الرئيسة الفتاوى1429 هـالأقوال في كون الحج على الفور أو التراخي

الأقوال في كون الحج على الفور أو التراخي

رقم السؤال: (63046).
التاريخ: السبت 24/ ذو القعدة/ 1429 الموافق 22/ نوفمبر/ 2008م.

السؤال :

هل الحج يجب على الفور أم على التراخي؟

الجواب :

الحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وبعد:
في هذه المسألة قولان للعلماء:
الأول: أن الحج على التراخي.
وهو مذهب الإمام مالك، أو تحصيل مذهبه كما قال القرطبي، وبه قال الشافعي و محمد بن الحسن وجماعة، ولعله مذهب الجمهور وهو الأقرب عندي والأقوى، والله أعلم.
إذاً: القول الأول: هو أن الحج على التراخي وليس على الفور، واستدلوا بأدلة، منها: أن الحج كأنه فرض موسع طول العمر، ولم يرد فيه تحديد بعام معين، ولا بسن معين، ولا ما يدل على ذلك، ومنها بل من أقوى أدلتهم على عدم وجوب الحج على الفور: أن الحج فرض، ثم تأخر الرسول صلى الله عليه وسلم عن الحج، فمتى فرض الحج؟ قال بعضهم فرض الحج في السنة الخامسة من الهجرة، وقيل: في السنة السادسة، وقيل في السابعة، وقيل: في التاسعة.
ورجح ابن القيم و ابن تيمية وجماعة أنه فرض في السنة التاسعة، ولكن هذا فيه بعض النظر؛ لأن الآيات منها ما هو متقدم، وفيها الأمر بالحج، كما في قوله تعالى: (( وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ))[البقرة:196].
وهذا متقدم دون شك، وإن كان ليس نصاً صريحاً في وجوب الحج، لأنه يحتمل معنى إتمام الحج لمن بدأ به كما ذكرنا، لكن عندنا أيضاً حديث أنس بن مالك رضي الله عنه في قصة الأعرابي الذي جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: ( يا محمد أتانا رسولك، وقال: كذا وقال: كذا وقال: كذا، وطفق الرجل يسأل الرسول صلى الله عليه وسلم أنه أمرنا بالإيمان، وأمرنا بالصلاة وأمرنا بالزكاة، وأمرنا بالصوم، وأمرنا بحج بيت الله الحرام )، والحديث في صحيح مسلم (12) وكان قدومه في السنة الخامسة من الهجرة، فهذا يدل على أن الحج فرض متقدماً، وعلى القول بأنه فُرِض في السنة التاسعة، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم إنما حج في السنة العاشرة .
وقد بحث العلماء عن العلل والأسباب في تأخر النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك العام، فقال بعضهم: لأنه انشغل بغيره.
وقال بعضهم: لأنه كان هناك مشركون، وكان هناك كثير من الأشياء التي تحتاج إلى إزالة، فبعث إليها أبا بكر رضي الله عنه .
وقال بعضهم: لأنه لم يكن الحج صادف أيامه المعلومات، لأن العرب كانوا يستخدمون النسيء، فكان الحج في تلك السنة في غير أوان الحج، ثم كانت حجة الوداع، وصادف الحج فيها الأيام التي هي عند الله تعالى أيام الحج، كما في قوله تعالى: (( إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا ))[التوبة:36].. إلى آخر الآيات الموجودة في سورة التوبة: (( إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ ))[التوبة:37] وذكر الرسول صلى الله عليه وسلم هذا في خطبته في حجة الوداع: ( إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض ) فأخذوا من هذا أن من المعاني أن الحج صادف أيام الحج الشرعية الحقيقية عند الله تعالى، في عام حج النبي صلى الله عليه وسلم.
هذا أيضاً فيه نظر؛ لأن الحج يوم يحج الناس، فلو أن الناس أخطئوا كلهم ووقفوا بـعرفة، أو جعلوا يوم العيد غير اليوم الذي هو فيه على الحقيقة، لكان هذا يكفيهم وهو حجهم، ولا يطالبون بأكثر منه، ولكن نقول: إن حج الرسول صلى الله عليه وسلم في السنة العاشرة هو من باب التخفيف على الناس، ورفع المشقة عنهم، ولعل فيه دلالة ظاهرة والله أعلم على أن الحج لا يجب على الفور، وإنما يجب على التراخي، إلا لمن كان ظاهر حاله يدل على أنه قد لا يدرك الحج غير هذا العام.
فمثل هذا قد يتعين عليه أن يحج كالمريض مرضاً مخوفاً، فيخاف ألا يدركه في العام الذي يليه، أو من كبر سنه، ولذلك قال بعضهم: من بلغ الستين ولم يحج فهو آثم.
قالوا هناك فسحة للإنسان أن يؤجل الحج إلى الستين، وهذا ليس عليه دليل، وتحديد الأيام والسنين مما لا يمكن الأخذ به بتقدير بشر، إلا الحجة والدليل الشرعي، ولكن المقصود أن من وُجِد لديه سبب يجعل الحج متعيناً عليه في عام معين، وجب عليه أداؤه.
أما أن يُوجَب على الناس كلهم بمجرد بلوغهم، فهذا فيه بعض الإشكال كما ذكرت، بالإضافة إلى أن كثيراً من الناس أول ما يبلغون لا يكون عندهم من النضج، ولا من العقل، ولا من الفهم، ولا من العلم ما يجعله يحج حجاً مضبوطاً صحيحاً، ولذلك تجد كثيراً منهم يسألون فيما بعد يقول: حججت وأنا سفيه شاب لا أتقن شيئاً، ولا أحسن شيئاً، ووقع مني كذا، وحصل مني كذا، بل بعضهم يحج، فإذا رأى الزحام أطلق لرجليه العنان، وترك الحج ورفضه، وارتكب محظورات عظيمة، وهذا لا يقلل من أهمية حث الشباب على المبادرة للحج، فقد ورد في ذلك أحاديث منها: ( من أراد الحج فليتعجل، فإنه قد يمرض المريض، وتضل الضالة، وتعرض الحاجة ) ولاشك أن المبادرة في الحج أفضل وأولى، وهي الحزم، ومن وجد عنده سبب يدعوه إلى التأخير، وقال: الحج في العام القادم أفضل، أو مع رفقة أحسن، أو يكون قد تعلم أحكام الحج، أو كان يعول أبوين شيخين كبيرين، أو اشتغل ببعض أمور خير، وأجّل الحج لعارض، فهذا إن شاء الله لا تثريب عليه ولا تأثيم إن شاء الله تعالى.
كتبه: سلمان بن فهد العودة.