الرئيسة الفتاوى1422 هـإثبات العلو والفوقية لله تعالى

إثبات العلو والفوقية لله تعالى

رقم السؤال: (4345).
التاريخ: الاثنين 14/ رجب/ 1422 الموافق 01/ أكتوبر/ 2001م

السؤال :

وصلتني هذه الرسالة وأرجو التوضيح لي بما يقول المدعو، وكيف أرد على ذلك، جزاكم الله خيراً؟
من فتاوى العقيدة الإسلامية (مسألة في معتقد الحلول والجهة)، سؤال يجيب عليه شيخ الإسلام الإمام الحافظ العلامة شيخ الجامع الأزهر سليم بن أبي فراج البشري المالكي المتوفى سنة (1335هـ) رحمه الله تعالى.
(نص السؤال يرفعه العلامة أحمد بن بدر شيخ معهد بلصفورة)، قال رحمه الله: ما قولكم دام فضلكم في رجل من أهل العلم هنا، من الذين يوصفون بالتفقه في الدين، تظاهر باعتقاد ثبوت جهة الفوقية لله سبحانه وتعالى، ويدعي أن ذلك مذهب السلف، وتبعه على ذلك البعض القليل من الناس، وجمهور أهل العلم ينكرون عليه.. إلخ السؤال؟
(نص جواب شيخ الإسلام سليم البشري): إلى حضرة الفاضل العلامة الشيخ أحمد علي بدر خادم العلم الشريف ببلصفورة، قد أرسلتم بتاريخ 22/ محرم/ سنة 1325هـ مكتوباً مصحوباً بسؤال عن حكم من يعتقد ثبوت الجهة له تعالى، فحررنا لكم الجواب الآتي، وفيه الكفاية لمن اتبع الحق وأنصف، جزاكم الله عن المسلمين خيراً.
اعلم أيدك الله بتوفيقه، وسلك بنا وبك سواء طريقه، أن مذهب الفرقة الناجية، وما عليه أجمع السنيون أن الله تعالى منزه عن مشابهة الحوادث، مخالف لها في جميع سمات الحدوث، ومن ذلك تنزهه عن الجهة والمكان، كما دلت على ذلك البراهين القطعية.
فإن كونه في جهة يستلزم قدم الجهة أو المكان، وهما من العالم، وهو ما سوى الله تعالى.
وقد قام البرهان القاطع على حدوث كل ما سوى الله تعالى، بإجماع من أثبت الجهة ومن نفاها، ولأن المتمكن يستحيل وجود ذاته بدون المكان، مع أن المكان يمكن وجوده بدون المتمكن لجواز الخلاء، فيلزم إمكان الواجب ووجوب الممكن، وكلاهما باطل، ولأنه لو تحيز لكان جوهراً لاستحالة كونه عرضاً، ولو كان جوهراً فإما أن ينقسم، وإما ألا ينقسم، وكلاهما باطل، فإن غير المنقسم هو الجزء الذي لا يتجزأ، وهو أحقر الأشياء تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، والمنقسم جسم وهو مركب، والتركيب ينافي الوجوب الذاتي، فيكون المركب ممكناً يحتاج إلى علة مؤثرة.
وقد ثبت بالبرهان القاطع أنه تعالى واجب الوجود لذاته، غني عن كل ما سواه، مفتقر إليه كل ما عداه سبحانه: (( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ ))[الشورى:11] هذا وقد خذل الله أقواماً أغواهم الشيطان وأزلهم، اتبعوا أهواءهم، وتمسكوا بما لا يجدي، فاعتقدوا ثبوت الجهة تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، واتفقوا على أنها جهة فوق، إلا أنهم افترقوا، فمنهم من اعتقد أنه جسم مماس للسطح الأعلى من العرش.
