الرئيسة الفتاوى1422 هـتحريف الإنجيل.. والرد على الشبه حول صحته

تحريف الإنجيل.. والرد على الشبه حول صحته

التاريخ: السبت 02/ رمضان/ 1422 الموافق 17/ نوفمبر/ 2001م.

السؤال :

جاءتني رسالة من أحد المواقع النصرانية، ورد فيها العبارة التالية: أما عن برهان كون الإنجيل الآن هو كلام الله؛ فأورد لك ستة عشر دليلاً يمكنك أن تعتمد على أحدها أو على جميعها، ثم تحدث عن الإنجيل: عن تناسق عباراته، وطريقة كتابته، وإعجازه، والتنبؤات التي تحققت، وعن برهان صحته، وعن سلامته من التحريف و التشويه، فهل يمكن أن تتفضلوا بالرد عليها، متشوق لرسالتك، راجياً لكم التوفيق؟

الجواب :

التعليق على هذا الكلام نوجزه في النقاط التالية:
1- لا شك أن الوحي حق، وأن الله يوحي إلى من يشاء من عباده، وهم الرسل الذين تبعث إليهم الملائكة بكلام الله: (( اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ ))[الحج:75]، (( وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ ))[الشورى:51].
فجميع النبوءات قامت على أساس الوحي، يستوي في هذا آدم أبو البشر ثم نوح و إبراهيم و موسى و عيسى و أيوب و يونس و هارون و سليمان و داود و إدريس و يعقوب و يوسف ومحمد صلى الله عليه وعليهم أجمعين.
2- ما معنى أن يؤمن أهل الكتاب بـعيسى ويكفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم؟! وإنما جاءت البشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم على لسان عيسى: (( وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ ))[الصف:6]، وهذه البشارة موجودة في إنجيل برنابا الذي يتواصى النصارى بكتمانه ورفضه.
كما أن محمداً صلى الله عليه وسلم جاء مصدقاً لما سبقه من الكتب، ومخففاً لبعض التشريعات الثقيلة التي جاءت بصفة مؤقتة ولظروف خاصة، ولا تصلح نظاماً دائماً للبشرية: (( وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ))[الأعراف:157]، كما أن عيسى عليه السلام جاء مخففاً لبعض التشريعات الخاصة المؤقتة التي ألزم بها اليهود جزاءً على غدرهم وتلاعبهم وعبثيتهم: (( وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ ))[آل عمران:50].
3- ما يوجد في طي هذه الأقوال من الحقائق العلمية المتطابقة مع الكشوفات الفلكية أو الطبية أو التاريخية المستخلصة من نتائج الأحافير وغيرها؛ فهو مما بقي من هذه الكتب لم تصل إليه يد التحريف؛ ربما لأنه لا يوجد مصلحة تذكر في تحريفها، بينما ثمة مسائل كثيرة يحمل الهوى رجال السياسة فيها على صنع التحريف، ومسائل أخرى يحمل الهوى رجال الدين فيها على التحريف؛ حرصاً على المصالح الدنيوية والحظوظ العاجلة.
فنحن نؤمن أن أصل التوراة و الإنجيل و زبور داود.. وغيرها هي من عند الله، ومن الكتب السماوية المقدسة، ولكن طرأ عليها التحريف وطرأ عليها الضياع.
4- إن القرآن الكريم حافل بالحقائق العلمية التي كانت سراً من الأسرار، وغيباً مستوراً من قبل، حتى نطق بها الرسول الكريم المختار محمد صلى الله عليه وسلم، وتحدث عن تفاصيلها في نظام الكون والأفلاك والنجوم، والسماء والأرض، أو في علم الأجنة وتطور حياة الجنين، أو في الأمور الماضية وأخبارها المطابقة للحال، أو في النبوءات المستقبلية التي حدثت بعده صلى الله عليه وسلم وكان الإخبار عنها آية بينة.
ومن ذلك الخبر عن قتل ابن بنته عليه السلام، والصلح الذي جرى على يد الآخر رضي الله عنهم أجمعين، والخلاف الذي وقع بين أصحابه، ومدة الخلافة التي تدوم بعده، ومدى ما تبلغه دولة الإسلام من النفوذ، والأمم التي سوف يقاتلها المسلمون وتقاتلهم، إلى حد ذكر اليهود وقتالهم في آخر الزمان، وهم الجماعة التي لم يحدث أن اشتبك المسلمون معهم في أي قتال على الإطلاق منذ عهد النبوة إلى العصر الحاضر، وهذا باب يطول.
