الرئيسة الفتاوى1421 هـالأحاديث التي تروى في التسليمة الواحدة من الصلاة

الأحاديث التي تروى في التسليمة الواحدة من الصلاة

رقم السؤال: (2147).
التاريخ: الأحد 02/ شعبان/ 1421 الموافق 29/ أكتوبر/ 2000م.

السؤال :

هل تصح الأحاديث التي تروى في التسليمة الواحدة من الصلاة؟

الجواب :

قد جاءت أحاديث ظاهرها الاكتفاء بتسليمة واحدة، أشهرها عن ثلاثة من الصحابة:
الأول: حديث ابن عمر رضي الله عنهما: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفصل بين الشفع والوتر بتسليمة ويسمعناها )، أخرجه أحمد (2/76)، و ابن حبان (2433-2435)، و الطبراني في (الأوسط 753)، و الخطيب في (التاريخ 12/314)، من طريق أبي حمزة السكري ، عن إبراهيم بن ميمون الصائغ، عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما بنحوه، وبعضهم بلفظ: ( بتسليم يسمعناه )، واقتصر بعضهم على قوله: ( يفصل بين الشفع والوتر ) ولم يزد.
وهذا الحديث معلول من وجوه:
1- تفرد إبراهيم الصائغ عن نافع به مرفوعاً، و إبراهيم ليس ممن يحتمل تفرده.
2- أن مالكاً أخرجه في (الموطأ 1/125) عن نافع، فوقفه على ابن عمر رضي الله عنهما بلفظ: [ أن عبد الله بن عمر كان يسلم بين الركعة والركعتين في الوتر، حتى يأمر ببعض حاجته ]، ومن طريق مالك أخرجه الإمام البخاري في صحيحه (991 مع الفتح)، و الطحاوي في شرح المعاني (1/196)، و البيهقي (1/25).. وغيرهم.
ولا شك أن ما حدث به الإمام مالك عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما موقوفاً هو المحفوظ، إذ هو أجلّ أصحاب نافع وأحفظهم، بل هي السلسلة الذهبية، وهذا يدل على أن إبراهيم الصائغ قد وهم في هذا الحديث.
3- وقد أخرج سعيد بن منصور ، كما في (فتح الباري 2/482)، و ابن أبي شيبة (2/292)، و الطحاوي في (شرح المعاني 1/279) من طريق بكر بن عبد الله المزني قال: [ صلى ابن عمر ركعتين، ثم قال: يا غلام ارحل لنا، ثم قام فأوتر بركعة ].
إذاً: حديث ابن عمر لا يصح رفعه، وإنما هو موقوف كما حدث به اثنان من أجل أصحابه، هما: بكر المزني، وكذا نافع من رواية مالك عنه، وأنه في التسليم بين الركعة والركعتين في صلاة الوتر، الفصل بين الشفع والوتر بسلام، وهو المقصود بقوله: ( تسليم يسمعناه ) أو ( تسليمة )، ولذا لم يفهم الأئمة أن المقصود تسليمة واحدة، بل صرح الطحاوي أنه يحتمل مطلق التسليم، ويحتمل أن المراد بالتسليم التشهد.
الحديث الثاني: حديث أنس ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسلم تسليمة واحدة ) أخرجه الطبراني في (الأوسط 8/225ح - 8473)، (و البيهقي 2/179)، و الضياء المقدسي في (الأحاديث المختارة 6/105ح 2094) من طريق عبد الله بن عبد الوهاب الحجبي، عن عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي، عن حميد، عن أنس مرفوعاً بنحوه.
وهذا الحديث معلول لتفرد الحجبي عن عبد الوهاب برفعه، كما صرح الطبراني بذلك عقب إخراجه، حيث قال: لم يرفع هذا الحديث عن حميد إلا عبد الوهاب، تفرد به الحجبي (الأوسط 8473).
وقد رواه أبو خالد الأحمر عن حميد به موقوفاً على أنس من فعله، ذكره في (المختارة 6/106)، فدل هذا على أن المحفوظ عن حميد عن أنس وقفه لا رفعه، والله الموفق.