وبه قال الكرامية و اليهود، وهؤلاء لا نزاع في كفرهم، ومنهم من أثبت الجهة مع التنزيه، وأن كونه فيها ليس ككون الأجسام، وهؤلاء ضلال فساق في عقيدتهم، لإطلاقهم على الله ما لم يأذن به الشارع، ولا مرية أن فاسق العقيدة أقبح وأشنع من فاسق الجارحة بكثير، سيما من كان داعيةً أو مقتدًى به، وممن نسب إليه القول بالجهة من المتأخرين أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي من علماء القرن الثامن، في ضمن أمور نسبت إليه خالف الإجماع فيها عملاً برأيه، وشنع عليه معاصروه، بل البعض منهم كفروه، ولقي من الذل والهوان ما لقي.
وقد انتدب بعض تلامذته للذب عنه وتبرئته مما نسب إليه، وساق له عبارات أوضح معناها، وأبان غلط الناس في فهم مراده، واستشهد بعبارات له أخرى صريحة في دفع التهمة عنه، وأنه لم يخرج عما عليه الإجماع، وذلك هو المظنون بالرجل، لجلالة قدره ورسوخ قدمه.
وما تمسك به المخالفون القائلون بالجهة أمور واهية وهمية، لا تصلح أدلةً عقليةً ولا نقليةً، وقد أبطلها العلماء بما لا مزيد عليه، وما تمسكوا به ظواهر آيات وأحاديث موهمة، كقوله تعالى: (( الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ))[طه:5].
وقوله: (( إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ ))[فاطر:10].
وقوله: (( تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ ))[المعارج:4].
وقوله: (( أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ ))[الملك:16].
وقوله: (( وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ))[الأنعام:18].
وكحديث: ( إنه تعالى ينزل إلى السماء الدنيا كل ليلة )، وفي رواية: ( في كل ليلة جمعة فيقول: هل من تائب فأتوب عليه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ ).
وكقوله للجارية الخرساء: ( أين الله؟ ) فأشارت إلى السماء، حيث سأل بـ (أين) التي للمكان، ولم ينكر عليها الإشارة إلى السماء بل قال: ( إنها مؤمنة ).
ومثل هذه يجاب عنها بأنها ظواهر ظنية، لا تعارض الأدلة القطعية اليقينية الدالة على انتفاء المكان والجهة، فيجب تأويلها وحملها على محامل صحيحة، لا تأباها الدلائل والنصوص الشرعية، إما تأويلاً إجمالياً بلا تعيين للمراد منها، كما هو مذهب السلف، وإما تأويلاً تفصيلياً بتعيين محاملها وما يراد منها، كما هو رأي الخلف، كقولهم: إن الاستواء بمعنى (الاستيلاء) كما في قول القائل:
قد استوى بشر على العراق                         من غير سيف ودم مهراق
وصعود الكلم الطيب إليه قبوله إياه ورضاه به؛ لأن الكلم عرض يستحيل صعوده، وقوله: (مَنْ فِي السَّمَاءِ)، أي أمره وسلطانه، أو ملك من ملائكته موكل بالعذاب، وعروج الملائكة والروح إليه صعودهم إلى مكان يتقرب إليه فيه.
وقوله: (فوق عباده) أي: عال عليهم بالقهر والغلبة، كما يقال: أمر فلان فوق أمر فلان، أي: أنه أقدر منه وأغلب، ونزوله إلى السماء محمول على لطفه ورحمته، وعدم المعاملة بما يستدعيه علو رتبته وعظم شأنه على سبيل التمثيل، وخص الليل؛ لأنه مظنة الخلوة والخضوع وحضور القلب، وسؤاله للجارية بـ: (أين) استكشاف لما يظن بها اعتقاده من أينية المعبود، كما يعتقده الوثنيون، فلما أشارت إلى السماء، فهم أنها أرادت خالق السماء، فاستبان أنها ليست وثنيةً، وحكم بإيمانها.