5- زد على ذلك تميز القرآن الكريم والسنة النبوية بصياغة نظام متكامل للحياة، يؤسس القواعد والأصول التي تنطلق منها الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ويحدد أهمية الإنسان ومركزيته، وحقوقه وواجباته، وأهمية المجتمع، والعناصر التي تقوم على الحياة، والأمراض التي تعتري الفرد والجماعة، وسبل الخلاص منها، وكشف مسارب النفس البشرية وخصائصها بما لا يزال العلم يكشف شيئاً فشيئاً جوانب يسيرة منه.
فضلاً عن الإعجاز البلاغي والبياني الذي بهت أكابر الشعراء والمبدعين، وتحداهم فوقفوا حائرين أن يأتوا بشيء يشبهه أو يماثله.
6- ثم ليحدثنا هؤلاء متى كتب الإنجيل ؟! وما هي اللغة التي كتب بها؟ ومن الذي تولى كتابته؟! إن هذا من البدهيات الموجودة في شأن القرآن الكريم، فنحن نجد في النصوص القديمة كيف كان الرسول صلى الله عليه وسلم يستقبل الوحي، وكيف كان يمليه، ونعلم ويعلم الناس كلهم قطعاً أنه كان باللغة العربية، ونعلم من الذي كان يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم، وبأي الأدوات كانوا يكتبون، وما هي الصحائف والألواح التي كانوا يستخدمون، ولضبط حروفها ونقاطها ووجوهها بالنقل المتواتر الذي لا يعتمد فيه على شخص واحد أو أشخاص قلائل، بل على جمع كبير متنوع يستحيل أن يتفقوا على الكذب.
لكن هذا بالنسبة للأناجيل هو ضرب من الوهم، فلا أحد يعرف متى حدثت كتابتها، ولا بأي لغة كتبت أصلاً، ولا أسماء الذين قاموا بكتابتها، ولا يوجد أي أسانيد متسلسلة يمكن الاعتماد عليها، بل الأحاديث الضعيفة المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم تروى بأسانيد غاية ما فيها أن يكون أحد رواتها ضعيف الحفظ، أو حصل له تخليط في آخر عمره، أو كان فيه بعض الغفلة، فهل يستطيع هؤلاء المدعون أن يثبتوا ما يزعمون أنه كلام الله حتى بهذه الطريقة؟! هيهات.
7- لقد واجهت المسيحية الاضطهاد منذ نشأتها، وفي عصر تدوينها ورواية كتبها، ولذا وقع الاضطراب في الأناجيل بسبب انقطاع أسانيدها الذي يعترفون به جميعاً، إنه لا غرابة في كتب دونت في جو سري مشحون بالتوتر والخوف والمصادرة، ودونت على فترات متباعدة جداً أن تختلط فيها الحقائق بالأساطير، وأن تتسرب إليها تأثيرات المجتمع الروماني وتأثيرات الفلسفة اليونانية.
ومن المقطوع به: أن الأناجيل لم تكن وحياً محضاً، وليست من إملاء المسيح عليه السلام، ولكنها كتبت بعده، ولذلك فهي تشتمل على أخبار يحيى يوحنا المعمدان، وأخبار المسيح عليه السلام وولادته وغرائبها وعجائبها، وما جرى بينه وبين اليهود، وأقواله وخطبه، وفيها أخبار المؤامرة عليه واتهامه ومحاولة قتله، ثم صلبه كما يظنون، وهو ظن الباطل، وفيها قيامته من قبره ومكثه أربعين يوماً، ثم رفعه إلى السماء.
لقد اتفق جمهور دارسي الكتب المقدسة أن إنجيل متى مثلاً كتب بالعبرية أو السريانية، كما اتفقوا على أن أقدم نسخة رائجة عرفت له كانت باليونانية، فمن الذي ترجمه؟ ومتى تمت هذه الترجمة؟ هذا محل خلاف عريض لا يقوم على يقين.
وهكذا الأمر مع إنجيل مرقس و إنجيل لوقا ، أما يوحنا والذي خصص لإثبات ألوهية المسيح وهو إنجيل مزور مكذوب،كما في دائرة المعارف البريطانية التي اشترك في تأليفها خمسمائة من علماء النصارى حيث تقول بالنص: أما إنجيل يوحنا فإنه -لا مرية ولا شك- كتاب مزور، أراد صاحبه مضادة اثنين من الحواريين بعضهما لبعض هما القديسان يوحنا و متى، وقد ادعى هذا الكاتب الممرور أنه هو الحواري الذي يحبه المسيح، فأخذت الكنيسة هذه الجملة على علاتها، وجزمت بأن الكاتب هو يوحنا الحواري، ووضعت اسمه على الكتاب نصاً، مع أن صاحبه غير يوحنا يقيناً، ولا يخرج هذا الكتاب عن كونه مثل بعض كتب التوراة التي لا رابطة بينها وبين من نسبت إليه.
والكلام في هذا يطول ويطلب في مواضعه لمن أراد البحث والتحقيق العلمي، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.