الرئيسة الفتاوى1422 هـحقيقة الإيمان ومنزلة العمل منه

حقيقة الإيمان ومنزلة العمل منه

التاريخ: الخميس 02/ ذو الحجة/ 1422 الموافق 14/ فبراير/ 2002م.

السؤال :

أرجو من فضيلتكم أن تبينوا لنا هل العمل شرط صحة في مسمى الإيمان أو شرط كمال؟

الجواب :

رزقنا الله جميعاً تحقيق الإيمان، والعلم بالهدى ودين الحق.
ومن حيث سؤالكم عن العمل وهل هو أصل في الإيمان؟ فإن المتقرر عند أهل السنة : أن الإيمان قول وعمل.
هكذا عبر الجمهور من علماء السلف، ومرادهم: قول القلب الذي هو تصديقه وقول اللسان، وعمل القلب الذي هو حركته بهذا التصديق بأعماله المناسبة كالمحبة والخوف والرجاء وعمل الجوارح.
ومن الأئمة من قال: هو قول وعمل ونية.
ومنهم من قال: قول وعمل واعتقاد.
ومنهم من قال: قول وفعل، كما هو تعبير البخاري، وهذا كله خلاف لفظي، وقد حكى الإجماع غير واحد من المتقدمين والمتأخرين على دخول العمل في مسمى الإيمان ، وإخراجه منه من أقوال المرجئة بالإجماع.
وقد وقع في هذا الغلط بعض كبار فقهاء الكوفة، المعروفين بالسنة والجماعة ومقدمهم حماد بن أبي سليمان، وهؤلاء عرفوا بمرجئه الفقهاء.
ثم هل العمل الظاهر -أعمال الجوارح- شرط في صحة الإيمان، أو شرط الكمال الواجب، أي: أنه يصح الإيمان عند عدمه مع القدرة عليه.
فهذه مسألة تكلم فيها المعاصرون كثيراً، وقال من قال: إن مذهب السلف والأئمة أن العمل شرط كمال، فيصح الإيمان مع ترك جنس العمل مع القدرة عليه ويكون فاسقاً، وهذه الحكاية يعلم أنها غلط تام، فإنه تواتر عن كثير من علماء السنة والجماعة المتقدمين تكفير تارك الصلاة، ومقصودهم: الكفر الأكبر بلا خلاف بين المتقدمين، بل حكي القول بكفر تارك الصلاة إجماعاً للصحابة والتابعيين والأئمة، كما حكاه إسحاق بن إبراهيم و أيوب السختياني، ومن المتحقق أنه قول أكثر أهل الحديث، وإن كان ثبوت الإجماع فيه نظر، ليس هذا محل شرحه.
وأثر عن جماعة من السلف كفر تارك الزكاة، بل وكفر تارك الحج والصوم.
وهذه المذاهب في الزكاة أو في سائر المباني الأربعة فيها مناقشة، لكنها تحقق مع مسألة الصلاة غلط من قال: إن مذهب السلف والأئمة أن ترك جنس العمل ليس كفراً، أو أن العمل ليس شرط صحة في جنسه.
فإذا تحقق أن من السلف -بل قيل: هو قول الجماهير، بل حكي إجماعاً- من يكفر تارك الصلاة علم امتناع هذه الحكاية في جنس العمل من باب أولى.
وإن كان المتحقق: أن تارك الصلاة المقر بوجوبها في كفره نزاع بين السلف والأئمة، وتارك الزكاة والحج والصوم من باب أولى، بل لم يحك أحد الإجماع على كفر تارك الزكاة، إلا كفر المقاتلين على تركها، وكذا كفر تارك الصوم والحج، فلم يقل أحد من أهل العلم المعتبرين: إنه إجماع، بل الجماهير على عدم كفره، وهو مذهب جماهير المتقدمين والمتأخرين.
أما العمل الظاهر من حيث جنسه ومجموعه؛ فهو شرط صحة، فترك جنسه وعدمه كفر بإجماع السلف، كما حكاه الإمام سفيان بن عيينة و إسحاق.
قال إسحاق: غلت المرجئة حتى كان قولهم: إن من ترك الصلاة والزكاة والصوم والحج وعامة الفرائض من غير جحود لها لا نكفره، إذ هو مقر، فهؤلاء الذين لا شك أنهم مرجئة.
وترى تحقيق المسألة في كلام الأئمة، وانظر الإيمان لـأبي عبيد، و الشريعة للآجري، و الإيمان للإمام ابن تيمية، والمسألة لها بسط، لكن مما يشار إليه في هذا المقام: أن المسألة يدخلها اللبس، وكثير من صور النزاع هي صور ذهنية، لا وجود لها عند التحقيق كما قرر ذلك الإمام ابن تيمية، فمن هنا لا ينبغي أن تفرق الجماعة ويطعن في أهل العلم بسبب هذه المسألة، بل يذكر فيها الحق، وتبين الأدلة دون طعن وذم، ورمي بالتبديع والتجهيل، وما يقع بين الكثير من الشباب من التعاند الذي يوجب افتراق القلوب، واختلاف النفوس، والتعادي بسبب القول في هذه المسألة؛ فهذا مما لا ينبغي، وليس هو من سنن الأئمة، بل مع بيان الحق في المسألة يجب التعاذر، ومعرفة العفو عمن أخطأ فيها لاجتهاد رآه وظنه كما هو شأن الأئمة، والمخطئ في هذا لا يعد به من أهل البدع المفارقين للسنة والجماعة، ولو كان قوله غلطاً أو بدعة، كما قرره كثيراً الإمام ابن تيمية مذهباً للأئمة المتقدمين، بل مذهباً لسائر أئمة السنة والجماعة في مقالات فوق هذه المسألة.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.