وقد بسط العلماء في مطولاتهم تأويل كل ما ورد من أمثال ذلك، عملاً بالقطعي، وحملاً للظني عليه، فجزاهم الله عن الدين وأهله خير الجزاء، ومن العجيب أن يدع مسلم قول جماعة المسلمين وأئمتهم، ويتشدق بترهات المبتدعين وضلالتهم، أما سمع قول الله تعالى: (( وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ))[النساء:115].
فليتب إلى الله تعالى من تلطخ بشيء من هذه القاذورات، ولا يتبع خطوات الشيطان، فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر، ولا يحملنه العناد على التمادي والإصرار عليه، فإن الرجوع إلى الصواب عين الصواب، والتمادي على الباطل يفضي إلى أشد العذاب: (( مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا ))[الكهف:17].
نسأل الله تعالى أن يهدينا جميعاً سواء السبيل، وهو حسبنا ونعم الوكيل، وصلى الله تعالى وسلم على سيدنا محمد وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أملاه الفقير إليه سبحانه: سليم البشري خادم العلم والسادة المالكية بالأزهر، عفا الله عنه آمين آمين.
انتهى نص السؤال والجواب نقلاً عن فرقان القرآن للعلامة القضاعي (ص62 ط1- المكتبة الأزهرية)، وعن هامش الدين الخالص (ج1/ص39) للإمام محمود السبكي ط5 الجمعية الشرعية، القاهرة: (( وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ))[المائدة:8].

الجواب :

رسالتكم وصلت وصلك الله بطاعته، وعلمنا وإياكم الحق، وهدانا إلى تحقيقه، أما جواب الشيخ سليم البشري الأزهري في المسألة المذكورة فلابد من تقرير مسائل هنا على طريقة الإشارة والإيجاز:
الأولى: أن يعلم أن المسلمين جميعاً يقرون بأن الله منزه عن مماثلة الخلق، وأنه: (( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ))[الشورى:11].. الآية، وهذه من كليات دين المسلمين، وإن كنا نعلم أن من الطوائف المنحرفة من وقع فيما هو من التشبيه في نفس الأمر.
الثانية: تنزيه الباري عن الحلول في المخلوقات أمر مجمع عليه بين المسلمين، ومن جعل الله في مكان مخلوق فهذا كافر بإجماع علماء المسلمين.
الثالثة: بعد ظهور علم الكلام والفلسفة في المسلمين، حدث في بعض المسائل الإلهية اشتباه ولبس للحق بالباطل، ومن ذلك القول في علو الله على خلقه، فهذا من أصول الدين المصرح بها في الكتاب ومتواتر السنة، وهو مقتضى العقل والفطرة، فإنه سبحانه بائن عن خلقه، على ما يليق بجلاله سبحانه، وإثبات علوه سبحانه وفوقيته على خلقه، وأنه بائن عنهم، وأنه سبحانه في السماء، أي: العلو المباين للمخلوقات، هذا مجمع عليه بين أئمة المسلمين من الصحابة وتابعيهم ومن بعدهم من الأئمة، كـأبي حنيفة، و مالك، و الشافعي، و أحمد.. وغيرهم.
ولم يكن أئمة السلف كهؤلاء وغيرهم يتكلمون بإثبات لفظ الجهة أو نفيه؛ لأنه لم يرد في النصوص الشرعية، والواجب الاقتداء بالنص المصرح بفوقية الباري، كقوله: (( يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ))[النحل:50].. الآية، وأنه في السماء كقوله: (( أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ ))[الملك:16].. الآية، وأمثال ذلك.
وليس معنى أنه في السماء أي: السماوات السبع.. أو غيرها من المخلوقات، فإنه سبحانه منزه عن الحلول في المخلوقات، كيف وقد قال: (( وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ))[البقرة:255] الآية.
وهذا المذهب المبني على النصوص والعقل في هذه المسألة، هو مذهب أهل السنة والجماعة من أئمة الحديث والفقه، وقد كان فضلاء المتكلمين يتابعون أهل السنة عليه كـعبد الله بن كلاب و أبي الحسن الأشعري و أبي بكر الباقلاني .. وأمثالهم، وعليه كبار أصحاب الأئمة الأربعة من الفقهاء والنظار.
