الرئيسة المقالات1426 هـصدقة الفطر - 28

صدقة الفطر - 28

لها أسماء، منها: زكاة الفطر، وصدقة الفطر، والفطرة بكسر الفاء، وزكاة البدن، أو زكاة الرأس، أو زكاة الرقبة، أي: زكاة الإنسان، فهي لا تتعلق بالمال؛ ولذلك من أسمائها زكاة البدن.
و سميت الفطرة؛ لأنها تؤدى بعد الفطر من رمضان، أو نسبة إلى الفطرة، قال الله تعالى: (( فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ))[الروم:30].
الحكمة من مشروعية زكاة الفطر ثلاثة معان:
الأول: أنها طهرة للصائم من اللغو والرفث؛ وذلك لأن الصائم لا يخلو أن يقع في صيامه نقص بوجه من الوجوه، ولو أن يلغو في الكلام أو يرفث أو يقع في غيبة أو فضول كلام أو فضول نظر، أو غير ذلك من المعاصي التي لا تفسد الصيام، ولكنها تنقص أجره وتضعفه.
الثاني: أنها طعمة للمساكين؛ لأنها تخرج في ليلة العيد ويوم العيد، وهو يوم فرح وسرور واغتباط وتوسع في المأكل والمشرب والملبس، ففي إخراج صدقة الفطر في ذلك اليوم إشعار للمساكين والفقراء بانتمائهم لذلك المجتمع، وإطعام لهم ومشاركة لهم في سرور يوم العيد وفرحه؛ لئلا يأتي عليهم العيد وهم جياع يشعرون بالانقباض، وربما بالحسد لمن يتمتع بالنعيم، ويحرمهم من قوتهم أو ضرورة حياتهم.
ولهذا ذهب من ذهب من الفقهاء إلى أن صدقة الفطر تقصر على الفقراء والمساكين ولا تصرف لغيرهم من الأصناف الثمانية، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية و ابن القيم .
الثالث: أن في صدقة الفطر تعويداً لأفراد المجتمع على المشاركة والعطاء؛ ولذا كانت الصدقة متعلقة بالإنسان، ولو لم يكن غنياً، فإنه يتصدق.
  1. حكمها

    ذكر ابن المنذر، ونقله عنه ابن قدامة وغيره: إجماع الفقهاء على وجوب صدقة الفطر، ونص البيهقي عند الحديث على إجماع الفقهاء على وجوبها، وقال إسحاق بن راهويه: هو كالإجماع؛ وذلك لأدلة منها:
    أولاً: قول الله تعالى: (( قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى ))[الأعلى:14-15].
    وقد فسر ابن عمر رضي الله عنهما هذه الآية بزكاة الفطر .
    ثانياً: عن ابن عمر رضي الله عنهما: ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فرض زكاة الفطر، صاعاً من تمر، أو صاعاً من شعير، على كل حر أو عبد، ذكر أو أنثى، من المسلمين ) .
    و الفرض صريح في الإيجاب والحتم والإلزام.
  2. شروط وجوب صدقة الفطر

    الأول: الإسلام فلا تجب على الكافر من حيث العقل والنقل.
    الثاني: الحرية، وهذا عند الأكثرين خلافاً للحنابلة، ورواية عند الشافعية وغيرهم، فيقولون بوجوبها على سيده من ماله فيخرجها عن العبد.
    الثالث: القدرة، ولا يشترط فيها أن يملك نصاباً، بل يكفي أن يكون عنده فضل عن قوته وقوت من يمونه يوم العيد وليلته؛ لأن صدقة الفطر صدقة عن البدن ليس لها تعلق بالمال ولا يلزم لها الغنى.
  3. ما يجب إخراجه

    الواجب صاع عند كافة الفقهاء، ومقدار الصاع: أربعة أمداد، والمد يساوي حفنة بيدي الإنسان المتوسط المعتدل، ومقدار الصاع بالغرامات يساوي ألفين ومائة وستين جراماً، أو ألفين ومائة وست وسبعين جراماً تقريباً، أي: ما يعادل كيلوين ومائة وستة وسبعين جراماً.
  4. الأصناف التي تخرج منها

