها ما كانت لتفعل لولا ستار الدين والمفتي الذي تلعب دوره كارهاً في أوقات أخرى، ومع ذلك فأنت لم تُجِد الدور تماماً!
يكفي أنك عندما تجيب على الأسئلة الفقهية تقلب شفتيك اللتان تعكسان شعوراً غريباً، كنت لأسميه ملل فيلسوف يحتقر الصغائر، حالك في ذلك حال جميع الفلاسفة.. وأنا لا أقول ذلك لأشكك في إيمانك، ولكن لأشكك في من يقول: إنك دليل على اجتماع الدين بالعقل في طريق تكوين قوة.. هذا الشيء لم يوجد.. وإن وجد فهو بالتأكيد ليس فيك.. ولكني مع ذلك كم أتمنى أن أكون مخطئة، فأنا أستمتع بفلسفتك، وأحترم فكرك، وإن كنت مخطئة فعلاً فلا تبخل علي بتصحيحك!!
ابنتك: نجلاء (طالبة جامعية) .

الجواب :

سامحك الله ابنتي نجلاء .. فقد جعلتني أتفحص نفسي مجدداً، وأتلفت إلى يقينياتي.. نعم، أنا معك في جزء مهم مما قلته، وهو أن البعض حولوا الدين إلى تقليد تاريخي أو اجتماعي يصادر العقل والحرية، ويقتل الإبداع، لكن حلمنا الحقيقي هو في إعادة الدين إلى ذاته، واقتباسه من مصادره، ورفض الإضافات البشرية التي طالما سودت صفحته وكدرت نقاءه.
الدين عصمة من التيه والضياع الحتمي للإنسان حين يقطع صلته بالله العظيم ويكتفي بذاته، وحوله التحديات والصعاب، وجيوش الهموم والغموم ومصادر القلق.
الدين سلوى النفس في آلامها            وطبيبها من أدمع وجراح
مناجاة الله ولو لثوان تمنحني طاقة هائلة لا تقدر بثمن، أجدها حين أحتاجها في المصائب والملمات، وفي مدارج الحياة العادية، وأجدها حين تواتيني فرصة للسعادة والهناء فيهجم وحش كاسر من الخوف أو الذكرى؛ لينغص علي سعادتي، فأجد ربي يمنحني الحماية والرضا والعطف، ويمنحني الفرصة بعد الفرصة حتى أكون سعيداً.
الإيمان الحق بالله يحفظ لي توازني حين تضطرب الموازين، فمعرفتي به تجعلني أكشف الزيف الذي يمارس باسم الله، ولأني أعرف أن الله جميل يحب الجمال، ويكره الظلم والإجحاف والتعصب والهوى، وأنه رفيق يحب الرفق في الأمر كله، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، وما لا يعطي على سواه، فالعنف الذي يمارس باسمه سواء كان أسرياً أو اجتماعياً أو سياسياً أو دينياً هو عدوانية شخصانية تتترس بالتدين، والدين رحمة وسماحة.
عرفت الله الذي أصلي بين يديه وأسجد له، وأدري أنه يراني هنا، كما يراني حين أهم بمخالفته، وهو يمهلني المرة بعد المرة، ويمد لي في العافية، وأتوسل إليه أن يكون وراء ذلك مغفرة وعفو، ففضله لا يحد:
توضأ القلب من ظني بأنك غفار وصلى وكانت قبلتي الأمل
دع الهوى لذويه يهلكوا شغفاً أو فاقتل النفس فيه مثل من قتلوا
الكون على مساحته واتساعه أضيق من سم الخياط إذا خلت الحياة من نسمة الإيمان بالله، وأين يذهب المرء من ربه وكل ذرة في كيانه تصيح هاتفة باسم خالقها ومبدعها العظيم..
