الرئيسة الفتاوى1421 هـحكم دمى الأطفال وبيان خطورة الدمى الغربية المستوردة في أنموذج دمية (باربي)

حكم دمى الأطفال وبيان خطورة الدمى الغربية المستوردة في أنموذج دمية (باربي)

التاريخ: الأحد 02/ شعبان/ 1421الموافق 29/ أكتوبر/ 2000م.

السؤال :

ما رأيكم في الدمى، ولعب الأطفال؟

الجواب :

ورد في هذا الباب أحاديث:
منها: ما رواه البخاري (6130)، و مسلم (2440) عن عائشة رضي الله عنها قالت: ( كنت ألعب بالبنات عند النبي صلى الله عليه وسلم، وكان لي صواحب يلعبن معي، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل يتقمعن منه فيسربهن إلي فيلعبن معي )، وفي رواية لـمسلم (2440): ( كنت ألعب بالبنات في بيته وهن اللعب ).
ومنها: ما رواه البخاري (1960)، و مسلم (1136)، عن الربيع بنت معوذ قالت: ( أرسل النبي صلى الله عليه وسلم غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار: من أصبح مفطراً فليتم بقية يومه، ومن أصبح صائماً فليصم، قالت: فكنا نصومه بعد، ونصوم صبياننا، ونجعل لهم اللعبة من العهن، فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناه ذاك حتى يكون عند الإفطار ).
ومنها ما رواه أبو داود (4932) من طريق يحيى بن أيوب، قال: حدثني عمارة بن غزية أن محمد بن إبراهيم حدثه عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة رضي الله عنها قالت: ( قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك أو خيبر وفي سهوتها ستر، فهبت ريح فكشفت ناحية الستر عن بنات لـعائشة لعب، فقال: ما هذا يا عائشة ؟! قالت: بناتي، ورأى بينهن فرساً له جناحان من رقاع، فقال: ما هذا الذي أرى وسطهن؟! قالت: فرس. قال: وما هذا الذي عليه؟ قالت: جناحان من رقاع، قال: فرس له جناحان؟! قالت: أما سمعت أن لـسليمان خيلاً لها أجنحة، قالت: فضحك حتى رأيت نواجذه ).
وقد اختلف العلماء في لعب البنات والأطفال هل تباح أم لا؟ على ثلاثة أقوال:
القول الأول: يجوز اتخاذها. مستدلين بالأحاديث السابقة، ومن النظر قالوا: إن اتخاذ لعب البنات يعتبر حاجة ماسة، وأمراً لابد من وجوده، وذلك من أجل تدريب البنات على تربية أولادهن في المستقبل، وتدبير شئون بيوتهن؛ ولأن في ذلك من إدخال الفرح والسرور على قلوب الأطفال، واستئناسهم بها، وذلك يعود على قوة نموهم وحسن نشأتهم البدنية والعقلية.
ولأن هذه التماثيل ليست محلاً للتعظيم، بل إنها عرضة للإهانة في كل لحظة من اللحظات، فهي لعبة كاسمها، ومن ثم لا يخشى من وجود هذا النوع أن يكون طريقاً وذريعة للوثنية والشرك، وإنما يخشى ذلك في الصور التي تكون معظمة مقدسة وهذا القول هو مذهب جمهور العلماء من المحدثين والفقهاء.
فقد ترجم ابن حبان في صحيحه (13/174): ذكر الإباحة لصغار النساء اللعب باللعب وإن كان لها صور.
وترجم النسائي في (السنن الكبرى - 5/305): إباحة الرجل اللعب لزوجته بالبنات.
وترجم أبو داود: باب اللعب بالبنات وهو مذهب الأحناف، والمالكية، والشافعية. وقال القاضي عياض في (إكمال المعلم - 7/447): فيه جواز اللعب بهن، وتخصيصها من الصور المنهي عنها لهذا الحديث، ولما في ذلك من تدريب النساء في صغرهن على النظر لأنفسهن، وبيوتهن وأبنائهن، وقد أجاز العلماء بيعهن وشراءهن ولم يعبروا أسواقها.
وروي عن مالك كراهة شرائها، وهذا عندي محمول على كراهية الاكتساب بها للبائع، وتنزيه أولي المروءات عن تولي ذلك من بيع وشراء، لا كراهة اللعب بهن، وعلى الجواز بلعب الجواري بهن جمهور العلماء. اهـ
وقال القرطبي من المالكية: (14/274): وقد استثنى من هذا الباب -يعني: التصوير- لعب البنات؛ لما ثبت عن عائشة رضي الله عنها: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوجها وهي بنت سبع سنين، وزفت إليه وهي بنت تسع ولعبها معها، ومات عنها وهي بنت ثمان عشرة سنة ) رواه مسلم (1422).
