الرئيسة المقالات1423 هـمرجعية الحرية (1-2)

مرجعية الحرية (1-2)

مفهوم الحرية، يمكن أن يعني حسبما سبق: طلاقة الإرادة البشرية من القسر، أو من هيمنة سلطة عليها سواءٌ كانت سلطة خارجية، أو كانت سلطة داخلية؛ فالسلطة الخارجية قد تكون سلطة سياسية؛ تكمم الأفواه، أو تملي على الناس ما يجب أن يقولوا، وقد تكون سلطة دينية، تحتكر فهم النص أو قراءته، وتصادر حق الآخرين في ذلك، وقد تكون سلطة اجتماعية تفرض على الأفراد الانصياع لأوامرها وقراراتها.
ونعبر عن هذه السلطات بأنها خارجية؛ لأنها من خارج الذات، ومع ذلك فإن هذه السلطات في الأصل لابد منها؛ فلا يتخيل وجود مجتمع بدون سلطة سياسية كما قال الأفوه الأودي :
لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم            ولا سراة إذا جهالهم سادوا
وكذلك مجتمع بدون هوية، بدون دين، بدون قاعدة لا معنى لكونه مجتمعاً ، أي مجتمع بشري لا بد أن يكون لديه مجموعة من الأعراف والعلاقات والروابط المؤثرة في الضبط الاجتماعي والاستقرار الإنساني؛ لكن المحذور أن يتحول هذا الدور إلى نوع من التسلط، أو العدوان على حقوق الآخرين، وهنا لابد أن نستخدم كلمة التوازن في معرفة الضابط بين القدر المشروع من هذه المراقبة أو السلطة، وبين القدر الذي يتعدى حده ليكون عدواناً على إرادة الآخرين وحرياتهم.
هناك النوع الآخر من السلطات، وهو ما يمكن أن نعبر عنه بالسلطة الذاتية، وهو أن لدى الإنسان مجموعة من الطباع، والأخلاق، والركائز الجبلية؛ التي تؤثر في نظرته للأمور، وقراراته؛ كأن يكون شجاعاً، أو متهوراً، أو ضعيفاً متردداً، أو حاداً، أو ليناً.. إلى غير ذلك من الخصال والطبائع المركبة في بني الإنسان، والتي تؤثر في إرادتهم، وتؤثر في قراراتهم، وتؤثر في أحكامهم، وحتى في اختياراتهم الشرعية أحياناً.
إضافة إلى العوامل البيئية، والنفسية، والتاريخية، والمصلحية، ونستطيع أن نقول تأسيساً على هذه المسألة: إن ثمة ما يمكن أن يسمى بمرجعية الحرية على سبيل التجوز في المصطلح لا غير وتتمثل في أربعة أشياء:
أولاً: المرجعية النصية أو الشرعية، أي سلطة النص الشرعي على المؤمنين.
ثانياً: المرجعية العلمية، ونعني بها: العلماء المعبرين عن الشريعة؛ كما سماهم ابن القيم رحمه الله في كتابه: إعلام الموقعين عن رب العالمين .
ثالثاً: السلطة السياسية.
رابعاً: السلطة الاجتماعية.
ففيما يتعلق بالنص، وهو القضية الأولى؛ فإن لكل حضارة في الدنيا أياً كانت مرجعية مقدسة لديها، لا يمكن المساس بها، قد تكون مستمدةً من قيم، أو دين، وقد تكون الحضارة مادية تقدس اللذة أو العقل، أو المادة، أو المصلحة.. أو غير ذلك.
فلا يمكن أن توجد حضارة إلا ولها مرجعية دينية أو ثقافية.
وفي المرجعية النصية، فإن هوية هذه الأمة هي الإسلام، والدين هو أهم المسلمات، وهو اختيار أفراد الأمة ومجتمعاتها، وحتى اختيار أقلياتها.
فإن الشعوب المفتوحة، التي دخلت في الإسلام كالبربر أو الشعوب الإفريقية، أو شعوب مصر ، أو الشام .. أو غيرها ذابت في الإسلام، وتقبلته، وآمنت به، وحملت رسالته، وجاهدت في سبيله.
