الرئيسة الفتاوى1423 هـحِكَمُ الصيام

حِكَمُ الصيام

التاريخ: الأحد 12/ رمضان/ 1423 الموافق 17/ نوفمبر/ 2002م.

السؤال :

ما الحكمة من الصيام؟ وهل له فائدة؟

الجواب :

شرع الصيام لحكم عظيمة ربما ندرك قليلاً منها، ويخفى علينا أكثرها، فمنها:
أولاً: تحقيق معنى العبودية لله تبارك وتعالى، والاستسلام له، ولهذا كان الصيام أحد أركان الإسلام بالاتفاق، فالإسلام لا يتم إلا بالصيام، والصيام فيه تدريب العبد على الطاعة والامتثال، وتذكيره بأنه عبد لله تبارك وتعالى لا لغيره، ولهذا الله سبحانه وتعالى يأمر في وقت العبد أن يأكل، فلو صام لكان عاصياً -كما في العيد- أو الوصال على الخلاف، وفي أحوال أخرى يأمره سبحانه بالصوم حتى لو أنه أفطر لكان عاصياً، وهكذا تجد هذا يتحقق في الإحرام؛ لأن العبد يمنع من أشياء في الإحرام ويؤمر بها في غيره؛ ليتحقق فيه أشياء كثيرة يتذكر فيها أنه عبد لله سبحانه وتعالى يأتمر بأمره ويقف عند حده، وهذا معنى عظيم لو أن الناس أدركوه وتفطنوا له في عباداتهم لكان أثره ليس مقصوراً على الأركان المعروفة، بل جعل المسلم في أحواله كلها مثل الجندي الملتزم الذي يده على الزناد وهو واقف ومستعد إذا أمر أن يقدم أقدم وإذا أمر أن يحجم أحجم.
ومعنى العبودية لله جل جلاله من أعظم مقاصد الصوم ومقاصد العبادات، وكثير من المسلمين يخلون بهذا المعنى، فقد يلتزمون ببعض العبادات، لكنها فقدت روحها عندهم فأصبحت لا تؤثر فيهم الأثر المطلوب في تحقيق معنى العبودية لله تبارك وتعالى.
ثانياً: أنه يربي العبد على التقوى، ولهذا قال الله جل جلاله: (( لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ))[البقرة:183]؛ لأن الإنسان إذا كان صائماً فرضاً أو نفلاً تذكر أنه لا يشرب ولا يأكل مع أن هذه الأشياء في الأصل مباحة له؛ لأنه مرتبط مع الله سبحانه وتعالى بوعد، فهو ممسك ابتغاء ثواب الله سبحانه، فحينئذ من باب أولى أنه سيكف عن المعاصي التي يعرف أنها محرمة في كل الظروف، وهذا المعنى لو عقله المسلم أنه سر الصيام، ومعناه: أنه كيف يمسك عن الطعام والشراب مع أنهما مباحان في الأصل، ثم يقبل على الغيبة أو النميمة أو قول الزور أو شهادة الزور أو غير ذلك، ولهذا جاء في الحديث الصحيح المتفق عليه: ( من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه )، فالذي ترك قول الزور وترك العمل به ليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه، وإنما معنى الحديث: أن الله جل جلاله لم يشرع الصيام لحاجته إليكم أن تدعوا طعامكم وشرابكم، وإنما شرع الصيام من أجل أن تتدربوا على ترك قول الزور والعمل به، فإذا لم تتركوا قول الزور ولم تتركوا العمل به فأي معنى لصيامكم؟!
فإذا لم يحدث الصيام فيكم هذا المعنى فصيامكم حينئذ غير ذي جدوى؛ لهذه العلة، وهذا معنى لطيف جداً إذا تأملته تجده ظاهراً، فالصوم يربي الإنسان على التقوى وترك المحرمات كلها من الغيبة والنميمة والفحش والبهتان وغيرها من الأخلاق السيئة الرديئة المدمرة للفرد والمجتمع.
ثالثاً: أنه يربي الإنسان على قوة الإرادة، وعلى الصبر كذلك، ولهذا من أسماء الصوم الصبر، ولذلك سمي شهر رمضان شهر الصبر، بل في قول الله جل جلاله: (( وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ ))[البقرة:45] قال بعض المفسرين: المقصود بالصبر هنا الصوم. أي: استعينوا بالصوم والصلاة، وذلك لأن الصوم يربي ملكة الصبر وقوة الإرادة، وكثير من الناس يحتاجون دائماً إلى تقوية في إرادتهم.
ونورد هنا فائدة نفيسة، وهي أن العلماء الذين يتحدثون عن سر النجاح يقولون: إن النجاح يفتقر إلى ثلاثة أشياء:
(1) الرغبة: فكل إنسان يود أن يكون قوياً، وأن يكون ناجحاً، وأن يكون موفقاً وأن يكون غنياً، ونحو ذلك، فالرغبة موجودة عند كل الناس.
(2) القوة أو القدرة: فأكثر الناس عنده عقل لو استخدمه لنجح، وعنده جسم لو استخدمه لنجح، وعنده إمكانيات لو وظفها لنجح، فالقدرة موجودة عند أكثر الناس.
(3) الإرادة: فتقوية إرادة الإنسان من أعظم أسباب النجاح للإنسان في دنياه وفي آخرته، والصوم يقوي الإرادة ويربي الإنسان على تحمل المشاق في أمور الحياة كلها، وهي لا توجد إلا عند الناجحين الذين استطاعوا أن يحققوا هذه الرغبات من خلال استخدام القوة الموجودة لديهم.
رابعاً: أنه يقمع الشهوة، ولهذا جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج... ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء ) فأشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن الصوم يمنع من اندفاع الإنسان إلى الشهوات، وربط بعض أهل العلم هذا الحديث بالحديث الآخر المتفق عليه، وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم ) وفيه زيادة: ( فضيقوا مجاريه بالصوم ) لكن هذه الزيادة باطلة ليس لها أصل، ولا تعرف في شيء من كتب الحديث ، فالصوم يقمع الشهوة، وقد يكون قمع الصيام للشهوة بأنه يضيق المجاري كما يقول بعض العلماء، وقد يكون -وهو الأقرب- أن قمع الصوم للشهوة يكون من خلال تلبس الإنسان بعبادة معينة وارتباطه بها، فهذا يمنعه من الاندفاع والنظر الحرام، ويمنعه من الوقوع فيما حرم الله.
خامساً: الآثار النفسية والبدنية المترتبة عليه، وهي كثير جداً، فقد يتكلم بعض الأطباء عن الصيام وأثره على البدن، وتنظيم الطعام، وأنه نوع من الحمية، وقد يوصي به بعض أهل الطب، ولا شك أن هذه الأشياء من الفوائد التابعة، كما يقال مثل هذا عن الصلاة أو عن الحج أو عن غيرهما، لكن المسلم في الأصل إنما يمتثل هذه الأشياء تعبداً لله جل جلاله وطاعة، حتى ولو لم يكن لها فائدة على بدنه، بل لو كان في العبادة ضرر على البدن لكان على الإنسان أن يفعلها، والله سبحانه وتعالى لم يأمرنا بما فيه ضرر إلا في حالة واحدة، وذلك إذا كان يقابله نفع أعظم منه.