الحديث الثالث: حديث عائشة، وقد روي عنها من طريقين:
أ- طريق زهير بن محمد التميمي، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عنها بلفظ: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسلم في الصلاة تسليمة واحدة تلقاء وجهه، ويميل إلى الشق الأيمن شيئاً ) أخرجه الترمذي (296)، و ابن ماجه (919)، و ابن خزيمة (729) و البيهقي (2/179) من طريقين عن زهير بنحوه مرفوعاً.
وهذا الطريق صرح كثير من الأئمة بإعلاله، فقال الترمذي: لا نعرفه مرفوعاً إلا من هذا الوجه، وقال البيهقي: تفرد به زهير بن محمد وروي من وجه آخر عن عائشة موقوفاً، وقال ابن التركماني في تعليقه على البيهقي: قال صاحب الاستذكار: ذكروا هذا الحديث لـابن معين، فقال: عمرو بن أبي سلمة و زهير ضعيفان، ولا حجة فيهما، ونقل ابن حجر العسقلاني عن الدارقطني أنه قال في (العلل): رفعه عن زهير بن محمد عن هشام عن أبيه عنها عمرو بن أبي سلمة، و عبد الملك الصنعاني، وخالفهما الوليد، فوقفه عليه، وقال عقبة: قال الوليد: فقلت لـزهير: أبلغك عن النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم، أخبرني يحيى بن سعيد الأنصاري : (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم …) فتبين أن الرواية المرفوعة وهم، وكذا رجح رواية الوقف الترمذي و البزار و أبو حاتم، وقال في المرفوع: إنه منكر، وقال ابن عبد البر: لا يصح مرفوعاً.. .
ب- طريق بهز بن حكيم عن زرارة بن أوفى، عنها، أثناء حديث طويل، وفيه: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسلم تسليمة واحدة شديدة، يكاد يوقظ أهل البيت من شدة تسليمه ) أخرجه أبو داود (1346-1348)، و أحمد (6/236) من طريقٍ.. عن بهز به، وهذا الطريق معلول أيضاً من جهات:
1- أنه قد تفرد به بهز بن حكيم وليس بالقوي، ولذا وصفه العسقلاني بأنه صدوق، ومثله لا يقبل ولا يحتمل تفرده.
2- أنه قد اختلف فيه على بهز في إسناده، وفي متنه أيضاً مما يوهن روايته.
3- أن هذا الحديث قد أخرجه مسلم (1233)، و أبو داود (1342)، و الترمذي (445)، و النسائي (3/60-199)، و أحمد (6/35/94/109/163/168/258)، و الدارمي (1483) من طرق عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن سعد بن هشام بن عامر، عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم أثناء حديث طويل، وفيه: ( يسلم تسليماً يسمعناه )، ولم يقل: ( تسليمة واحدة ).
ولا شك أن ما رواه مسلم وغيره من هذا الطريق المذكور السالم من الاختلاف على رواته، هو الصحيح المحفوظ إن شاء الله، وأنه لا تصريح فيه بتسليمة واحدة، ولذا صحح هذا الطريق المحفوظ مسلم، وأودعه في صحيحه، وكذا الترمذي، فقال: حسن صحيح.
فتبين من عرض تلك الأحاديث: أنه لا يصح في التسليمة الواحدة من الصلاة، حديث مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم يجب اتباعه، ولهذا صرح الحافظ العقيلي بأنه لا يصح في تسليمة واحدة شيء، نقله الحافظ ابن حجر في (التلخيص 1/188)، وهكذا صح عن الذين نقلوا صلاة النبي صلى الله عليه وسلم: ( أنه كان يسلم عن يمينه وشماله )، وقد يجملون، فيقولون: التسليم، ويعنون به التسليمتين، والله أعلم.