وعنها أيضاً قالت: ( كنت ألعب بالبنات عند النبي صلى الله عليه وسلم، وكان لي صواحب يلعبن معي، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل ينقمعن منه فيسربهن إلي فيلعبن معي ) قال العلماء: وذلك للضرورة إلى ذلك، وحاجة البنات، حتى يتدربن على تربية أولادهن، ثم إنه لا بقاء لذلك، وكذلك ما يصنع من الحلاوة أو من العجين لا بقاء له، فرخص في ذلك، والله أعلم.
وقال الحافظ في الفتح (10/527): استدل بهذا الحديث على جواز اتخاذ صور البنات واللعب من أجل لعب البنات بهن، وخص ذلك من عموم النهي عن اتخاذ الصور، وبه جزم عياض ، ونقله عن الجمهور، وأنهم أجازوا بيع اللعب للبنات لتدريبهن من صغرهن على أمر بيوتهن وأولادهن. ا
القول الثاني: أنه لا يجوز اتخاذ الصور، إلا أن تكون مقطوعة الرأس، أو بلا رأس القول الثالث: أنه يحرم مطلقاً، اختاره المنذري و الحليمي و البيهقي و ابن الجوزي .
وادعوا أن الأحاديث الواردة بإباحة لعب البنات منسوخة بالأحاديث التي وردت بعموم النهي عن الصور والتصوير، انظر فتح الباري (10/527).
وأجيب بأن دعوى النسخ تفتقر إلى ثبوت الناسخ، وتقدم المنسوخ، ولا يمكن ثبوت ذلك بالاحتمال المجرد وعدم التمكن من الجمع بين الدليلين المتعارضين، فإن أمكن الجمع فلا يصار إلى النسخ.
وقد ذهب بعض المعاصرين إلى ترجيح جواز لعب البنات إلا أنه قيد ذلك بكونها من الخرق والعهن والصوف، فإن كانت من البلاستيك فلا تجوز.
والذي يظهر -والله أعلم- أن مادتها ليست هي السبب في الرخصة حتى يقال: إن كانت من شكل العرائس الموجودة الآن فهي حرام، وإن كانت من غير شكل العرائس فهي حلال، وإنما لحظ الشارع حاجة الطفل إلى هذا النوع من اللعب، بصرف النظر عن مادة صناعتها، ثم لو كان هذا مؤثراً لجاء الشارع في تقييده بأن تكون من الخرق، أو من العهن، فهذا بيان واقع لا يقيد النصوص.
ثم إن تحريم الصور هو غالباً من باب تحريم الوسائل، فهو محرم لغيره؛ لأنه قد يكون ذريعة إلى الشرك، وما كان محرماً لغيره قد تبيحه الحاجة، كما أباحت الشريعة الوقوع في ربا الفضل لمجرد التفكه في بيع العرايا، وذلك لكونه محرماً لغيره.
لكن يجب الحذر من اللعب الغربية التي تحاكي صورة الإنسان تماماً، بل وتتكلم، وتضحك، وتبكي، وتحكي ثقافتهم الاجتماعية والفنية، وترتبط بدينهم وتاريخهم وعاداتهم، وهي من أعظم الوسائل تأثيراً في النشء، وتغييراً لمفاهيمه، وسلباً لتميزه.
وقد رأيت أن ألحق بهذا الموضوع تعليقاً مختصراً على الدمية الأمريكية الشهيرة (باربي)؛ ليدرك القارئ حجم الخطورة من هذه التماثيل والدمى المستوردة.
ملاحظات وإيضاحات حول الدمية باربي (barbie)
1- البدايات:
قبل أكثر من أربعين عاماً قامت شركة أمريكية متخصصة بصناعة الألعاب واسمها (مايتل) بإنتاج دمية شقراء اللون، تمثل صورة شابة غربية في العشرينيات من عمرها، ويظهر أن الهدف من إنتاجها كان تجارياً بحتاً.. وحققت الدمية (باربي) نجاحاً تجارياً كبيراً في الولايات المتحدة وبلدان أخرى، مما أغرى الشركة بتوجيه مزيد من العناية باللعبة، واستثمار نجاحها بشكل أفضل.
وقد صادف مع بدايات الثمانينيات الميلادية -وتحديداً في 1981م- أن تولت إدارة الشركة أمريكية شابة تدعى جيل باراد ، والتي قامت بدورها بتنشيط الدعاية لـ(باربي) والتركيز عليها، وإضافة العديد من الأصدقاء والاحتياجات لها ولعائلتها المكونة من شريك حياتها وطفليها وكلبها وقطتها وفرسها.
وقد حققت شركة (مايتل) من مبيعاتها واستثماراتها في (باربي) وما إليها ما لم تحققه أي شركة أمريكية أخرى، حيث قفزت مبيعاتها من 250 مليون دولار في (1985م) إلى أزيد من 1.8 مليار دولار في عام 1998م، محتلةً المكانة الأولى في صناعة الألعاب الأمريكية.
2- لماذا (باربي)؟