وكيف يفر المرء عنه بذنبه            إذا كان تطوى في يديه المراحل
أعرف حقاً أن الظروف المحبطة المحيطة، والنماذج السيئة تصد عن سبيل الله، وأن الفهم المؤدلج ضيق سعة الدين، وغيب -أو كاد- المفهوم الإنساني للحياة وللدين معاً، فليكن قدرنا أن نجاهد لتجلية المعنى الجميل للرسالة، وتحقيق النموذج الراقي لها في عالم الإنسان.
وقد جربت الحياة بعض التجريب، وصار مثلي كمثل عبد العزيز بن زرارة الكلابي إذ يقول:
قد عشت في الدهر أطواراً على طرق             شتى فصادفت منه اللين والفظعا
كُلاً لبست فلا النعماء تبطرني             ولا تخشعت من لأوائها جزعا
لا يملأ الهول قلبي قبل موقعه                        ولا أضيق به صدراً إذا وقعا
ما سدَّ مطَّلع يخشى الهلاك به             إلا وجدت وراء الضيق متسعا
الإيمان بالله طريق سهل سمح لكل سالك، وربما صعَّبه أو حال دونه من يظن بأنه يهدي إليه ويدل عليه!
والمرء قد يفكر في قضية ما وهو مكروب محروب فيخلص فيها إلى رأي يتيقنه بعقله وقلبه، فإذا تغيرت حاله، وانفسح أمره، وجاءته البشرى، وفتحت الدنيا فنظر في الأمر ذاته فاستغرب ما كان يظنه يقيناً، وعزف عنه، ومال إلى غيره بقلبه وبعقله، فالفكر والرأي ليس بمعزل عن معاناتنا النفسية والعاطفية.
وقد تتبعت سير بعض الناكبين عن الصراط، فرأيت منهم من ترك التدين، ومنهم من كره المتدينين، ومنهم من ألحد والعياذ بالله، ورأيت أن الأمر في غالبه لا يعدو أن يكون تردياً في حالة نفسية استحكمت بسبب غياب الأنموذج والقدوة التي تمتلك الصبر والاتزان والهدوء الكافي لتقبل الحق وتفرح به: (( قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا ))[يونس:58] ، تفرح به في بيداء الحياة الحارة التي لا يقطعها المرء إلا أن يكون آوياً إلى ركن شديد، ومتصلاً بالقوة الربانية التي هي فوق حدود البشر.
الأنموذج الذي لا يستحضر صورة نمطية سلبية قاتمة بسبب ممارسات اجتماعية أو سياسية أو حركية إسلامية أو حتى معاناة شخصية أسرية، مع علمي بأن الأمر أسهل من ذلك، وأتمنى أن الله برحمته يفيض الإيمان والصدق والشفافية والصفاء على كثير من النفوس ولو كانت عليلة كليلة أو ذات معاناة.
لا أريد أن تفهمي أن الإيمان لا يحصل عليه إلا الندرة من الناس الذين تجردوا من ألوان المعاناة؛ بل المعاناة جزء من الطبيعة البشرية: (( وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ))[البقرة:155]، (( لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ ))[البلد:4]، ولكني أعتقد أنه في ظل ظروفنا الحالية وأوضاعنا نحتاج إلى قدوات حية تتعالى عن الواقع المر وتحرص على إعادة ثقة الأجيال بدينها، بل ثقة الأجيال بنفسها وحاضرها ومستقبلها ، الدين تعزيز للعقل وتحفيز لطاقاته، وليس في الدين ما نخشى من إثارته أو الحديث عنه أو مناقشته، بيد أن فهم الناس وضيقهم وعجلتهم تخيل للإنسان أن الأمر ليس كذلك.
لست أجد حرجاً أن أجادل إنساناً غير مسلم أياً ما كان الموضوع، ولكني أجد الحرج حين يكون المسلم الضعيف رقيباً يبحث عن الأخطاء والزلات والأقوال المحتملة، وكأنه يريد مني أن أنقل للآخرين رؤيته الخاصة عن الإسلام، وليس المعنى العظيم المتضمن في الكتاب والسنة.
انتهيت.. وضاق بي الوقت، والموضوع لا يزال يحتمل المزيد.. فإلى فرصة أخرى.. والسلام.