إننا لا نعرف في تاريخ الإسلام أبداً أن شعباً، أو حتى فرداً دخل في الإسلام بالقسر والإكراه، وفي النص القرآني الكريم يقول الله تعالى: (( لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ))[البقرة:256] ، فلم يكره أحد على الدخول في الإسلام، بل إن من مسلمات الدين أنه لو دخل أحد في الإسلام بواسطة الضغط والإكراه، فإن إسلامه لا يكون صحيحاً عند الله؛ لأنه حينئذ مكره، والمكره لا تتعلق به الأحكام الشرعية ، ولهذا يقول الله سبحانه وتعالى: (( مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ))[النحل:106].
وهذه قضية لا توجد في تاريخ الأمم الأخرى؛ ففي إسبانيا لما سقطت في يد النصارى أقاموا محاكم التفتيش للمسلمين، ووجدت ظاهرة العرب المورسكيين، الذين كانوا يضطرون إلى تغيير دينهم من باب الخوف، وتغيير أسمائهم، ويستخفون ويتعرضون لألوان من المصادرة والقتل والسجن، بينما في التاريخ الإسلامي كله لم توجد مثل هذه الظاهرة، وهذه قضية مهمة جداً تحسب لعظمة هذا الدين وعدالته ومناسبته للشعوب كلها.
فالمقصود أن دين الإسلام هو دين لكل شرائح الأمة: للعرب، والأكراد، والبربر، والعجم، والفرس، دين لجميع الشعوب التي ذابت وتماهت وأصبحت جزءاً من الأمة الجديدة الأمة المسلمة، فالدين هو المرجعية الأصلية والهوية الأساسية لهذه الأمة.
إن الأصول في المرجعية الإسلامية الشرعية ثابتة، والفروع فيها اجتهادية متغيرة، إن النص ثابت وهو القرآن الكريم، وصحيح السنة الثابتة عن الرسول صلى الله عليه وسلم، لكن التفسير محتمل، ليس له قداسة النص، إلا أن يكون تفسيراً قطعياً لا يحتمل الوجوه والتأويلات.
إن الشريعة ثابتة، لكن الفقه اجتهادي، ولذا كان للشافعي قولان، وغيّر تلاميذ أبي حنيفة ثلثي مذهب إمامهم، وتعددت الروايات عن الإمام أحمد في المسألة الواحدة، ولم يكونوا يخرجون بذلك عن كلمة عمر الشهيرة [ ذاك على ما قضينا، وهذا على ما نقضي ]، وقوله لـأبي موسى : [ ولا يمنعنك قضاء قضيته بالأمس ثم هديت فيه إلى رشدك أن تراجع الحق، فإن الحق قديم ].
و [ جاء رجل للإمام أحمد بكتاب قال: سميته: اختلاف العلماء، فقال له الإمام أحمد : لا تسمه: اختلاف العلماء، سمه: كتاب السعة ].
فالمرجعية الشرعية ثابتة، سواء تمثلت في النص المطلق، أو تمثلت في القطعيات التي بنيت على النص كقطعيات الاجتهاد، التي توارثتها الأمة خلفاً عن سلف، ولم يوجد حولها داخل الأمة وخاصةً علماءها وفقهاءها وقراءها أي خلاف أو تعكير أو شغب.
أما المؤسسات التي تعالج وتنتج الحلول والبرامج من هذه النصوص؛ فإنها تخضع للاجتهاد وليس لها القداسة، وليست نقيضاً للتفكير، أو البحث العلمي، أو التطبيق الفني، أو الإبداع الأدبي؛ ولكنها لا تجعل هذه الآليات المتحدث عنها أهدافاً، وإنما تجعلها وسائل لهدف أسمى، وهو الرقي بالأمة وتحقيق ربانيتها والتزامها ومصلحتها.