وقد كان أول من أبطل هذا القول وعارضه أئمة الجهمية و المعتزلة ، الذين أنكروا علو الرب، وقالوا: ليس له مكان، وقال متفلسفتهم: لا داخل العالم ولا خارجه، ومعلوم أن هذه العبارات التي قالها الجهمية و المعتزلة والمتفلسفة ليست من العبارات المنصوصة في القرآن والحديث، وليس في العقل ما يوافقها، فإن الدليل العقلي القاطع تام في تنزيه الباري عن الحوادث، وهذا حق صحيح، لكنه لا يدل على نفي علو الرب على المخلوقات، بل يدل على أنه منزه عنها، أي: الحلول فيها والافتقار إليها.
وأما نفي ذلك تحت مسمى نفي الجهة والمكان عن الله، فيقال: لفظ الجهة والمكان هما من الألفاظ التي دخلها الإجمال، فهل يراد جهة ومكان مخلوق أم لا؟ فالأول ينزه الباري عنه، أما إن أريد العلو الذي يختص الباري به، فيقال: هذا لم يسم في النصوص جهة ومكاناً فلا يجوز نفيه وإدخاله في هذا الاسم، فإنه إما أن يقال: هذا ليس بجهة ومكان كما هو طريق طائفة من نظار مثبتة العلو، أو يقال: هو جهة عدمية، أي: غير مخلوقة كما ذكره طائفة أخرى من النظار.
ولهذا ترى أن كل اللوازم التي يستدل بها من ينفي العلو والفوقية باسم الجهة لازمة للجهة المخلوقة، كقولهم تستلزم إثبات قديم مع الله.. وأمثال ذلك.
أما إذا أثبت علو الله كما هو في القرآن، ولا يراد به مكان أو جهة مخلوقة، فهذا لا يلزم عليه لازم من هذه اللوازم.
وكيف يسع من يثبت وجوده أن يقول ليس في مكان مخلوق ولا غير مخلوق؟ أو يقول: لا داخل العالم ولا خارجه، فهذا حكم المعدومات، وإنما الذي ينفى عن الباري سبحانه المكان والجهة المخلوقة.
وما ذكره الشيخ سليم البشري هو مذهب الأشعرية المتأخرة، كـأبي المعالي الجويني و الرازي، وقد كان أبو الحسن الأشعري وقدماء أصحابه وابن كلاب، فضلاً عن أئمة السنة والفقه والحديث على خلاف هذا، ويقررون إثبات علو الله، ويعدون نفي ذلك من البدع المنكرة المعروفة عن الجهمية و المعتزلة، وقد انحرف إلى قولهم بعض متأخري الأشعرية ، والشيخ البشري سلك طريقهم.
فالواجب اعتبار العقيدة بالنصوص القرآنية والنبوية، وليس فيها ما يخالف العقل الصحيح، إذا فهمت على وجهها، كما هو طريق الأئمة المعتبرين، ولهذا يجب اتباع النصوص، وترك المراء في الدين والتقليد للشيوخ، ويؤخذ بإجماع الأئمة.
وقد حكى الإجماع على إثبات علو الله على خلقه، وأنه سبحانه في السماء، ولا يراد أنه في سماء مخلوقة، بل فوق سائر خلقه جماعة من الأئمة، كـمالك، و الشافعي، و ابن المبارك، و البخاري، و أبي حنيفة، و أبي الحسن الأشعري، و ابن كلاب، و داود بن علي .. وغيرهم.
ولعلك تراجع ما قرره أبو الحسن الأشعري في الإبانة ، وما قرره في الرسالة إلى أهل الثغر ، وتنظر اعتقاد الأئمة بالروايات المسندة في شرح أصول أهل السنة للالكائي، وتنظر رسائل ابن تيمية كـالحموية و الواسطية.