    ثبت من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: ( فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر صاعاً من تمر، أو صاعاً من شعير، على العبد والحر، والذكر والأنثى، والصغير والكبير من المسلمين، وأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة ) .
    وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: [ كنا نخرج زكاة الفطر صاعاً من طعام، أو صاعاً من شعير، أو صاعاً من تمر، أو صاعاً من أقط، أو صاعاً من زبيب ] .
    هذا هو المنصوص عليه، و جمهور العلماء من الصحابة رضي الله عنهم والتابعين على أنه لا يلزم الاقتصار على هذه الأصناف، فيجوز أن تخرج من غالب قوت البلد، كالأرز وغيره.
  5. إخراج القيمة

    الجمهور على أنه لا يجزئ، وهذا مذهب الأئمة: مالك و الشافعي و أحمد، ولما سئل الإمام أحمد عن إخراج المال؟ قال: [ أخاف أن لا يجزئه، فقالوا: إن الخليفة عمر بن عبد العزيز يرى إخراج المال؟ فقال: اتباع السنة أولى، نقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقولون: قال فلان ].
    وأبو حنيفة يذهب إلى جواز إخراج القيمة في صدقة الفطر.
    وهذا القول ثابت عن عمر بن عبد العزيز ، وجاء عن الحسن البصري أنه قال: [ لا بأس أن تعطى الدراهم في صدقة الفطر ] وقال أبو إسحاق السبيعي : [ أدركتهم وهم يعطون في صدقة رمضان الدراهم بقيمة الطعام ] .
    وهذا مذهب الثوري و عطاء ؛ فإن عطاء كان يعطي في صدقة الفطر الورق، أي: الفضة، وهؤلاء من سادة التابعين.
    وممن قوى هذا الأمر ونصره من المتأخرين الشيخ مصطفى الزرقا ، وله بحث مطول نصر فيه القول بجواز إخراج المال في صدقة الفطر، ومن الأوجه التي يتعزز بها هذا القول ما يلي:
    الوجه الأول: أن كثيراً من الفقهاء يرون أنه يخرج من قوت البلد غير المنصوص في حديث أبي سعيد وحديث ابن عمر رضي الله عنهما، فإذا تغير القوت جاز أن يخرج من القوت الموجود كالأرز أو القمح أو أي قوت ينتشر في بلد من البلدان، وإذا جاز إخراجها من قوت البلد حتى ولو لم يكن منصوصاً ولا وارداً في السنة، فمن باب أولى أن تخرج من الدراهم؛ لأنها قد تكون أفضل من القوت لكثير من الناس، وهذا منهم مصير إلى القيمة والتقييم؛ لأنهم قوموا ما كانت قوتاً في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وأخرجوا بدله.
    الوجه الثاني: أن الأمر في هذه الأشياء ليس تعبدياً محضاً لا يجوز الخروج عنه إلى غيره، وإنما هو أمر مصلحي واضح، أي: أن المقصود من صدقة الفطر منفعة المسلمين ومنفعة الآخذ والباذل أيضاً، ولا شك أن منفعة الآخذ أولى، وإخراج القيمة خصوصاً إذا طابت بها نفس المعطي ونفس الآخذ وأنه أحب إليهما معاً يحقق مقصد الشرع في التوسعة على الناس، وفي تطهيرهم، وفيما فيه تحقيق مصالحهم، وليس فيه ما يعارض نصاً ظاهراً.
    الوجه الثالث: أن الفقهاء اختلفوا في إخراج زكاة المال من العروض أو إخراجها من المال، وفي هذه المسألة ثلاثة أقوال:
    الأول: أنه يجوز إخراج زكاة العروض من نفس المال.
    الثاني: أنه يخرجها نقداً ولا بد.
    الثالث: أنه يجب عليه إخراجها من المال.
    فالقول الأول: فيه تخيير بين النقد وبين إخراجها من نفس المال، والأفضل هو الأحظ للفقراء، فلو علم أن الفقير سوف يشتري بهذا المال عروضاً، كان الأفضل أن يعطيه عروضاً حتى يوفر عليه القيمة ويوفر عليه التعب، وإن علم أنه إن أعطى الفقير عروضاً فإنه سوف يبيعها، وربما ينقص قيمتها عند بيعها إلى نصف الثمن أو ثلثه، فيكون الأولى أن يعطيه مالاً في هذه الحالة، وكذلك إذا علم أن الفقير لا يحسن التصرف، فقد يكون عنده سفه أو حمق، أو قد يكون عنده معصية، فيستخدم المال في غير ما أحله الله، فيكون الأفضل أن يعطيه عروضاً حتى يستخدمها في نفسه وأهله، وقد رجح ابن تيمية في هذا أنه إذا كان ثمة حاجة ومصلحة فإنه يجوز إخراج المال عن العروض.
    والقول الثالث: أنه مخير بين إخراج المال وبين إخراج العروض، والأفضل هو الأحظ للفقراء، فإذا كان هذا في زكاة المال وهي ركن من أركان الإسلام، وفرض بالاتفاق، ووجوبها أظهر وأمرها آكد؛ فأن يكون هذا سائغاً في زكاة الفطر من باب أولى.
    وإن كان الذين قالوا بوجوب إخراج الطعام التمسوا بعض الفوائد التي تناسب بعض المجتمعات، فقالوا: لأن هذا فيه إحياء للسنة بشراء الطعام وبيعه وكيله بدلاً من الورق النقدي أو الفلوس التي قد يدسها في يد الفقير ولا يعلم به أحد، ولا يكون لهذه الصدقة نوع من الظهور والشهرة في المجتمع.
    لكن هناك حالات يجب أن تقدر بقدرها، ففي بعض البيئات هناك نوع من التلاعب الواضح، فعلى سبيل المثال: الذين يبيعون صدقة الفطر حول الحرم في مكة يبيعونها ويأخذون المال، ثم يأخذونه باعتبار أنهم فقراء ثم يبيعونها على الآخر وهكذا، فهذا من حجج الذين قالوا بوجوب النظر في الموضوع، والله تعالى أعلم بالصواب، وإنما يؤخذ من هذا عدم التشديد في المسألة، وأن تنتظمها بحبوحة الشريعة في التوسعة.
  6. وقت وجوبها