إننا نجد اليوم من يتحدث عن الإبداع الأدبي، وكأنه نقيض لمسلمات الدين، ويعتدي على مسلمات الأمة بالرواية التي تخاطب الغرائز، أو تصور المجتمع على أنه مجموعة من الانحرافات والشذوذات والأخلاق الفاسدة، كما نجد في رواية: الخبز الحافي أو وليمة لأعشاب البحر أو آيات شيطانية، التي تجعل من مقدس الأمة مادة للسخرية أو العبث.
ما معنى الإبداع الأدبي إذا انفصل عن الأمة، ولم يصب في مصلحتها أو بنائها أو تحقيق أهدافها، بل انشق عليها، وخرج عن نظامها وقانونها؟!
كما أن المسلمات القطعية القائمة في هذه الأمة؛ ليست محل جدل واجتهاد، ولا يمكن إنتاج ثوابت جديدة؛ لتحقن في وريد الأمة ودمها ووجدانها، بل المفترض في الثوابت أنها معلومة بالضرورة، ولا يجوز لأحد أن يعبث بها، أو يجعل ثمة هالة وحالة من الغموض والتردد والشك حولها، وأي نقلة حضارية للأمة يفترض أن تبدأ بتجديد الثوابت؛ لئلا يتحول الأمر إلى صراع داخلي.
إن الثوابت هي القيم والمبادئ التي يقوم عليها وجود الأمة، وتنطلق منها حياتها العلمية والعملية والأدبية؛ فهي أساس النظام السياسي، وهي منطلق المناهج التعليمية، وهي روح الخطة الإعلامية، وهي سر اجتماع هذه الأمة، وسر شخصياتها وأفرادها وطوائفها وشيعها وأحزابها.
إن وجود فرد أو أفراد لا يؤمنون بهذه المرجعية ولا يؤمنون بهوية الأمة ليس مستغرباً؛ فإننا نجد أنه حتى في زمن النبي صلى الله عليه وسلم كان هناك المنافقون أفراداً، أو مجموعات محدودة معزولة، ضعيفة التأثير على مجرى الأحداث، وكانوا يعاملون ظاهراً على أنهم أفراد من ضمن هذه الأمة، لكن فرق بين هذا وبين أن يتحول الشك في القيم والمبادئ والثوابت إلى قاعدة عامة، وإلى خطاب عام، وإلى حوار لا ينتهي على مرأى ومسمع من أفراد الأمة، لو أن إنساناً كان يرفض العمل لوجود أزمة نفسية أو مشكلة أو ضعف أو تحد معين فيرفض العمل، أو يرفض الدراسة، أو يرفض الزواج، أو حتى قل: يرفض الحياة ويشرع في الانتحار؛ فإن هذه تظل حالات محدودة التأثير، لكن لو صارت هذه الحالات مبدءاً عاماً للأمة، ورفض الناس كلهم العمل أو الدراسة أو الزواج، أو قام الناس بحفلة جماعية لعملية انتحار شاملة، لكان هذا كارثة مدمرة للأمة، فإنه لا قيمة للأمة بدون حياتها ، بدون رباط الزوجية، بدون العمل، بدون التفكير، بدون العلم، بدون الدراسة.
السلطة الثانية: هي سلطة المجتمع، ولا شك أن للمجتمع سلطةً لا يمكن تجاوزها، من خلال مجموع العادات والأعراف والمجريات التي تقع فيه، ونجد أن النبي صلى الله عليه وسلم أصَّل ذلك، وأحال إليه في بعض المواضع؛ فإنه ترك بناء الكعبة؛ رعاية لحال الناس وشفقة عليهم، ومنع من قتل المنافقين؛ لئلا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه، ومرر بعض الأشياء المرجوحة؛ لأنها أصبحت راجحة بالنظر إلى مصلحة اجتماعية عامة، تتحقق للأمة من خلالها، لكن هنا لابد من التوازن؛ فإنه لا يعني بحال من الأحوال: أن يتم تجاهل كثير من المصالح الشرعية المعتبرة رعاية لحال الناس، بحيث يكون المجتمع هو المرجعية في القضايا التي ليست من اختصاصه، فليست اجتماعية بحتة، وإنما قد تكون قضايا دينية، أو قد تكون مصلحية لا يدرك هو أبعادها، أو قد يكون المجتمع منشقاً على نفسه، وهنا يصبح ثمة مجال لاختيار الأفضل والأرقى، وتبرز فرصة للتصحيح والاستدراك.
