الرئيسة الفتاوى1421 هـحكم البيعة

حكم البيعة

رقم السؤال: (731).
التاريخ: الأحد 02/ شعبان/ 1421 الموافق 29/ أكتوبر/ 2000م.

السؤال :

كيف نجمع بين كلام أسعد بن زرارة في البيعة لما قال: (رويدكم يا قوم..) إلى آخره. وقد بين لهم رضي الله عنه أن مقتضى البيعة هو بذل النفس والمال في سبيل الله؟
كيف نجمع بين هذا، وبين ما ذكرتموه في بعض أشرطتكم المباركة: من أننا لا نطلب من الناس أثماناً باهظة لتمسكهم بالدين، حتى لا نخسرهم؟
واستفسار آخر هو: كيف نكون وسطاً بين تيار يضحي بلا حكمة، بحثاً عن ثمرة التضحية، وبين تيار يستخدم مصطلح الحكمة؛ ليبرر كل كسل، وليتهرب من أي مسئولية؟

الجواب :

بالنسبة للبيعة -أي بيعة- فهي على حسب مقتضى الشروط بين المتعاقدين أو المتبايعين، ولذلك أدرك العباس بن عبد المطلب أو غيره أنهم يبايعونه على أمر خطير، فيه إزهاق الأنفس، وترميل النساء، وتيتيم الأطفال، ومفارقة الديار، وقتل العرب والعجم.
فهو يريد أن يشد عزائمهم، وأن يذكرهم بأخذ الأمر بجديته وعنفوانه، أو يتخلوا عنه إن كانوا عاجزين، فالأمر جد ليس بالهزل، ولهذا قال قائلهم: ( يا معشر الخزرج، هل تدرون علام تبايعون هذا الرجل؟
قالوا: نعم.
قال: إنكم تبايعونه على حرب الأحمر والأسود من الناس، فإن كنتم ترون أنكم إذا أنهكت أموالكم مصيبة، وأشرافكم قتلاً أسلمتموه فمن الآن، فهو والله إن فعلتم خزي الدنيا والآخرة، وإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه على نهكة الأموال، وقتل الأشراف فخذوه، فهو والله خير الدنيا والآخرة.
قالوا: فإنا نأخذه على مصيبة الأموال وقتل الأشراف، فما لنا بذلك يا رسول الله إن نحن وفينا؟
قال: الجنة.
قالوا: ابسط يدك، فبسط يده فبايعوه
) ].
وهذه الرواية عن ابن إسحاق في السيرة ، ونقلها عنه غيره، وهي مرسلة؛ لأنها من رواية عاصم بن عمر بن قتادة وهو أحد علماء التابعين، قال فيه الذهبي في السير (5/240): وثقه أبو زرعة والنسائي .. وغيرهما، وكان عارفاً بالمغازي، يعتمد عليه ابن إسحاق كثيراً).
لكن على التسليم بصحتها، فأمرها ظاهر، وهو أن العباس رضي الله عنه أراد أن يستوثق منهم في أمر البيعة، والبيعة لا شك أمرها خطير، خاصة حين تكون صفقة يد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو يقول لهم: قبل أن تبايعوا، وما دمتم في زمن السعة والاختيار، فانظروا لأنفسكم، ولا تقدموا على شيء ترون أنكم غير قادرين على الوفاء به.
ولذلك نرى أن البيعة إذا لم تكن واجبة، فبابها باب النذر، وهو إلزام المكلف نفسه بشيء غير لازم عليه في أصل الشرع، وقد يعجز عن الوفاء به، ولذلك ورد النهي عن النذر، كما في حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: ( أخذ رسول الله يوماً ينهانا عن النذر، ويقول: إنه لا يرد شيئاً، وإنما يستخرج به من الشحيح ). .
وفي حديث أبي هريرة: ( لا تنذروا، فإن النذر لا يغني من القدر شيئاً ).. الحديث.
.
وقد اختلف السلف في حكم النذر، وهل النهي في مثل هذا المقام للتحريم أو للكراهة؟ والأقرب أنه للكراهة، لا للتحريم.
هذا ومن المعلوم يقيناً أن الناس يتفاوتون في قدراتهم وطاقاتهم واستعداداتهم.
فمنهم من هو صلب الجنان، قوي النفس جلد صبور، يتوجه للشيء فيعطيه همه ووقته، ويضحي من أجله بالغالي والنفيس.
ومنهم من هو دون ذلك، ومنهم من لا يكاد يبض بقطرة، ويجاهد نفسه على قليل العطاء، فربما غلب نفسه، وربما غلبته.
وهذا يجري في مقام الدعوة، وفي مقام البذل والإنفاق، وفي مقام الجهاد، وفي مقام العبادة، وفي سائر الأمور، و (( هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ))[آل عمران:163].
فوجود فئة باذلة مضحية لدين الله ودعوته في كل زمان ومكان، أمر مطلوب حتماً، ومسئول شرعاً، ومتحقق قدراً، كما شهد بذلك التاريخ والتجربة، وأكده الواقع، وجاءت به النصوص المتواترة.
لكن هذه المقامات السنية العالية، لا يكلف بها عامة الناس؛ لأنها ليست من طاقتهم، بل هم ممن يؤخذ منه العفو، وهو اليسير الذي يأتي بلا تكلف، ويؤمرون بالعرف، ويعرض عن زللهم وسقطهم وجهلهم، وسياسة الناس لا تقوم إلا بمثل هذا.