    صدقة الفطر تجب بالفطر من رمضان؛ ولذا سميت زكاة الفطر من باب نسبتها إلى سببها، وقد ذهب الشافعي و أحمد و إسحاق و مالك في رواية عنه إلى أنها تجب بغروب الشمس من ليلة العيد، بينما ذهب أبو حنيفة إلى أنها تجب بطلوع الفجر يوم العيد.
    والفرق بين القولين يظهر فيما لو فرضنا إنساناً مات بعد غروب الشمس ليلة العيد وهو مسلم، فعند الجمهور تجب عليه صدقة الفطر؛ لأنه أدرك وقت الوجوب، وعند أبي حنيفة لا تجب؛ لأن وقت الوجوب عنده يبدأ بصلاة الفجر، كذلك لو أن مولوداً ولد بعد طلوع الفجر، فهنا تجب عليه صدقة الفطر عند الجميع، كذلك لو مات قبل غروب الشمس من ليلة العيد فلا تجب عليه زكاة الفطر، فوقت الوجوب إما أن يكون بعد غروب الشمس أو يكون بعد طلوع الفجر.
  7. لمن تعطى صدقة الفطر؟

    للعلماء في هذه المسألة قولان:
    الأول: أنها تخرج للأصناف الثمانية، وهذا مذهب الجمهور، بل قالت الشافعية: يجب تقسيمها على الأصناف الثمانية كلهم.
    الثاني: أنها خاصة بالفقراء والمساكين وهو قول الحنابلة، وهو اختيار ابن تيمية و ابن القيم ، وهو أولى وأوجه، وذلك للنص؛ لأن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم قال: ( ... وطعمة للمساكين ) ولأنها صدقة على البدن فليس فيها سعاة، ولا علاقة لها بالغارمين ولا بغير ذلك، مما يدل على أن مصرفها ليس هو مصرف الزكاة المعروفة زكاة المال، فالأولى أن يقتصر في إخراجها على الفقراء والمساكين.
  8. عمن تخرج صدقة الفطر؟