إن في المجتمع ما يسمى بالعادات والتقاليد، وهي جزء من النظام السائد في المجتمع، وجزء من العرف القائم المحترم في الأصل، فليس ما يسمى عادة أو تقليداً مذموماً بذاته أو محموداً، بل منها ما هو صالح لأن يستمر ويدوم؛ لأنه يبنى على مسلمات ثابتة ومستقرة، وهذا كثير، ومنها ما يحتاج إلى إزالة أو تعديل.
ففي المجتمعات الإسلامية ما هو صالح بإطلاق، مثل: الترابط الاجتماعي، وصلة الرحم، وبر الوالدين، وصلة القربى، والإحسان إلى الكبار ورعايتهم، والشفقة على الصغار، والكرم والجود، والفضائل الأخلاقية العريقة العميقة، التي أصبحت جزءاً من معهودات المجتمع وعاداته، وهي في الأصل ذات أصول شرعية دينية إسلامية.
وثمة أشياء صالحة في بعض الأحوال دون بعض، فقد تصلح لظرف ولا تصلح لآخر، وقد تصلح للفقر، ولا تصلح للغنى، وقد تصلح للأمن، ولا تصلح للخوف، وقد تصلح للجهل، ولا تصلح للعلم.
وهذا باب يطول استقصاؤه، ومثاله أنماط الكرم التي يقدمها الناس، فتختلف من حال إلى حال، وقد يكون الكرم في الماضي له تعبير، وفي الحاضر له تعبير آخر مختلف.
ومن العادات والأعراف -ما هو سيئ، وربما يكون منابذاً للشريعة، لكن يحتاج في الخلاص منه إلى نوع من الحصافة والحنكة والوعي؛ لئلا يتحول تغييره إلى مشكلة أكبر، أو يكون تغييره سبباً في ترسيخه وتدعيمه، و عادة ما تكون الانقلابات غير المدروسة سبباً في نتائج عكسية.
ومن العادات والتقاليد -وهو الأكثر- ما يكون مزيجاً من هذا وذاك، وقد يصعب على كثيرين تمييزه، واستخلاص جيده من رديئه ومثاله: قضية النسب، فالنسب من حيث ثبوته سبب في صلة الرحم، ومعرفة الأقارب والتوارث والتواصل.. إلى غير ذلك من الأحكام الشرعية، لكن هذا الأصل بني عليه من فجر التاريخ نوع من العصبية القبلية، التي حذر منها النبي صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك ظلت موجودة على مستوى الجيوش، وعلى مستوى السلطة، وعلى مستوى العلاقات، وتوارثها الناس اليوم، وأصبحت إحدى العوامل المؤثرة في انشطار المجتمع واختلافه، أنه ينقسم إلى مجموعة من الشرائح، والتكوينات الأسرية القائمة على أنساب متميزة، فلم يقتصر الأمر على مجرد تعارف، أو انتساب، وإنما تحول إلى نوع من التعصب والتناحر والتنافس، تضيع في حماه مسألة الكفاءة والجدارة والأفضلية، فهنا أصبح في الأمر نوع من الالتباس، بينما هو أصلي وصحيح ومشروع، وبينما هو طارئ ومذموم ومنبوذ.
السلطة الثالثة: السلطة العلمية، والأمر فيها لا يخلو من إشكال، فإننا نجد تفرقاً كبيراً، وأعداداً غفيرة من العلماء والفقهاء والقراء والمتعلمين والمتخصصين في مجال الشرعيات، وهم لا يجمعهم كتاب حافظ، ولا تضمهم مؤسسة بعينها، بل الغالب أن كثيراً من الأقوال والآراء والاجتهادات ترجع إلى رأي خاص، واجتهاد شخصي أكثر مما ترجع إلى اجتهاد جماعي ومدارسة عامة، كما كان الأمر في عصر الصدر الأول، حين كان عمر رضي الله عنه يجمع الصحابة إذا أشكل عليه أمر ويستشيرهم، ولهذا كان من الكلمات الدارجة: لو عرضت هذه المسألة على عمر لجمع لها أهل بدر .
