الرئيسة الفتاوى1422 هـوجه التعميم في خطاب الشيخ سلمان

وجه التعميم في خطاب الشيخ سلمان

رقم السؤال: (14174).
التاريخ: الأربعاء 27/ ربيع الثاني/ 1422 الموافق 18/ يوليو/ 2001م.

السؤال :

فضيلة الشيخ: سلمان العودة السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
أحب أن أكشف لك عن شخصيتي من أول وهلة، وحتى لا تذهب بك الظنون ذات اليمين أو الشمال، أنا شاب من المعجبين بك، وممن يتابع نتاجك العلمي والدعوي والفكري بنهم شديد، ولكنني ولله الحمد لا يمكن أن أتبنى شيئاً إلا بعد الاقتناع العلمي بصحته وصوابه، وأختصر عليك الطريق والكلام فأقول: لقد لاحظت في خطابك الدعوي تعميماً وغموضاً فيما تناقشه من الأفكار، فأنا لم أعد أفهم ماذا تريد أن تصل إليه، ولعلي أذكر آخر نموذج لذلك، وهو مقال: (قواعد في توحيد الكلمة)، ففيه مواضع لا أدري ماذا تقصد بها؛ بسبب التعميم الموجود فيها، مثلاً تقول: لك الغنم وليس عليك الغرم، فمثلاً: إنسان قام بنشاط فيه خلل من وجهة نظرك، فلماذا لا تدرع بالصمت؟ هل هناك نص شرعي يلزمك أن تعطي رأياً شرعياً في كل مسألة؟ فإن نجح العمل فلك منه نصيب، وإن لم ينجح فليس عليك لوم.
المشكلة في هذا الكلام هو التعميم، إذ يمكن تنزيله على كل خطأ وخلل، مثل العمل الذي يكون فيه بدعة صريحة لا يصح السكوت عليها، والنص الشرعي الذي يأمر بالكلام في مثل هذه الحالة، عموم أدلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما يمكن أن ينزل على الخلاف الاجتهادي في الوسائل الذي يسوغ مثله.
وهذه اللغة العامة حسب اجتهادي تثير كثيراً من التساؤلات، التي تجعل الداعية في حيرة، والمتابع لسلوكك الدعوي يجد أنك تنتقد بعض الاجتهادات الدعوية بشكل صريح، مثل نقدك لأعمال المجاهدين، فكيف أفهم التطبيق الصحيح لما تطرحه؟
وتقول في الموضوع نفسه: لسنا أوصياء على الدعوة؛ لأن الله هو الذي يحفظ دينه، وليس معنى ذلك التخلي عن الدعوة، لكن ابذل جهدك ودع الآخرين يبذلون.
ولا يزال شبح التعميم يطارد هذه الفقرة أيضاً، فهذا الكلام صحيح، وممتاز عندما يكون الأمر في مسائل الاجتهاد، أما المسائل العقدية والمنهجية الأساسية كيف يصح القول: اعمل ودع الناس يعملون.
وأين الرد على الباطل والبدع؟ وكيف لا نكون أوصياء على الدعوة من الخلل، الذي يحولها إلى خليط من الانحرافات الفكرية؟
أرأيت يا فضيلة الشيخ لو طبقنا هذا الكلام على محمد علوي مالكي، الذي يدعو إلى عبادة الرسول صلى الله عليه وسلم مع الله تعالى، هل يسوغ الكلام الذي ذكرته في مثل هذه الحالة؟ لا أظن أنك توافق على ذلك.
إذاً: الخطاب العام غير الدقيق لن يستفيد منه الدعاة؛ لأنهم ستختلف تفسيراتهم له، ويصبح أشبه ما يكون بالخطابات السياسية التي يتعمد أصحابها ذلك، وهل غير مناسب في الخطاب الدعوي أن يتبع أصحابه المنهج العلمي، الذي ينبغي لنا أن نسلكه لاسيما في المرحلة القادمة؟
يبدو لي أنه يسيطر على ذهنك وأنت تكتب حالة أهل المدينة ونموذجهم، الذي زكم الأنوف وظهرت ريحته النتنة مع الأسف ثم تعمد إلى التعميم حتى لا تقع في صراع مباشر معهم أو هكذا ترى في أسلوب علاج الأخطاء.
وإذا كان هذا الاحتمال صحيحاً، فإنهم لن يستفيدوا منك شيئاً، وفي المقابل ستكوّن جيلاً غير دقيق العبارة، وستجعل من يدقق في الكلام في حيرة مما تريد، لو لم أطلع على كلام صريح لك في إقرارك بمنهجية الرد على المخالف، لظننت أنك لا تراه بسبب تعميم عباراتكم.
أرجو ثم أرجو ألا تهمل رسالتي، وأنا أعلم أنه تأتيك آلاف الرسائل من كل العالم، ولكن أرجو أن تريح نفسي في تفهيمي الهدف من العمومية في خطابك، هل أنت متعمد أم لا؟ وهل ملاحظتي في محلها أم لا؟ وهل صحيح أنك تستفيد من ملاحظات القراء؟ أنا على أحر من الجمر في انتظار ردك، وأسأل الله أن يوفقك ويبارك في عمرك وجهدك وولدك ومالك ودعوتك؟

الجواب :

أشكرك على رسالتك الطيبة، لكنني أتساءل: هل يجب على الكاتب أو المتكلم أن يحشد جميع الضوابط والتفاصيل في كل مناسبة، أم يكفي أن يذكرها في مواضع، ويسكت في مواضع أخرى اكتفاء بما سبق؟
لقد ذكرت أنت مثالاً وهو الرد على المخالف، وأنك اقتبسته من كلام آخر، ثم ما يتركه المتحدث أو تغفل عنه العبارة يغطيه حسن الظن، واعتدال النظر، والسياق والمناسبة.
ويبقى الكلام قابلاً للتصحيح والاستدراك والتعقيب، هذا طيب ومطلوب.
يمكن أن يلاحظ أن من مقاتل العمل الإسلامي، أن يشعر شاب لا زال في بدء مرحلة التكوين أنه في مقام المراقبة والتصحيح للأعمال، وهذا في الناحية التربوية ليس سليماً، ولا يعني المصير إلى التسليم المطلق مثلاً أو التعصب، لكن اكتمال العلم والعقل وتحصيل النضج لا يتم إلا بزمن، ومهما أوتي الشاب من الذكاء والتوقد والإخلاص، فهو بحاجة إلى صبر وأناة وحلم؛ ليتم له ما أراد، وهذا ما أوردته في موضوع قواعد توحيد العمل.
ذكرت (نقد أعمال المجاهدين)... ألا يعد هذا تعميماً؟ هو عندي منك مقبول؛ لأنني أعرف ما تريد.
ويمكنك فهم بعض الأقوال على ضوء بعضها الآخر، كما مثلت تماماً في مسألة الجهاد، وفقه بعض أعماله، فالأعمال المخالفة لمحكمات الشريعة، أو لما أجمع عليه السلف يجب ردها، والأعمال التي تشتهر وتنشر وتصبح مسئوليتها جماعية عامة يجب الوضوح بشأنها، بحيث لا يلتبس الأمر فيها.
ونقد العمل ليس نقداً لأهله، أنت تقول: هذا لا يجوز، أما الفاعل فقد يكون متأولاً أو معذوراً أو مجتهداً، ومع اجتهاده فقد يكون مصيباً أو مخطئاً.
هناك (وحدة الصف)، وهناك (وحدة الرأي)، وبينهما فرق. شكر الله لك.