الرئيسة الفتاوى1423 هـحكم الاعتكاف في مسجد لا تقام فيه جمعة

حكم الاعتكاف في مسجد لا تقام فيه جمعة

التاريخ: الأحد 19/ رمضان/ 1423الموافق 24/ نوفمبر/ 2002م.

السؤال :

أريد أن اعتكف في المسجد الذي بجوار بيتي، مع العلم أنه لا تقام فيه الجمعة، فما حكم ذلك؟
وقد ذكر لي بعض زملائي أنه يجوز الاعتكاف حتى في مسجد مهجور، فهل هذا صحيح؟ وهل هناك مكان أفضل من المسجد الذي تقام فيه الجمعة للاعتكاف؟

الجواب :

الاعتكاف في مسجد تقام فيه الجمعة أفضل، وهذا باتفاق الفقهاء؛ لئلا يحتاج إلى الخروج لصلاة الجمعة؛ لأنه إن اعتكف في مسجد غير جامع فهو بين أمرين: إما أن يترك الجمعة وهذا ممنوع، أو يخرج إلى الجمعة وهذا هو المتعين عليه.
والاعتكاف لابد أن يكون في مسجد، وهذا محل اتفاق عند جميع الفقهاء؛ لقول الله تعالى: (( وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ ))[البقرة:187]، (( أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ))[البقرة:125] ولما جاء عن عائشة و علي و ابن عباس وغيرهم رضي الله عنهم أنه [ لا اعتكاف إلا في مسجد ].
وما زاد على كلمة مسجد عليه مؤاخذة واعتراض، فلو كان ممن لا تجب عليه الجماعة كالمعذور عن الجماعة، والمرأة، وكرجل في قرية وحده وعنده مسجد، وهذا المسجد ليس فيه جماعة، ومع ذلك يصح فيه الاعتكاف.
فإذا قيد المسجد بأن تقام فيه الجماعة أبطلنا اعتكاف هؤلاء، مع أن الفقهاء الذين يشترطون أن يكون مسجد جماعة يستثنون مثل اعتكاف المرأة وما لو لم يوجد غيره، وما لو لم تكن الجماعة واجبة في حقه.
فيصح الاعتكاف في كل مسجد، لكن إن كان المعتكف ممن تجب عليه الجماعة فيجب عليه أن يعتكف في مسجد تقام فيه الجماعة؛ لأنه إن ترك الجماعة فقد فعل مسنوناً وترك واجباً، وإن خرج إلى الجماعة في كل وقت فإن خروجه ينافي مقصود الاعتكاف.
ولو أن مجموعة اعتكفوا في مسجد تقام فيه الصلاة جماعة فإنه يصح الاعتكاف حتى لو كان المسجد قبل الاعتكاف وبعده مهجوراً، فإن الصلاة قد أقيمت فيه فصح الاعتكاف فيه؛ لأن من معاني الاعتكاف انتظار الصلاة، كما جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه ( انتظار الصلاة بعد الصلاة ).
وفي المسألة قول آخر للمالكية والشافعية، وهو أنه يصح الاعتكاف في أي مسجد كان، سواء أقيمت الصلاة فيه أو لم تقم.
والأفضل من المسجد الذي تقام فيه الجمعة أن يعتكف في المسجد الحرام، فهو أفضل المساجد لما روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( صلاة في مسجدي هذا -يعني: مسجد المدينة - أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام )، فهذا دليل على أن المسجد الحرام هو أفضل المساجد، يليه مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، ويليهما مسجد بيت المقدس .
والمسجد الحرام جاء فيه حديث عند أحمد و ابن ماجه عن جابر رضي الله عنه: ( وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه ).
ومسجد المدينة جاء فيه أن الصلاة، فيه بألف صلاة كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه عند البخاري.
والمسجد الأقصى جاء فيه أن الصلاة فيه بخمسمائة، وفي رواية أن الصلاة فيه بمائتين وخمسين، وهذه صححها بعض العلماء.
وأفضل المساجد للاعتكاف والصلاة المسجد الحرام، ثم المسجد النبوي، ثم المسجد الأقصى، ثم المسجد الجامع، ثم المسجد الذي تقام فيه الجماعة.
ويصح الاعتكاف في المسجد الجامع غير المساجد الثلاثة: المسجد الحرام، والمسجد النبوي، والمسجد الأقصى، وقد جاء عند عبد الرزاق وغيره ما يدل على أن حذيفة رضي الله عنه كان يرى أنه لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة، وهذا الأثر صححه الألباني مرفوعاً، والمختار أنه موقوف من قول حذيفة رضي الله عنه، فهو رأيه وليس مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم، والمرفوع لا يصح على اختيار المحققين من المحدثين ، وخالفه في هذا ابن مسعود رضي الله عنه فقال: [لعلهم علموا وجهلت، وحفظوا ونسيت].
وما عليه الصحابة والتابعون والأئمة المتبوعون هو الصحيح، وعليه ظاهر الآية الكريمة: (( وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ ))[البقرة:187]، فلم يخصص مسجداً من مسجد، فكل ما صح أنه مسجد جاز الاعتكاف فيه بنص الآية.