ولكن مع ذلك فإن الأمر لا يخلو من إشكال، فيما يتعلق بالتعامل مع المؤسسة الدينية، سواء كانت رسمية أو شعبية أو جماعية أو فردية؛ فإن النفس الإنسانية ترتاح لسماع المديح ولو كان كاذباً، وتنفر من سماع النقد ولو كان جاداً عادةً، ولا يقمعها من هذا الارتياح إلا رادع التقوى والمراقبة لله سبحانه وتعالى والزهد في الدنيا ومطامعها ، فهذا الزهد يضعف مراكز الأنانية في النفس، فتعتاد تقبل النقد والتصحيح، ومثله التدريب والتعويد الذي يهون وقع هذه الأشياء ويذهب حزنها؛ فإن الشخص الذي تعود ألا يسمع إلا الإطراء والثناء والتأييد وهز الرءوس، يصعب عليه أن يتقبل النقد أو المعارضة أو الرفض، وهذا أمر طبعي، بل أكثر من ذلك، فلو أن إنساناً تعود على سماع النقد عشرين سنة، ثم فقد النقد أسبوعاً؛ ليسمع خلاله مديحاً خالصاً محضاً، لاحتاج بعد الأسبوع إلى استعداد جديد، وتأهيل جديد وتدريب قاس؛ لقبول النقد الذي ينتظره.
إننا نجد أن الولاء السياسي أو العلمي أو الدعوى ربما يأخذ أكبر من حجمه، أو يتم التعبير عنه وتفسيره بطريقة غير دقيقة، فهناك من ينفر من نقد من ينتسب إليهم من المشايخ أو العلماء أو الدعاة، وبمجرد ما يسمع صوتاً باعتراض، ولو كان لطيفاً؛ فإنه يستفز للمقاومة والرد، وقد يطلق على الخصم عبارات التصنيف والتهمة والمحاصرة، ثم ينبري للدفاع، و لا بأس بحرية الإنسان في الدفاع عما يعتقد، لكن مع مراعاة أن الانهماك في الدفاع يفضي إلى نوع من المغالبة والمبالغة في الترميز، وتكريس الصدارة بطريقة لا حاجة إليها ، وربما يكون ذلك تعميقاً للانشقاق في المجتمع الإسلامي، أو داخل الصف الدعوي والصف العلمي، خصوصاً إذا كان الدفاع ينطلق من ولاء راسخ، أو تبعية مطلقة، إن التمحور حول الأشخاص بالتبعية أو الإقصاء لهو معاناة مستحكمة، وإذا تم غض الطرف عنه في ظرف من الظروف التي مضت؛ فإن من غير الممكن أن نغض الطرف عنه الآن، ويجب أن ندفع من جهدنا ومن عرقنا ومن حقوقنا الشخصية ومن أعصابنا؛ لأن نعيد إلى الأمة لحمتها ووحدتها، وأن نبعدها عن عوامل التفرقة والانشطار.
نعم! إن إحقاق الحق، ورد الخطأ مطلب شرعي، وحفظ مقامات الناس هو مطلب شرعي آخر، والشريعة تتكامل ولا تتقاطع.
يجب أن يمنح الشباب بعض الحرية في النقد، وشيئاً من الحرية في مدى استحقاق من نسميهم، وجدارتهم بهذه الألقاب التي نضفيها عليهم.
نعم! نحن نطالب بتحسين لغة الحوار، وتجاوز سلبياته، لكن لا يجب أن نفترض المستحيل، ولا أن نفترض أن القدرة على الحوار الهادئ يمكن أن تتم بين يوم وليلة ، دع الناس يعبرون عن رأيهم الآن، ثم قم أنت بالتوجيه، وسوف يتم التدارك بعد ذلك، وتهدأ اللغة بعدما يزول الاحتقان، ولو إلى حد ما!
