الرئيسة الفتاوى1423 هـالحكم بغير ما أنزل الله

الحكم بغير ما أنزل الله

رقم السؤال: (5977).
التاريخ: الأربعاء 06/ محرم/ 1423 الموافق 20/ مارس/ 2002م.

السؤال :

نرجو توضيح مسألة الحكم بغير ما أنزل الله؟

الجواب :

الحكم بغير ما أنزل الله فيه تفصيل:
أ) فقد يكون حكماً في مسألة خاصة لهوى، أو رشوة، أو غرض نفسي، فهذا كفر، وفسق، وظلم، لكنه كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق، فلا يخرج به صاحبه من الملة، ولا يكون به من الكافرين.
ب) وقد يكون بإقامة شرع بديل عن شرع الله، ينصب للناس كافة، ويلزمون به، ويتحاكم إليه في الدماء والأعراض والأموال والأبضاع، وبموجبه يكون التجريم، أو التحريم، أو الثواب، أو العقاب، وتسخّر الإمكانيات لفرضها، وعقاب من خالفها.
فهذا العمل كفر، وفسق، وظلم، كما أطلقت الآية الكريمة في سورة المائدة، وكما في سورة النساء (( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا ))[النساء:60].. الآيات.
وكما في سورة الكهف: (( وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا ))[الكهف:26] .
وكما في سورة الشورى: (( أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ ))[الشورى:21].
وقد توارد على هذا المعنى كلام جماهير أهل العلم من السلف والخلف، بل حكى ابن كثير في التفسير والتاريخ الإجماع عليه وخالف في ذلك بعض المتقدمين من الحنفية وبعض المحدثين والمعاصرين كالشيخ محمد رشيد رضا، والشيخ الألباني.. وغيرهم، هذا واحدة.
والثانية: أن القول بأنه كفر لا يعني الحكم بالكفر على أعيان الأشخاص الذين يفعلونه، فثمة فرق بين الفعل والفاعل، بين الجنس والشخص.
فإنه لا يحكم على مسلم بالارتداد والخروج من الدين، بمجرد وقوعه في فعل حكم بأنه من الكفر، لا، بل يلزم توفر الشروط، وانتفاء الموانع، وقد تكلم الأصوليون في عوارض الأهلية، خصوصاً المكتسبة أو الذاتية كالجهل والخطأ والإكراه .
فللحكم على الشخص المعين لابد من استكمال ثبوت الشروط الشرعية للتكليف، ولابد من زوال العوارض التي تمنع من إمضاء الحكم عليه.
فليس كل من وقع في الكفر حكم على شخصه بأنه كافر، وليس كل من وقع في الفسق حكم على عينه بأنه فاسق، وليس كل من وقع منه البدعة حكم على ذاته بأنه مبتدع، بل قد يكون متأولاً أو جاهلاً أو سكران أو مكرهاً.. إلى غير ذلك.
ولهذا يقول ابن تيمية رحمه الله في كلام له طويل (12/485-500) في مسألة من قال بخلق القرآن: (التكفير له شروط وموانع، قد تنتفي في حق المعين، وأن تكفير المطلق لا يستلزم تكفير المعين، إلا إذا وجدت الشروط، وانتفت الموانع، يبين هذا أن الإمام أحمد وعامة الأئمة، الذين أطلقوا هذه العمومات لم يكفروا أكثر من تكلم بهذا الكلام بعينه.
فإن الإمام أحمد مثلاً قد باشر الجهمية الذين دعوه إلى خلق القرآن، ونفي الصفات، وامتحنوه، وسائر علماء وقته، وفتنوا المؤمنين والمؤمنات، الذين لم يوافقوهم على التجهم، بالضرب والحبس، والقتل والعزل عن الولايات، وقطع الأرزاق، ورد الشهادة.
ومعلوم أن هذا من أغلظ التجهم، فإن الدعاء إلى المقالة أعظم من قولها، وإثابة قائلها، وعقوبة تاركها أعظم من مجرد الدعاء إليها، والعقوبة لقائلها بالقتل أعظم من العقوبة بالضرب.
ثم إن الإمام أحمد دعا للخليفة.. وغيره ممن ضربه وحبسه، واستغفر لهم، وحللهم مما فعلوه به من الظلم، والدعاء إلى القول الذي هو كفر، ولو كانوا مرتدين عن الإسلام لم يجز الاستغفار لهم، فإن الاستغفار للكفار لا يجوز بالكتاب، والسنة، والإجماع).
ثم استرسل رحمه الله بكلام مفيد أدعه الآن؛ لأن له مجالاً آخر، وختم تقريره بقوله: (وإذا عرف هذا، فتكفير المعين من هؤلاء الجهال وأمثالهم، بحيث يحكم عليه بأنه من الكفار، لا يجوز الإقدام عليه، إلا بعد أن تقوم على أحدهم الحجة الرسالية، التي يتبين أنهم مخالفون للرسل، وإن كانت هذه المقالة لا ريب أنها كفر.
وهكذا الكلام في تكفير جميع المعينين، مع أن بعض هذه البدع أشد من بعض، وبعض المبتدعة يكون فيه من الإيمان ما ليس في بعض، فليس لأحدٍ أن يكفر أحداً من المسلمين، وإن أخطأ وغلط، حتى تقام عليه الحجة، وتبين له المحجة.
ومن ثبت إيمانه بيقين لم يزل ذلك عنه بالشك، بل لا يزول إلا بعد إقامة الحجة، وإزالة الشبهة).
وللمسألة عنده بحث آخر في باب حكم المرتد (35/99-104).
فإذا علم هذا، وعلم ما غلب على الناس في هذا العصر من الجهل، والالتباس، والتأويل، والتزيين، والتحجج بالضرورات.. وغيرها، تبين أنه وإن كان الحكم بغير ما أنزل الله على سبيل التشريع والقانون العام الملزم من الكفر، إلا أنه لا يحكم على الأعيان بذلك، بل يكتفي فيه بوصف الفعل، إلا إذا قامت الحجة قياماً لا لبس فيه.
ولعل للحديث صلة في موضوعات أخرى إن شاء الله تعالى.
وتفضلوا بقبول فائق التحية والتقدير والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.