الرئيسة الفتاوى1421 هـالجمع بين حديث: (لا عدوى ولا طيرة)، وحديث: (لا يورد ممرض على مصح)

الجمع بين حديث: (لا عدوى ولا طيرة)، وحديث: (لا يورد ممرض على مصح)

التاريخ: الأحد 30/ ذو الحجة/ 1421 الموافق 25/ مارس/ 2001م.

السؤال :

ما معنى قوله صلى الله عليه وسلم: ( لا عدوى ولا طيرة ولا صفر ولا هامة )؟ وهل يعتبر هذا الحديث منسوخاً بقوله صلى الله عليه وسلم: ( لا يورد ممرض على مصح )، وبارك الله فيكم، ونفع بكم المسلمين؟

الجواب :

ثبت أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: ( لا عدوى ولا طيرة ) وثبت عنه أنه قال: ( لا يورد ممرض على مصح ) وروى البخاري (5728)، و مسلم (2218) من حديث حبيب بن أبي ثابت قال: سمعت إبراهيم بن سعد قال: سمعت أسامة بن زيد رضي الله عنه يحدث سعداً عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( إذا سمعتم بالطاعون بأرض فلا تدخلوها، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها، فقلت: أنت سمعته يحدث سعداً ولا ينكره؟! قال: نعم ).
واختلف موقف العلماء من هذه الأحاديث إلى أقوال ساقها الحافظ ابن حجر في الفتح (10/158) في تحقيق طويل أذكره باختصار:
الأول: قيل: إن الأمر باجتناب المجذوم منسوخ، قال به جماعة من السلف كما ذكر الحافظ ابن حجر، ومنهم عيسى بن دينار من المالكية، والناسخ له حديث أبي هريرة رضي الله عنه: ( لا عدوى ولا طيرة )، وبما رواه الترمذي (1817)، و أبو داود (3925) من طريق المفضل بن فضالة عن حبيب بن الشهيد عن محمد بن المنكدر عن جابر : ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ بيد مجذوم فأدخله معه في القصعة، ثم قال: كل باسم الله ثقة بالله وتوكلاً عليه )، والحديث منكر، فيه المفضل بن فضالة ضعيف ، وقد خالف ، فقد ذكر الترمذي : أن شعبة روى هذا الحديث عن حبيب بن الشهيد عن ابن بريدة: [ أن عمر رضي الله عنه أخذ بيد مجذوم ]، قال الترمذي: وحديث شعبة أثبت عندي وأصح.
الموقف الثاني: قالوا: إن الأمر باجتنابه والفرار منه على الاستحباب والاحتياط، والأكل معه على بيان الجواز.
الموقف الثالث: قالوا: حمل الحديث على حالتين مختلفتين:
إحداهما: نفي العدوى يكون الخطاب لمن قوي يقينه وصح توكله، بحيث يستطيع أن يدفع عن نفسه اعتقاد العدوى، كما يستطيع أن يدفع التطير الذي يقع في نفس كل أحد، لكن قوي اليقين لا يتأثر به، وعلى هذا يحمل حديث جابر رضي الله عنه في أكل المجذوم من القصعة وسائر ما ورد من جنسه، وحيث جاء: ( فر من المجذوم كما تفر من الأسد ) كان المخاطب بذلك من ضعف يقينه، ولم يتمكن من تمام التوكل، فلا يكون له قوة على دفع اعتقاد العدوى، فأراد بذلك سد باب اعتقاد العدوى عنه بألا يباشر ما يكون سبباً لإثباتها، وقريب من هذا كراهيته للكي مع إذنه فيه، وقد فعل كلا الأمرين؛ ليتأسى به كلا الفريقين.
الموقف الرابع: قالوا: إثبات العدوى في المجذوم ونحوه مخصوص من عموم نفي العدوى، فيكون معنى قوله: ( لا عدوى ) أي: إلا من الجذام والبرص والجرب.. ونحوها.
الموقف الخامس: أن المراد بنفي العدوى أن شيئاً لا يعدي بطبعه، نفياً لما كانت الجاهلية تعتقده أن الأمراض تعدي بطبعها من غير إضافة إلى الله تعالى، فأبطل النبي صلى الله عليه وسلم اعتقادهم ذلك، وأكل مع المجذوم ليبين لهم أن الله هو الذي يمرض ويشفي، ونهاهم عن الدنو منه ليبين لهم أن هذا من الأسباب التي أجرى الله العادة بأنها تفضي إلى مسبباتها، ففي نهيه إثبات الأسباب وفي فعله إشارة إلى أنها لا تستقل، كما جعل النار برداً وسلاماً على إبراهيم عليه السلام.
ويحتمل أن أكله صلى الله عليه وسلم مع المجذوم كان أمراً يسيراً لا يعدي مثله في العادة؛ إذ ليس الجذامى كلهم سواء.
وهناك موقف آخر سلك مسلك الترجيح، وقد سلكه فريقان:
أحدهما: سلك ترجيح الأخبار الدالة على نفي العدوى، وتزييف الأخبار الدالة على عكس ذلك، وبنوا ترجيحهم على أن الأخبار الدالة على نفي العدوى كثيرة وشهيرة، بخلاف الأخبار المرخصة في ذلك، وأما ما رواه مسلم من حديث الشريد رضي الله عنه (2231) قال: ( كان في وفد ثقيف رجل مجذوم، فأرسل إليه النبي صلى الله عليه وسلم: إنا قد بايعناك فارجع )، فليس صريحاً أن ذلك بسبب الجذام.
الثاني: رجح العكس، فردوا حديث: ( لا عدوى ) بأن أبا هريرة رضي الله عنه رجع عنه إما لشكه، أو لثبوت عكسه، فقد روى مسلم (2221): أن أبا سلمة بن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه حدثه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( لا عدوى )، ويحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( لا يورد ممرض على مصح )، قال أبو سلمة: كان أبو هريرة يحدثهما كليهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم صمت أبو هريرة رضي الله عنه بعد ذلك عن قوله: ( لا عدوى )، وأقام على أن: ( لا يورد ممرض على مصح )، قال: فقال الحارث بن أبي ذباب -وهو ابن عم أبي هريرة رضي الله عنه-: قد كنت أسمعك يا أبا هريرة تحدثنا مع هذا الحديث حديثاً آخر قد سكت عنه، كنت تقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لا عدوى )، فأبى أبو هريرة رضي الله عنه أن يعرف ذلك، وقال: ( لا يورد ممرض على مصح )، فما رآه الحارث في ذلك حتى غضب أبو هريرة رضي الله عنه فرطن بالحبشية، فقال للحارث: أتدري ماذا قلت؟ قال: لا، قال أبو هريرة رضي الله عنه: قلت: أبيت، قال أبو سلمة: ولعمري لقد كان أبو هريرة يحدثنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( لا عدوى )، فلا أدري أنسي أبو هريرة رضي الله عنه، أو نسخ أحد القولين الآخر.
والأقرب والله أعلم أن الأمر مركب من قولين:
أ- فهو إشارة إلى أن هذه الأشياء لا تعدي بطبعها كما كان يعتقده أهل الجاهلية، وإنما هو شيء يقع بإذن الله وقدره.
ب- ثم فيه تفصيل بين ما يعدى من الأمراض وما لا يعدي، وهذا معروف طباً وتجربة، فتجنب العدوى هو من الأسباب الداخلة تحت نظام الشريعة، كذلك أكل السم، أو الطعام الخبيث.. أو غير ذلك. والله أعلم.