إذا كنا نحن ننتقد الحكومات والسلطات التي تضيق بالرأي الآخر؛ فلماذا نمارس الخطأ ذاته في محافلنا ومجامعنا ومنتدياتنا وحلقاتنا وجماعاتنا ودوائرنا.
إن النقد لا يدمر الأشخاص الجديرين كما نتوهم بل هو يبنيهم، ويزيدهم تألقاً وطموحاً وثقة، ويثير فيهم عوامل الإبداع، وينفض عنهم غبار التقليد والركون، ويقضي على سلبيات العظمة الوهمية، والكبرياء الكاذبة، والتعالم والادعاء الذي يسرع لمن تعود ألا يسمع إلا الإطراء والمديح والتأييد.
يجب أن تتعود آذاننا على سماع نقد أولئك الذين نحبهم، ما دام النقد ليس اتهاماً ولا تجريحاً ولاطعناً ولا سباباً؛ فإذا تحول إلى شيء من هذا فهو اللغو الذي نعرض عنه: (( وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ ))[القصص:55] .
رابعاً: السلطة السياسية: ما نقوله في السلطة العلمية نقوله في المرجعية السياسية؛ فإن كثيراً من الدول اليوم أصبحت ترى أن وجود ما يسمى بالمعارضة، سواء تشكل في أحزاب أو مجموعات أو شرائح أو غيرها صار جزءاً مكملاً في المشهد السياسي، فإذا لم توجد؛ فإنهم يسعون في إيجادها، ولذلك فإن النقد الهادف البعيد عن التجريح أو السباب أو التهويل أو المصادرة لا يدمر المجتمعات والدول والحكومات،بل يزيدها شفافية، ويعينها على تلافي النقائص والعيوب، ويكشف عن الأدواء والأمراض التي تكبر وتنمو في جو التعميم والتعتيم والتكتيم والتكميم.
إن كثيراً من الأمراض إنما تنشأ في الظلام، فإذا عرضت لأشعة الشمس فإنها تقتل الجراثيم، وبذلك يعيش الناس عيشة طبيعية سوية سليمة، ولديهم قبول للمناقشة والأخذ والرد والحوار، وواقعية واعتدال في معارضتهم، كما لديهم واقعية واعتدل في تأييدهم، وقبولهم.
إن الشعوب الحرة هي الشعوب الجديرة بالبقاء والحياة، القادرة على تجاوز الصعاب ، و من الخطأ الظن بأن الحرية هي مجرد قرار ، لا، إنها برنامج للحياة والبناء؛ ولكن هذا القرار يصلح أن يكون شرارة تقدح زناد الحرية، وتطلق صفارة البدء، و من الطريف أن الجاحظ في كتاب الحيوان ، ذكر أن البلابل إذا سجنت في أقفاص فإنها لا تتناسل ولا تتوالد، وقد التقط هذا المعنى الجميل شاعر الشام عمر أبو ريشة ، وكتب قصيدة عنوانها: بلبل:
ألفيته ينثر ألحانه            كأنما ينثر من كبده
وإلفه المشفق ظل له            باق كما كان على عهده
مدله اللفتات مستوحش            طاوٍ جناحيه على وجده
كم أطبقت منقاره غصة            فمده ينقر في قيده!!
أسقمه العيش على وفره            لما رآه ليس من كده
وأين مخضل الجنى حوله؟            من زنبق الروض ومن ورده
طوى المنى نوحاً ولكنما            لم يغنه النوح ولم يجده
فعاف دنياه ولم يتخذ            عشاً ولم يحمل سوى زهده
كأنه من طول ما مضه            من عبث الدهر ومن كيده
أبى عليه الكبر أن يورث            الأفراخ ذل القيد من بعده!
لو يعلم الصياد ما صيده            لم يجعل البلبل في صيده!