    قول الجمهور أنه يؤديها أولاً عن نفسه ثم عمن يمونه، فيخرجها عن زوجته وعن ولده وعن والده إذا كان فقيراً تلزمه نفقته؛ لأن الفطرة عندهم تابعة للنفقة.
    أما الجنين فلا تجب عليه به صدقة الفطر، لكن يستحب إخراجها عنه، خصوصاً إذا كان قد نفخت فيه الروح، وقد جاء عن عثمان رضي الله عنه أنه كان يخرجها عنه، ونقل عن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم أنها ليست واجبة عليه .
  9. وقت وجوب إخراجها

    وقت وجوبها قبل خروج الناس إلى الصلاة؛ لحديث ابن عمر رضي الله عنهما: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة ) ، وحديث ابن عباس رضي الله عنهما، وفيه: ( من أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات ) ولهذا فإن إخراجها بعد صلاة الفجر، وقبل صلاة العيد إخراج لها في مكانها الصحيح باتفاقهم وهو مجزئ.
    ويجوز أن يخرجها قبل العيد بيوم أو يومين، وهذا نص عليه ابن عمر رضي الله عنهما في رواية من حديثه لأن هذا قريب من العيد، وقد يكون في تحديد الوقت مشقة على الناس، والفقير إذا جاءته في مثل هذا الوقت سيحتفظ بها إلى وقت العيد، أو قد تكفيه إلى يوم العيد.
    وقال بعضهم: إنه لو أخرجها قبل ذلك بثلاثة أيام إلى نصف شهر أجزأت، وقال بعضهم: إلى بداية الشهر، بل قال أبو حنيفة : إلى سنة أو سنتين، لكن هذا مما ليس عليه دليل، والأقرب أنها صدقة مؤقتة فلا تخرج إلا في وقت يستفيد الفقير منها، وذلك في يوم العيد وليلته وما بعده.
    أما ما بعد العيد، فلو أخرجها بعد الصلاة فعند الحنابلة تجزئ، لكنه يكره، ومذهب الجمهور أنه يجوز إخراجها في يوم العيد ولو بعد الصلاة بلا كراهة.
    ومن الأدلة: حديث ابن عمر رضي الله عنهما: ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بزكاة الفطر أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة يوم الفطر ) .
    وحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: ( كنا نخرج في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفطر ) الحديث، وهذا دليل على أن اليوم كله محل للإخراج، فلو أخرجها بعد الصلاة لكان مكروهاً عند الحنابلة، لكنه مجزئ عند البقية، أما لو أخرها بعد يوم العيد فهي صدقة من الصدقات.
    وهناك قول بأنها لا تجزئ بعد الصلاة وإنما يخرجها قبل الصلاة، واليوم ينتهي بغروب الشمس؛ لقول ابن عمر رضي الله عنهما: [ وكانوا يعطون قبل الفطر بيوم أو يومين ] .
    أي: لو أن عشرة أخرجوا صدقة الفطر لرجل واحد فإن هذا جائز، وهكذا لو أن رجلاً أعطى الصاع الذي عليه مجموعة من الفقراء ووزعه عليهم فهذا جائز أيضاً.
    اللهم تقبل منا صومنا وقيامنا إنك أنت السميع العليم، اللهم اغفر لنا إنك أنت الغفور الرحيم، اللهم اهدنا إلى سواء السبيل، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
    اللهم احشرنا مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً، اللهم متعنا بالنظر إلى وجهك الكريم، في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة، اللهم زينا بزينة الإيمان، واجعلنا هداة مهتدين، اللهم وفقنا لصيام رمضان وقيامه اللهم ارزقنا فيه الخير.