الرئيسة الفتاوى1422 هـحكم تارك الصلاة

حكم تارك الصلاة

التاريخ: الإثنين 14/ رجب/ 1422 الموافق 01/ أكتوبر/ 2001م.

السؤال :

رجل مات ولا أحد شهد أنه صلى، إلا أن هناك بعض أصدقائه من يقول: إنه كان ينوي بدء الصلاة يوم عيد الفطر إلا أن المنية وافته قبل ذلك، فهل يجب قبل إسقاط الحكم -حكم تارك الصلاة- عليه من انتفاء الموانع واستيفاء الشروط؟ ثم ألا يوجد في تاريخ الأمة أخبار عن تعامل الناس عملياً مع إنسان مات، وعرف عنه أنه ما كان يصلي؟

الجواب :

مسألة ترك الصلاة اختلف فيها السلف، فنقل عبد الله بن شقيق أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: [ لم يكونوا يرون شيئاً من الأعمال تركه كفر غير الصلاة ]. وذهب جماعة من الأئمة إلى أنه لا يكفر بعينه إلا بحكم حاكم أو قاض يقضي بكفره عيناً.
والذي نعلمه -كما حكاه ابن قدامة في المغني وغيره- أنه لم يكن المسلمون يأخذون أحداً بمثل هذا، ولم يقتل فيه أحد، ولا حرم الميراث، ولا تركت الصلاة عليه، ولا رفض دفنه في مقابر المسلمين، وإن كان لا يمكن القطع بنفي حصول شيء من هذا البتة، لكن لم يكن هذا معمولاً به، ولم ينقل.
والأصل في المسلم البقاء على الإسلام، ولا ينبغي أن تكون أعراض المسلمين كلأً مباحاً، ولا ميداناً مكشوفاً، فقلّ مسلم إلا وهو يصلي الفينة بعد الفينة، وقد يصلي الجمعة، أو في رمضان، أو في المناسبات، أو في أوقات ترقي الإيمان، أو عند المرض أو ما شابه ذلك، وهذا يمنع من التكفير.
والاطلاع على بواطن الناس أمر متعذر أو متعسر، حتى الزوجة لا تدري ما يقع من زوجها خارج المنزل، والأصحاب قد لا يدرون ما يقع منه داخل المنزل، ولا أحد يدري إلا الله ما فرط منه في غابر زمانه، ولذلك ما زال المسلمون عبر العصور يتناكحون ويتوارثون، ويصلي بعضهم على بعض، ويدفن بعضهم بعضاً، و لم ينقل فيما نعلم -والله أعلم- أن رجلاً من المسلمين رميت جيفته في الصحراء من غير تغسيل ولا تكفين ولا صلاة بحجة أنه تارك للصلاة ، وعلى وجه الخصوص لم يثبت هذا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ولا في عهد الخلفاء الراشدين، بحيث يكون حجة شرعية، أو إجماعاً قائماً.
ومعروف أن أهل السنة يفرقون بين الحكم على الفعل بأنه كفر، أو شرك، أو بدعة، وبين الحكم على المعين، وحكى ابن تيمية إجماعهم على هذا، ولذلك فحتى على القول بكفر تارك الصلاة؛ فلا بد من معرفة معنى الترك، وأنه لا يعني ترك وقت، أو وقتين، أو يوم، أو يومين؟ بل يعني الترك بالكلية، فلا يدخل في ذلك من يصلي ويترك.
ولا بد من توافر الشروط وتحقق الأهلية في المعين، وزوال الموانع والعوارض كالجهل، وقلة العقل، وغيرها.
والأولى الاحتياط بحيث يحجم المرء عن الحكم على الأعيان بالكفر، أو الردة، أو الشرك ما دام ثمة احتمال ولو كان يسيراً، ولا يضره ذلك، وإنما الذي يضر هو الجراءة على المسلمين بالتكفير، ولقد حذر الرسول صلى الله عليه وسلم من ذلك أشد التحذير حتى قال: ( أيما رجل قال لأخيه: يا كافر فقد باء بها أحدهما ) ، وقال في الحديث الآخر: ( ومن دعا رجلاً بالكفر، أو قال عدو الله، وليس كذلك إلا حار عليه ) ، يعني: رجع عليه، وهذا وعيد شديد، وتحذير أكيد.
وإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم قال في الحديث الآخر الصحيح: ( لعن المسلم كقتله ) ، فما بالك بمن يكفره؟! والكفر أشد من اللعن مع ما ورد في القرآن من وعيد القاتل.
فالحزم أن يتقي المرء تكفير الأعيان والأشخاص، ويكتفي بتقرير المسائل عامة، ولا يحكم على فلان أو فلان ما وجد سبيلاً إلى ذلك. أسأل الله أن يصلح أحوالكم، ويأخذ بنواصيكم لما يحب ويرضى.