لقد نشأت فكرة باربي في مجتمع غربي كافر، ولذا جاءت الدمية مصطبغة بتلك الثقافة ومغذية لها، ولذا ومن منطلق أن لا غرابة أن يدعو كافر إلى كفره؛ فإن (باربي) أصبحت وبأسلوب عملي تلقيني الداعية إلى أخلاقيات وثقافة الغرب المنحرفة، سواءٌ كان ذلك هماً تبشيرياً للشركة المصنعة (مايتل)، أو كان وضعاً فرضته ثقافة المكان والمتمكن.
ثمة ملاحظات:
1- إن الطفل في السنوات الأولى من عمره يتعلم بشكل تلقائي وباستجابة عاطفية مباشرة لأحداث المكان الذي يعيش فيه، وللمؤثرات الطبيعية حوله، وأهمها ألعابه وأدواته، مما يؤثر بشكل مباشر على مستقبل حياته وصياغة شخصيته.
لقد توصلت إحدى الدراسات إلى أن 80% من شخصية الطفل واتجاهاته تتحدد في السنوات الثمان الأولى من عمره.
2- لقد أدركت الشركة المصنعة أهمية الانتقال إلى العالمية لـ (باربي)، فجعلت بعض أصدقائها من السود، بينما جعلت فرسها عربياً وكلبها فرنسياً.. إلخ.
مما يعني رغبة (مايتل) بعولمة الدمية واحتياجاتها، ومحاولتها الدخول إلى قلوب أطفال العالم بالثقافة الأمريكية، ولكن من خلال بعض الاحتياجات والمسميات التي تغري أطفال الأماكن الأخرى.
3- ثقافة وحياة (باربي):
باربي فتاة أمريكية سافرة تعكس حياة الأمريكيات في الثمانينات، لها شريك حياة وليس زوجاً (partner)، وهي كلمة تطلق عادة على الصديق المستمر على صداقته، ولكن قد يعنى بها الزوج أحياناً..
(باربي) لها كلب مدلل، له أماكن خاصة ينام فيها داخل البيت، وله عدة الأكل الخاصة به بالضبط على الطريقة الأمريكية.
(باربي) تحب التعري في الشواطئ، ولها مجموعة واسعة من الملابس والحاجيات الخاصة بالتعري!
(باربي) لها مكتبها الخاص، فهي تعمل في مكتبها الأنيق، ولـديها الكمبيوتر والهاتف الخاص بها.
(باربي) لها ألعابها الرياضية وكل ما يساعدها على أداء تمارينها اليومية.
(باربي) لها صالونها، مطبخها، غرفة نومها، حفلات أعياد ميلادها.. إلخ
4- (باربي) والعالمية:
لا شك أن الدمية غزت أطفال العالم وتمكنت من قلوب الكثير منهم بملابسها الفاضحة، وأشكالها الغربية، وأعياد ميلادها، ومطاعمها الأمريكية.. والواقع أن ذلك لم يرق للكثير من الدول والثقافات الأخرى.
بريطانيا مثلاً -وهي التوأم الثقافي والديني لأمريكا- أنتجت دميتها (ساندي)، حيث لاقت رواجاً لدى البريطانيين، وحرص مصنعوها على أن تعكس القيم والثقافة البريطانية، مصطبغة بخصوصية المكان بريطانيا .
الاتحاد السوفيتي بثقافته الاشتراكية واجه بطريقة مختلفة، حيث تم تصميم دمية تفتح فيكون بداخلها مثلها، ولكن أصغر منها، كناية عن الحمل، وبداخل الصغيرة أصغر منها، وهكذا.. وهم يقولون: إن (ماتروشكا) الشيوعية تقف ولوداً أمام العاقر الأمريكية (باربي).
ودول أخرى مثل ألمانيا كان لها دمى تعكس ثقافات خاصة بها وتاريخاً وأساطير ألمانية.
في البوسنة تم إنتاج الدمية أمينة؛ لتعكس الثقافة البوسنوية، وتقنع الأطفال هناك بثقافة البلد.
أما إيران فقد أنتجت الدمية سارة، وهي الدمية المحجبة التي لاقت نجاحاً كبيراً ليس في إيران فحسب، إنما في الدول الإسلامية الأخرى، وفي الدول الغربية لدى الأقليات الإسلامية هناك، بل ولدى بعض الأطفال الغربيين أنفسهم.
(سارة) دمية لامرأة مسلمة بحجابها، وبيتها، وسجادة صلاتها.
في الدول العربية كان هناك مناداة من قبل بعض المهتمين والتربويين في الجامعة العربية؛ لإنتاج دمية عربية تعكس الثقافة العربية على طريقة الجامعة العربية، وتمثل حياة العرب كما تراها وتريدها الجامعة العربية.
إن (سارة)، بل وحتى (أمينة) ليست في نظرنا خياراً إسلامياً، ولا نرى أنها تحقق مصلحة شرعية، هي تقليد، ولكن متميز عن الدمية الغربية، وهو عندنا داخل في إطار المحظور الشرعي، خصوصاً وأن هذه الدمى تكبر، فترتفع عن كونها لعبة أطفال تتعرض للامتهان وتقتصر على التسلية والتعليم، والله أعلم.